التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 73

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 73

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 73، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مكيدة الإخوة واستئذان الأب لإرسال يوسف

يتآمر إخوة يوسف على التخلص منه بإقناع أبيهم يعقوب عليه السلام بإرساله معهم للعب واللهو متذرعين بالنصح، فيوافق يعقوب رغم حزنه وخوفه من الذئب. ينفذ الإخوة مكرهم ويلقونه في غيابة الجب مع استخلاص فوائد تربوية كوجوب استئذان الوالدين.

كذب الإخوة على يعقوب بعذر الذئب وصبره الجميل

عاد إخوة يوسف إلى أبيهم ليلاً باكين زوراً مدعين أن الذئب أكل يوسف وقدموا قميصه ملطخاً بدم كذب. لم يصدقهم يعقوب لعلمه بحسدهم وسلامة القميص فصبر صبراً جميلاً واستعان بالله على ما يصفون.

الصبر الجميل وإخراج يوسف من البئر وبيعه

يشرح المقطع مفهوم الصبر الجميل بأنه الصبر دون جزع أو شكوى للخلق مع جواز الشكوى لله، ثم يستعرض خروج يوسف من البئر على يد وارد القافلة. قام إخوته ببيعه بثمن بخس دراهم معدودة ولم يدافع يوسف عن نفسه خوفاً من إخوته وصغر سنه.

ختام الدرس والإشارة لاستكمال القصة لاحقاً

أشار المتحدث إلى أن يوسف سكت ورضي بالصفقة فتم الشراء بذلك الثمن مع ضمان عدم هروبه. أعلن الاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل بقية ما ذكره المؤلف في الدرس القادم.

