التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 74

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 74

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 74، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تمكين يوسف في مصر وبداية الفتنة

يفسر الشيخ السعدي آيات شراء عزيز مصر ليوسف وإكرام مثواه كتمهيد لتمكينه في الأرض وتفرغه للعلم. يقارن بين صبره الاضطراري على كيد إخوته وصبره الاختياري على مراودة امرأة العزيز، مؤكداً أن الصبر الاختياري مع توفر الدواعي أعظم أجراً وأن الله غالب على أمره.

عصمة يوسف وثباته أمام مراودة امرأة العزيز

يستعرض المقطع دواعي الفتنة العظيمة من جمال ومنصب وإغلاق أبواب وتهديد بالسجن، ويبين أسباب ثبات يوسف المتمثلة في تقوى الله ومراعاة حق سيده وصيانة النفس والعلم المانع من المعصية. يختم بهروبه منها وتمزيق قميصه من الخلف ومفاجأة سيدها لهما عند الباب.

براءة يوسف بكيد النساء وإثبات بيع إخوته له

يشرح المقطع كيف برأ الله يوسف بشهادة شاهد من أهلها استدل بتمزيق القميص من دبر، فاعترف سيدها بكيد النساء وعظمه وأمر يوسف بالإعراض والمرأة بالاستغفار. يبين بالدليل والقرائن أن إخوة يوسف هم الذين باعوه للسيارة بثمن بخس للتخلص منه لا السيارة كما قد يظن.

خاتمة الدرس وتوجيه لمراجعة تفسير ابن كثير

يختم المقطع بملخص ما ذكره أهل التفسير حول الآية، ويوجه المشاهدين للرجوع لتفسير ابن كثير للمزيد من التفصيل. يختم بدعوة للاشتراك في القناة.