  • 22 جمادى الأولى 1445هـ - 04/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فهناك نسخة من قصص الأنبياء، المؤلف ذكر فيها هذه القصة ولم يختصرها، وإنما فسرها. فإن شاء الله نقرأ ما ذكره في هذه القصة وفي هذا الكتاب. طيب، نقرأ من قول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لُا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. أي: قال إخوة يوسف متواطئين، أو متوسلين إلى مقصدهم لأبيهم. وما هو مقصدهم؟ أن يلقوا بيوسف في غيابة الجب. هذا الذي اتفقوا عليه، يعني: منهم من قال نقتله، ومنهم من قال لا، نرميه في غيابة الجب. فاتفقوا على ذلك، فقالوا متوسلين إلى مقصدهم لأبيهم: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾. أي: لأي شيء يدخلك، أو يدخلك الخوف منا على يوسف من غير سبب ولا موجب، والحال إنا له لناصحون. أي: مشفقون عليه، نود له ما نود لأنفسنا. وهذا منهم على غير الحقيقة، فليس الأمر كما أظهروا لأبيهم. فهم ليسوا له بناصحين، وليسوا كذلك أمناء عليه، وإنما قالوا ذلك كي يقنعوا أباهم. قال: وهذا يدل على أن يعقوب عليه السلام لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبرية ونحوها؛ لأنه يخاف عليه منهم، وقد شعر بما قد يصدر منهم من علامات الحسد ونحو ذلك، فخاف عليه. قال: فلما نفوا عن أنفسهم التهم المانعة من عدم إرساله معهم، ذكروا له من مصلحة يوسف وأنسه الذي يحبه أبوه له ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم. يعني: أتوا له بأمر لربما هذا الأمر يستسيغه يعقوب لما فيه من إدخال السرور والأنس على يوسف. فقالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾. أي: أرسل معنا يوسف يرتع، أي يتنزه في البرية ويستأنس، كما هو طبيعة الصغار. الصغير من طبيعته يحب التنزه ويحب اللعب. هذا أمر يعني معروف ومعلوم، ومما جبل عليه الأطفال أنهم يحبون التنزه واللعب والترفيه ونحو ذلك. فدخلوا لأبيهم من هذا الأمر، قالوا: ارسله معنا غدا يرتع ويلعب. واستدل العلماء بذلك على أن الأب لا يشدد على ابنه في أمر اللعب، وكذلك التنزه، وعدم الجد في كل أوقاته، وإنما يترك له مجالا لما جبل عليه الأطفال؛ حتى لا يكبته، وحتى لا يضجره. ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. أي: سنراعيه ونحفظه من أذى يريده. فأجابهم، وافق على أن يأخذوه معهم بشرط، أو قال لهم بقوله: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾. أي: مجرد ذهابكم به يحزنني ويشق علي؛ لأنني لا أقدر على فراقه ولو مدة يسيرة. فهذا مانع من إرساله. ومانع ثانٍ: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، أي في حال غفلتكم عنه؛ لأنه صغير لا يمتنع من الذئب. فإذا ذكر لهم مانعين من أجلهما لا يحب ابنه يوسف أن يذهب معهم: الأمر الأول أنه لا يصبر على فراقه، لا يصبر على فراقه ولو وقتا يسيرا. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: يخاف عليه من أن يأكله الذئب. فرد عليه هؤلاء الأبناء بقولهم: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، أي جماعة حريصون على هذا، كيف يأكله الذئب ونحن مجموعة؟ هذا لا يمكن. ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، أي: إن أكله ونحن جماعة وعصبة، إنا إذن لا خير فينا ولا نفع يرجى منا، إن أكله الذئب وغلبنا عليه. فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله وعدم الموانع، سمح حينئذ بإرساله معهم لأجل أنسه. لأجل أنسه، فلما ذهبوا به أقنعوا أباهم أن يأخذوه معهم. فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب، لم يعترض أحد منهم، ولم تدخل الشفقة والرحمة قلب أحد منهم. فأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: أي لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعدما أذن له أبوه. وهذا فيه أن الطفل الصغير والولد لا ينبغي أن يذهب مكانا حتى يستأذن من أبيه. حتى يستأذن من أبيه. ولا ينبغي لمدرس أو لمشرف أن يأخذ ولدا نزهة أو مكانا ما إلا بعد أن يتأكد من أن هذا الولد قد استأذن والديه. قد استأذن والديه. قال: وعزم على أن يجعلوه في غيابة الجب. قال: الغيابة كل ما غيب عنك، والجب البئر. أي: إذا وضع غاب عن الأنظار، فهو من الشيء الذي غيب عنك. والجب هو البئر. فوضعوه في غيابة الجب، كما قال قائلهم السابق ذكره، وهو أخوهم الأكبر. وكانوا قادرين على ما أجمع عليه، فنفذوا فيه قدرتهم. يعني: يقدرون على ذلك لأنهم جمع، لا يستطيع أن يفر منهم وهو صغير، أو أن يقاومهم وهو كذلك ضعيف. فنفذوا فيه قدرتهم وألقوه في الجب. وذكر المفسرون كيفية وضعه في الجب، كل هذا والله أعلم أقرب ما يكون مأخوذة من الإسرائيليات، ويكفينا ظاهر القرآن. ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. هذا يذكرون بما أوحى الله عز وجل به إلى مريم فيما مر معنا من قصتها، لما حملت بعيسى عليه السلام وجاءها المخاض، ونزل بها ما نزل من الهم والغم والكرب، فأوحى الله عز وجل إليها وطمأنها. وهكذا نبي الله يوسف عليه السلام، لما مكر به إخوته وألقوه في الجب، أوحى الله عز وجل إليه وطمأنه، وأنزل السكينة عليه. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. هكذا أوحى الله عز وجل إليه، أي: سيكون منك معاتب لهم وإخبار عن أمرهم هذا. يعني: سينجيك الله عز وجل، وسيعلي قدرك، وستخبر إخوتك بما فعلوا بك، فتعاتبهم، ويعتذرون لك، وهم لا يشعرون بذلك الأمر. ففيه بشارة له؛ لأنه سينجو مما وقع فيه. هذه بشارة؛ لأن إخبار يوسف إخوته بما فعلوا به ومعاتبته لهم، هذا لشك يستلزم منه نجاته، يستلزم منه نجاة نبي الله يوسف عليه السلام. فهي بشارة؛ لأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض. ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾. رجعوا إلى أبيهم وهم يبكون. هذا ما يسمى بدموع التماسيح، يعني: يبكون لا بكاء حزن وبكاء كذلك ألم، وإنما يبكون بكاء تصنع. فجاءوا أباهم في العشي، واختيارهم لوقت العشي لأن الغالب أن هذه الوحوش إنما تخرج في الليل، تخرج في الليل وفي غفلة الناس، وفي ظلمة كذلك الليل، في ظلمة الليل. فجاءوا أباهم عشاء يبكون، ليكون إتيانهم متأخرا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلا لهم وقرينة على صدقهم. فقالوا متعذرين بعذر كاذب: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾. ﴿نَسْتَبِقُ﴾ يعني: نصطاد، إما على الأقدام أو بالرمي والنضال. وقيل: ﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتبارى، نتبارى إما بالجري وإما بالرمي والنضال. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ توفيرا له وراحة، يعني: حتى لا يشق عليه الجري والجهد ونحو ذلك. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾. فقال ابن كثير عند قوله ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾: قال اختاروا هذا العذر لأن أباهم توقعه. ماذا قال لهم أبوهم؟ ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾. فأتوا بنفس العذر الذي خاف منه أبوهم يعقوب عليه السلام. فقالوا: ذهبنا نستبق، وتركنا يوسف عند متاعنا، أي: عند زادنا، عند أكلنا، فجاء الذئب وأكله. ﴿فِي حَالِ غَيْبَتِنَا عَنْهُ وَاسْتِبَاقِنَا﴾. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾. أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا. ومعنى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾: لأن من معاني الإيمان التصديق. فقولهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، أي: وما أنت بمصدق لنا. والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة الشديدة عليه. ولكن عدم تصديق كهذا لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي. وكل هذا تأكيد لعذرهم. ومما أكدوا به قولهم: أنهم جاءوا على قميصه بدم كذب. أي: زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب. فلم يصدقهم أبوهم بذلك. وجاء في بعض الإسرائيليات أنهم أتوا بسلخة، أو بشاة فذبحوها، وأخذوا دمها ولطخوه بثوب يوسف. لطخوه بثوب يوسف. الظاهر من القرآن أن هذا الثوب فيه دم، لأنه قال: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. بدم من أين هذا الدم؟ يوسف عليه السلام لم يقتل، ولم يؤكل من الذئب، ولم يذبح، فهو سليم. إذن ظاهر القرآن أنهم أتوا بدم، لكن من أين؟ الله أعلم. قد يكون مثلا من حيوان ما، أو من شاة، أو نحو ذلك. لم يأت القرآن بتفصيل ذلك. فالمهم: أتوا بدم على قميص يوسف، وأن هذا دليل على أن الذئب أكل يوسف، وهذا دمه في قميصه، وهذا دم يوسف في هذا القميص، على ما على أنه أكل من قبل ذلك الذئب. فلم يصدقهم أبوهم بذلك. قالوا: لم يصدقهم لقرائن منها: لما يعلم من حسدهم، ومن بغضهم ليوسف، فظهرت معاملات وتصرفات من قبلهم تدل على ذلك. هذا وجه. ووجه آخر: قال بعضهم أنهم أتوا بالقميص سليما غير ممزق، والذئب إذا أكل سيخرج الثوب ويأكل، سيأكل من على الثوب، فلا شك أنه سيمزق هذا الثوب. فلما أتوا بهذا الثوب سليما غير ممزق، وقد نسوا أن يمزقوه، كما ذكر بعضهم، فعلم يعقوب بكذب أخوته، أخوة يوسف، وأنهم كاذبون في ذلك. وأنهم كاذبون في ذلك. فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه. يعني: فعلتم هذا عمدا، ولم يأكله الذئب ولا شيء، إنما غيبتموه. لأنه رأى من القرائن والأحوال، ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه ما دله على ما قال. لأن يوسف أخبر أباه بتلك الرؤية: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. فهو منتظر تحقيق هذه الرؤية، وأنها رؤية حق. هذا أيضا من القرائن. هذه أيضا من القرائن والأحوال الذي شاهدها كذلك يعقوب عليه السلام. فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. أي: أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا، سالما من الضجر والتشكي إلى الخلق. وهذا هو الصبر الجميل. قالوا: أن الصبر الجميل هو الصبر من غير تشكي ولا تسخط. هذا يسمى الصبر الجميل. مثل الهجر الجميل هو الهجر الذي يكون بدون أذى، بدون أذى. وما هو الصفح الجميل؟ ما هو الصفح الجميل؟ فصفح، الصفح الجميل قالوا: هو العفو من غير معاتبة، يعفو ولا يعاتب. فجاء في القرآن: صبر جميل، وهجر جميل، وصفح جميل. فالصبر الجميل هو الصبر الذي لا يكون معه تسخط أو تشكي إلى الخلق. والهجر الجميل هو الهجر الذي لا يكون معه أذى، يهجر بدون أذى. والصفح الجميل هو الصفح الذي لا يكون معه معاتبة، لا يكون معه معاتبة. هكذا ذكروا في تفسير هذه الثلاث: الصبر الجميل، والهجر الجميل، والصفح الجميل. لذلك قال المؤلف هاهنا: وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا، سالما من الضجر والتشكي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي. قال: فوعد من نفسه هذا الأمر، وشكى إلى خالقه في قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل، وإنما الشكوى إلى الخلق هي التي تنافي الصبر الجميل. فما أحلى أن يشكو العبد همومه وغمومه وآلامه إلى خالقه سبحانه وتعالى، فهو الذي يذهب عنه همه وغمه، وهو الذي يقدر على ذلك، وهو الذي أمر بذلك. أمر ربنا عز وجل أن نلجأ إليه، وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه. فأنت تشكو إلى الله عز وجل ما تلقى من هموم وغموم وكروب وشدائد ومحَن ونحو ذلك. قال: لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل. لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا وعد وفى. ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾. الآن يوسف في البئر، في غيابة الجب. قيل مكث ثلاثة أيام، وقيل غير ذلك، وليس هناك يعني دليل صحيح يدل على عدد مكثه في البئر، ولنا ظاهر القرآن. قال: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾. أي: مكث يوسف في الجب ما مكث، وهذا من يعني تحقيق المؤلف. ما مكث، ما هنا يعني بمعنى الذي، فهي غير معلومة، فهي غير معلومة نكرة. حتى جاءت سيارة، أي: قافلة تريد مصر. قافلة يعني: جماعة من المسافرين، جماعة من المسافرين. ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾، أي: فرطهم، ومقدمهم الذي يعس لهم المياه ويشربها ويستعد لهم بتهيئة الحاجات، وهذا هو إيراد الماء. يعني: ذهب الذي يتفقد لهم، يعني: تهيئة مياههم والجلب الماء لهم، هذا هو الوارد، يورد لهم المياه. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾، أي: جاء إلى هذا البئر فأدلى ذلك الوارد دلوه، أي: أنزل دلوه الذي يغرف به الماء، فتعلق فيه يوسف، ما مسك فيه يوسف، ما استطاع أن يصعد من هذا الجب، من هذا البئر. نعم، وخرج، فأخذ، أو شد هذا الدلو، فإذا به غلام. فقال: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾. أي: استبشروا، وقالوا: هذا غلام نفيس. لأن يوسف أوتي من الجمال، جاء في الحديث أنه أوتي نصف الجمال عليه السلام، ويدل على ذلك أيضا فعل النسوة لما رأين يوسف، ومراودة امرأة العزيز له، وما ذاك إلا لحسنه وجماله عليه السلام. فاستبشروا لأن هذا الغلام نفيس. ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: وكان إخوته قريبا منه، فاشتراه السيارة منهم. هذا هو الصحيح. الصحيح أن إخوة يوسف لما وضعوه في الجب لم ينصرف عنهم، بل بقوا بالقرب من هذا البئر. فلما جاءت هذه السيارة، ووجدوا هؤلاء القوم عند البئر، وأدلى ذلك الرجل بدلوه، فطلع يوسف من هذا البئر، ادعى إخوة يوسف أنه لهم، أن هذا الغلام لهم، وأنهم يريدون بيعه، وأنهم يريدون بيعه. هذا ما قرره الحافظ كذلك ابن كثير في تفسيره. ولذلك قال هنا المؤلف: وكان إخوته قريبا منه، فاشتراه السيارة منهم. يعني: اشتروه هؤلاء السيارة من إخوة يوسف بثمن بخس، أي: قليل جدا، يعني: زهدوا فيه. قال ابن كثير: قال بعض المفسرين: ولو أراده القوم من غير ثمن لأعطوهم إياه، لأنهم أرادوا أن يتخلصوا منه. طيب، لأنهم أرادوا أن يتخلصوا منه. قال: أي قليل جدا، فسره بقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةً﴾. دراهم قليلة، دراهم قليلة. ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. لأنه لم يكن لهم قصد إلا تغييبه، لم يكن لهم قصد إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصد في أخذ ثمنه. والمعنى في هذا: أن السيارة لما وجدوه، عزموا أن يسروا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته، فزعموا أنه عبد أبق منهم. معنى ﴿أَبَقَ﴾ منهم: يعني هرب منهم. العبد الآبق يعني: العبد الشارد الهارب. فزعم إخوة يوسف أن هذا لهم، وأنه عبد أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لألا يهرب، والله أعلم. طيب، قد يقول قائل: ولماذا لم يتكلم يوسف ويقول: هؤلاء إخوتي، وأنا لست عبدا؟ قال: قال المفسرون: لأنه يخاف على نفسه، يخاف على نفسه منهم، ولأنه صغير فلا يصدق عند القوم، فلا يصدق عند القوم. فما كان منه إلا السكوت والرضا بذلك. فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لألا يهرب، والله أعلم. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل بقية ما ذكره المؤلف في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.