  • 22 جمادى الأولى 1445هـ - 04/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، قال الإمام العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في سياق ذكره لقصة نبي الله يوسف عليه السلام: قال سبحانه وتعالى: ﴿ وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾. هؤلاء السيارة اشتروه من إخوة يوسف بثمن بخس، ثم باعه هؤلاء لملك مصر فاشتراه منهم. فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وقال الذي اشتراه من مصر ﴾، أي: لما ذهبت به أو ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها، فاشتراه عزيز مصر. فلما اشتراه أعجب به، يعني: أعجب بيوسف، ووصى به امرأته أن تربيه وأن ترعاه وأن تعتني به، وقال: أكرمي مثواه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، أي: إما أن ينفعنا كنفع العبيد بأنواع الخدم، وإما أن نستمتع فيه استمتاعنا بأولادنا، يعني: كأنه يكون ولدًا لنا. ولعل ذلك أنه لم يكن لهما ولد، فيكون هذا بمنزلة ولدنا. قال: ﴿ وكذلك مكن ليوسف في الأرض ﴾، أي: تمكين الآن ما في ظاهر التمكين من أي وجه. قال المفسر: أي كما يسرنا له أن يشتريه عزيز مصر أو عزيز مصر ويكرمه هذا الإكرام، جعلنا هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق. فهذا بداية التمكين: كون أن الله عز وجل جعل الرحمة وكذلك العناية ليوسف في قصر عزيز وملك من الملوك، لا شك أن هذا يعد تمكينًا ليوسف، تمكينًا ليوسف عليه السلام. فهو كما ذكر مقدمة لتمكينه عليه السلام. ﴿ ولنعلمه من تأويل الأحاديث ﴾، يعني: إذا بقي لا شغل له ولا هم له سوى العلم، يعني سيصير متفرغًا. فهو في قصر العزيز كأحد أفراد الأسرة، كأحد أفراد أسرة هذا الملك، فلا شك أنه سيتفرغ تفرغًا تامًا. فإذا بقي لا شغل له ولا هم له سوى العلم، صار ذلك من أسباب تعلمه علمًا كثيرًا من علم الأحكام وعلم التعبير وغير ذلك، فلا ينشغل ذهنه بعمل يصرفه أو يشغله عن العلم والتفكر في العلم والإقبال على العلم، سوى كان علم الأحكام أو علم التعبير، أي: تعبير الرؤى. ﴿ والله غالب على أمره ﴾، أي: أمره تعالى نافذ لا يبطله مبطل. انظر: إخوته أرادوا له الذل، وأرادوا له كذلك الإضرار، فالله سبحانه وتعالى رفع قدره وأعلى منزلته. فالله غالب على أمره تعالى، أي: أمره تعالى نافذ لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب. ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾، فلذلك يجري منهم ويصدر ما يصدر في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم أعجز وأضعف من ذلك. وهذا فيه تسلية لكل من مكر به، فليعلم أن الأمر لله عز وجل، وأن أهل الأرض جميعًا لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. فالله غالب على أمره، فمن يكن مع الله يكن الله معه، يكن الله معه سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿ ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ﴾. أي: لما بلغ يوسف أشده، أي: كمال قوته المعنوية والحسية. المعنوية: أي باستكمال العقل والإدراك. والحسية: أي باستكمال قوة جسده، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة من النبوة والرسالة. ﴿ آتيناه حكما وعلما ﴾، أي: جعلناه نبيًا رسولًا وعالمًا ربانيًا. ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ في عبادة الخالق ببذل الجهد والنصح فيها، أي: في عبادة الله، وإلى عباد الله يعني: الإحسان إلى الخالق وذلك بعبادته وبذل الجهد والنصح فيها، وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم. ولذلك لو قرأت هذه القصة لرأيت كيف أن يوسف عليه السلام منذ أن أودع في السجن إلى أن مكن في الأرض وهو ينفع الخلق. فسيأتي معنا كيف أنه فسر الرؤيا للسجينين الذين سجنا معه، وكيف أنه بذل لهم النصح في تقرير وحدانية الله سبحانه وتعالى. كل ذلك إن شاء الله سيأتي معنا. فالنفع قد يكون نفعًا دينيًا وهو أعظم النفع بالنصح والتعليم، وقد يكون كذلك النفع دنيويًا وذلك بالوقوف مع ذلك المنتفع بقضاء بعض حوائجه ونحو ذلك. قال: وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم، نؤتيهم من جملة الجزاء على إحسانهم علمًا نافعًا. ودل هذا على أن يوسف وفى مقام الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس والعلم الكثير والنبوة، كل ذلك من الله عز وجل به على يوسف. قال تعالى: ﴿ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ﴾ إلى آخر الآيات في مراودة امرأة العزيز ليوسف. وخلاصة هذه المراودة قال المؤلف: هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرًا؛ لأنه صبر اختيارًا مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل. الصبر قد يكون صبرًا اختياريًا، وقد يكون صبرًا اضطراريًا. فالصبر الاختياري هو الصبر الذي يستطيع صاحبه ألا يصبر، عنده القدرة وعنده الإمكانية. مثلا: إنسان يصبر عن الحرام، يستطيع أن يقع في الحرام، الأبواب مفتحة له، سواء كان من ربا أو من رشوة أو من نصب واحتيال، لكنه صبر فترك ذلك لله صبرًا، وإن كان محتاجًا، وإن كان في أمس الحاجة إلى المال، لكنه ترك هذه الأبواب المحرمة من تلقاء نفسه اختيارًا. بخلاف إنسان فقير لكن ما فتحت له أبواب الحرام، كلما يريد أن يطرق باب أغلق دونه، فهذا صبره على الفقر صبر اضطراري، صبر اضطراري لأنه ما عنده حيلة، ما عنده حيلة. وهكذا يوسف عليه السلام لما راودته امرأة العزيز صبر على هذا البلاء مع توفر الدواعي، سيذكرها المؤلف ها هنا، قال: فقدم محبة الله عليها. وأما محنته بإخوته فصبره صبر اضطرار: هل يستطيع أن يدفع ما فعله إخوته به؟ ما يستطيع أن يدفع ذلك، فهو ليس باختياره، فهو ليس باختياره. قال: فصبره صبر اضطرار بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره. أنت الآن إذا مريض هل تستطيع تدفع عن نفسك هذا المرض؟ خاص جاءك الألم تصبر، جاءك المرض تصبر، صبر اضطراري، صبر اضطراري. وهكذا ما فعل إخوته، ما فعل إخوته به، فصبره على ذلك صبر اضطراري. بخلاف مراودة امرأة العزيز، فصبره على ذلك صبر اختياري. قال: وليس له ملجأ إلا الصبر عليها طائعًا أو كارهًا، ما في هناك إلا أن تصبر. وذلك أن يوسف بقي مكرمًا في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء كما ورد في الحديث: «أعطي شطر الجمال». نعم، ما أوجب ذلك أن راودته التي هو في بيتها عن نفسه، أي: هو غلامها. انظر الآن إلى دواعي تيسر هذه الفاحشة، انظر إلى هذه الدواعي. قال هنا: أي هو غلامها، يعني: هي تتصرف فيه وتحت تدبيرها. كذلك هي تأمره، والمسكن واحد، هو عندها في نفس المكان، في نفس البيت، بتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، لا أحد يعلم بها ولا إحساس بشر. وزادت المصيبة بأن ﴿ وغلقت الأبواب ﴾، أحكمت المكان. انظر إلى هذه الدواعي، وصار المحل خاليًا وهما آمنان من دخول أحد عليهم لأن الأبواب مغلقة، فإذا أراد أحد أن يدخل لابد أن يطرق الباب بسبب تغليق الأبواب. وقد دعته إلى نفسها، هي التي دعته، هي التي دعته، وهي التي رغبت في ذلك. انظر إلى هذه الدواعي: امرأة عزيزة، وفي بيتها، وفي غرفتها، وغلقت الأبواب، وهذا هو غلام لها، وهي التي تأمره وتنهى، وقد نعم بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها، وقالت: هيت لك، أي: افعل الأمر المكروه، يعني: افعل معي الفاحشة وأقبل إلي. ومع هذا فهو غريب، هذا أيضًا داعي من الدواعي، هو غريب لا يحتشم مثله مما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه؛ لأنه إذا كان في وطنه وعنده من الأقارب وعنده من الأصحاب، إذا فضح فهذه فضيحة له، إذا علم أمره فهذه فضيحة له، سيتكلم عليه الناس. لكن الإنسان الغريب ما يعرفه أحد، ولا يستطيع أن يلوم من يعني عرضه بين أقاربه أو بين أهله أحد، لأنه إنسان غريب. فهذا أيضًا من الدواعي. وهو أسير تحت يدها وهي سيدته. قال: وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، هي كذلك جميلة لأنها امرأة عزيز مصر ملك مصر، والغالب في الملوك أنهم يختارون من الزوجات أجمل نساء بلدهم، أجمل نساء بلدهم. قال: وهو شاب عزب، شاب قوي عزب، ما هو متزوج. وقد توعدته إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن أو العذاب الأليم: إذا لم تفعل هذا سأعذبك وسأنزل العقوبة بك. انظر كل هذه دواعي كبيرة وعظيمة، فصبر عن معصية الله عليه السلام، صبر عن معصية الله مع وجود الداعي القوي فيه، مع وجود الداعي القوي فيه. ولذلك جاء في حديث أبي هريرة: «من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله». قال: لأنه قد هم فيها، هم تركه لله، ولقد هم بها وهمت به، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى من برهان ربه. وما هو هذا البرهان؟ لولا أنه رأى برهان ربه، ما هو هذا البرهان؟ قال: وهو ما معه من العلم والإيمان، فالعلم هو الذي يقي صاحبه من الشبهات وكذلك الشهوات، كما قال الله عز وجل: ﴿ وجعلنا منهما أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾. فبالعلم يقي الإنسان نفسه من شرور الشهوات وكذلك الشبهات. فبرهان ربه هو العلم والإيمان الموجب لترك كل ما حرم الله، ما أوجب له البعد والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة، هذه كبيرة من كبائر الذنوب. وقال: ﴿ معاذ الله ﴾، أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح. ثم ذكر السبب في امتناعه من هذه الفاحشة القبيحة، فقال المؤلف هنا: لأنه مما يسقط الله ويبعد منه. أولًا: ﴿ معاذ الله ﴾ لأنه يسقط الله عز وجل ويبعد من الله. ولأنه خيانة في حق سيد الذي أكرم مثواه وهو الملك، ولذلك قال: ﴿ إنه ربي أحسن مثواي ﴾، المراد بربي هنا: سيدي، سيدي الذي اشتراني ورباني وأحسن إلي، فكيف أخونه في أهله؟ ﴿ إنه ربي أحسن مثواي ﴾، وهذا فيه معرفة حق من أحسن إليه، أن تعرف حقه وأن كذلك تقابل الإحسان بالإحسان. فلأنه خيانة في حق سيد الذي أكرم مثواه، فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يفلح. ﴿ معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ﴾. والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل: تقوى الله. ما الذي منع يوسف من هذا الفعل مع توفر دواعيه؟ أولًا: تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه، لأن الزنا هو ظلم، ظلم في حق هذه المرأة وفي حق أهلها. ولذلك في حديث الأمام لما جاءه الشاب الأنصاري وقال له: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فماذا قال؟ قال: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟ أترضاه لعمتك؟ أترضاه لخالتك؟» والفتى يقول: لا والله، جعلني الله فداك. فهو ظلم، هل ترضاه هذا لأحد من محارمك حتى تقدم عليه؟ فكما قال الله عز وجل: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾. فصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه، وكذلك ما من الله عليه من برهان الإيمان. الله عز وجل أكرم يوسف بالنبوة والرسالة والعلم الذي في قلبه يقتضي منه امتثال الأوامر واجتناب النواهي. والجامع لذلك كله أن الله صرف عنه السوء والفحشاء لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، فالمخلصين من الاصطفاء والاختيار، الذين أخلصهم الله واختارهم واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه. قال: ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة، لأن الآية تدل على ذلك: هي تراوده وتدعوه، وقد أبدت له محاسنها، وهو يمتنع ويرفض هذا الأمر. ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة، ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص ويهرب من الفتنة. وهذا فيه أن من أعظم أسباب النجاة من الفتن، الشهوات والشبهات، الفرار منها ومغادرة مكانها، مغادرة مكانها. نعم، فحاول يوسف عليه السلام أن يهرب، فبادرت إليه، جرت خلفه وتعلقت بثوبه، أي:جرت ثوبه فشقت قميصه، من أين شقته؟ من الخلف. هو الآن مدبر وهي خلفه، فنزعت ثوبه فشقت هذا القميص. فلما وصل إلى الباب، قرب من الباب في تلك الحال، ﴿ ألفى سيدها ﴾، أي: وجد سيدها، أي: زوجها لدى الباب، يعني: عند الباب. فرأى أمرًا شق عليه، رأى أمرًا تعجب منه لما رأى من هذه الحال وشق الثوب وهذه الجذبة والمنازعة ونحو ذلك. قال: فرأى أمرًا شق عليه، فبادرت إلى الكذب هذه المرأة، وأن المراودة قد كانت من يوسف، قلبت القضية وجعلتها على يوسف عليه السلام، فقالت: ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ﴾، يعني: هذا الفتى أراد بي سوءًا، وهو الذي أرادني عن نفسي، وهو الذي راودني وطلب مني هذا الأمر، هكذا زعمت كذبًا وزورًا. قال: ولم تقل: من فعل بأهلك سوءًا، يعني: قالت: من أراد، كأنها الآن تبرئ نفسها أن وقع بها أو وقعت به، فلم تقل: من فعل بأهلك سوءًا، تبرئة لها وتبرئة له، أي: ليوسف أيضًا من الفعل، وإنما النزاع عند الإرادة والمراودة فقط، لم يقع الأمر، هكذا معنى كلامها: ﴿ إلا أن يسجن أو عذاب أليم ﴾، أن يعذب عذابًا أليمًا. فبرأ نفسه مما رمته به، وقال: ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾، لست أنا الذي طلبت هذا، وإنما هي التي راودتني عن نفسي. فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما، يعني: قد تكون المرأة هي الصادقة، وقد يكون يوسف هو الصادق، هذا في ظاهر الأمر بالنسبة للسيد، ولم يعلم أيهما. ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها. فمن الله تعالى في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام. فانبعث شاهد من أهل بيتها يشهد بقرينة من وجدت معه فهو الصادق، يعني: شاهد من نفس البيت يحاول أنه يحقق في القضية ويرى هل هناك قرائن تدل على صدق أحدهما أو كذبه. نعم، فقال: ﴿ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ﴾، قال: لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب، يعني: القد هو الجذب والنزع. فهذا الشاهد قال: حكمي أنه ننظر إلى قميص يوسف، إن كانت الجذبة من الأمام، إن كانت الجذبة من الأمام فهي صادقة امرأة العزيز وهو كاذب. ما وجهه هذا؟ لأن الجذبة إذا كانت من الأمام يدل على أنه هو المقبل إليها، هو المقبل إليها، يعني: المندفع إليها، أنه هو المراود، وهي تمتنع بنزع ثوبه من الأمام، تجذب ثوبه حتى لا يصل إليها. فإذا كانت الجذبة من الأمام معنى أن يوسف هو المراود، وامرأة العزيز هي الدافعة له، هي الدافعة له. ﴿ وإن كان قميصه قد من دبر ﴾، أي: نزع وجذب من الخلف، الدبر بمعنى الخلف، من الخلف، من دبر، ﴿ فكذبت وهو من الصادقين ﴾، يعني: هو الصادق وهي الكاذبة. هذا معنى حكم هذا الشاهد، حكم هذا الشاهد، لأن الجذب من الخلف يدل على هروبه منها، وأن هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب. فلما رأى قميصه قد من دبر، جاءوا إلى قميص يوسف، رأوا الجذب من أين؟ من الخلف. إذن من هو الصادق؟ يوسف. ومن هو الكاذب؟ امرأة العزيز. هذا حكم الشاهد. قال: ﴿ فلما رأى قميصه قد من دبر عرف بذلك صدق يوسف وبراءته وأنها هي الكاذبة فقال لها سيدها إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾. قال المؤلف: وهل أعظم من هذا الكيد الذي برأت به نفسها مما أرادت وفعلت ورمت به نبي الله يوسف؟ انظروا إلى مكر النساء: أول ما دخل عليها السيد ماذا قالت؟ ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ﴾، يعني: قالت: هو الذي فعل هذا، برأت نفسها ووضعت التهمة على نبي الله يوسف، وهذا من مكر النساء. نعم، ولذلك قال: وهل أعظم من هذا الكيد الذي برأت به نفسها مما أرادت وفعلت ورمت به نبي الله يوسف عليه السلام. ثم إن سيدها لما تحقق الأمر قال: ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾، أي: أترك الكلام فيه وتناسه ولا تذكره لأحد، خلاص أستر علينا، يعني: طلبًا للستر على أهله، هذه سمعة سيئة على أهله، تراود هذا الفتى وتريده أن يفعل بها القبيح، فطلب من يوسف أن يعرض عن هذا وأن لا يكلم أحد وأن يستر على أهله. ﴿ وقال للمرأة استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ﴾، والخطأ هنا بمعنى الإثم، ولذلك جاء في الحديث: «لا يحتكر إلا خاطئ»، أي: إلا آثم، إلا آثم، لأن الاحتكار محرم، فالمراد بالخطأ هنا الإثم. فاستغفري أيها المرأة لذنبك لأن أنت التي أردت ذلك وهذا من الإثم، فأمر يوسف بالإعراض وهي بالاستغفار والتوبة. طيب نكتفي بهذا ونكمل إن شاء الله في دروس. يقول هنا: هل هناك دليل صريح أن إخوان يوسف وهم الذين باعوه للسيارة؟ لأن على ظاهر القرآن السيارة أخذوه من البئر وباعوه لعزيز مصر. وذكر الحافظ ابن كثير وكذلك الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي أن إخوة يوسف هم الذين ادعوا أنه غلامًا لهم أبق عليهم، فلذلك شروه بثمن بخس، شروه بمعنى باعوه، الشراء يطلق على البيع. من القرائن التي تدل على أنهم هم الذين باعوه: أن هؤلاء السيارة لو باعوه للملك ما سيبيعوه بثمن بخس، ما هو الداعي لهم أن يبيعوه بثمن بخس وهو غلام جميل وحسن، والذي اشتراه هو عزيز مصر عنده من الأموال سيدفع فيه أثمن الأموال. فهذه قرينة تدل على أن الذي باعوه هم إخوته، وزهدوا فيه كما قال بعض أهل العلم: لو يعني لم يعطون فيه مالًا، لا باعوه بدون مقابل، لأنهم أرادوا التخلص منه، أرادوا التخلص منه وأن يذهب بعيدًا عن أبيه. فهذه قرينة، بهذه القرينة ذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن الذين باعوه هم إخوته، هم إخوته زهدوا فيه لأنهم أرادوا التخلص منه. هذا يذكره أكثر المفسرين، لو رجعت إلى تفسير ابن كثير وأيضًا المؤلفون ذكروا هذا، ذكروا هذا. هذه قرينة، ليس كما قلت أن ظاهر القرآن أن السيارة التي باعوه، لا، لأن في الآية ماذا؟ ﴿ وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلو قال يا بشرى هذا غلام ﴾، وكان إخوة يوسف موجودين، فقالوا: نحن نبحث عن هذا، هذا عبد لنا أبق علينا، هرب علينا، ثم قالوا لهؤلاء: هل تريدون شراءه؟ هذا هو معنى الآية: ﴿ وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلو قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ﴾، يعني: لا يريدون قيمة كثيرة لأنهم أرادوا التخلص منه. هذا ملخص ما ذكره أهل التفسير حول هذه الآية، والله تعالى أعلم. وارجع إلى تفسير ابن كثير سترى معنى هذا الكلام، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة