الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 432، ألقاها
يتناول هذا الفصل تحذير النبي من ذي الوجهين، حيث يعامل الناس على غير الحقيقة ويعتبر من شر الناس لما يفسده بينهم. كما يبين أن ذا الوجهين من أهل النفاق لما فيه من كذب وظهور خلاف الباطن.
يستمر هذا الفصل في ذم ذي الوجهين، حيث يعاقب يوم القيامة بلسانين من نار، ويبين أن شر الناس هو من يتقى شره وأذاه مستشهدا بأحاديث نبوية.
يشرح هذا الفصل جواز الغيبة للتحذير من الفساد مستندا إلى حديث النبي، كما يوضح ضوابط التعامل مع الشخص الفاحش بتلين الكلام له اتقاء لشره دون أن يعد نفاقا.
يتحدث هذا الفصل عن كيفية التعامل مع الشخص الفاحش بتلين الكلام له لحفظ السلامة، مؤكدا أن هذا الأسلوب ليس من باب النفاق.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب ذي الوجهين، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه». هذا الباب ترجمه رحمه الله بقوله: "باب ذي الوجهين". والمراد بذي الوجهين، أي الذي يعامل الناس على غير الحقيقة، فيظهر لهم خلاف الباطن، ويبطن خلاف الظاهر. فيأتي، مثلا، عند شخص بينه وبين آخر عداوة وشحناء، فيظهر له أنه معه وأنه صاحبه ومؤيده، وأن عدوه عدوه، حتى يأمنه، فربما ذكر له شيئا من أسراره، أو أظهر شيئا مما في نفسه على أخيه وصاحبه، فيذهب عند الآخر ويخبره بما ذكر الأول، وأنه قال كذا وكذا، ويظهر له أنه معه وأنه صاحبه وأنه صديقه، حتى يخرج له من أسراره، فيذهب إلى الأول ويخبره بما قال الثاني، وهكذا يثير الشحناء والبغضاء بين الشخصين وبين الرجلين. فيأتي إلى هذا بوجه، ويأتي عند ذاك بوجه. أو أيضا من يأتي إلى أهل الخير والصلاح، فيظهر أنه معهم وأنه منهم وأنه يكره أهل الذنوب والمعاصي، ثم يذهب عند الآخرين من أهل الفسق، ويظهر أنه معهم وأنه منهم، ويتكلم في أهل الاستقامة والصلاح. هذا ذو الوجهين، وما كان على مثل ذلك، فهو ذو الوجهين. ومثل من يأتي السلطان والحاكم، فيثني عليه، ويظهر له المحبة، ثم إذا خرج من عنده طعن فيه وتكلم فيه. ذكر في هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه». جعله النبي عليه الصلاة والسلام من شر الناس، وذلك لما يفسد بصنعه هذا، خاصة ما يكون بين الشخصين أو بين القومين الذين بينهم عداوة وبينهم شحناء وبغضاء، فيظهر أنه مع هؤلاء وأنه مع هؤلاء، ويثير الشحناء فيما بينهم بنقل الأخبار التي يتلقاها من هؤلاء إلى أولئك. فلذلك عد من شر الناس، وهو أيضا يعني يعتبر من أهل النفاق، لأن هذا فيه نفاق، فيكذب في حديثه ويظهر خلاف الباطن. وهذه من صفات أهل الباطل وأهل النفاق. فسره النبي عليه الصلاة والسلام: «الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه»، يأتي قوما بوجه، أنه معهم وأنه منهم، ثم يذهب إلى الآخرين ويظهر أنه معهم، كشأن أهل النفاق: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. وهذا لا شك أن هذا الفعل يعتبر محظورا، كذبا وخداعا وتحيلا على الاطلاع على أسرار الطائفتين، وهذا أمر محرم. أما من كان يأتي إلى الطائفتين أو إلى الرجلين لقصد الإصلاح، إذا كان بين طائفتين فيأتي إلى هؤلاء ويثني على الطائفة الأخرى، وأنه يذكر محاسنهم وما فيهم من خير لأجل التقريب، ثم يذهب إلى الطائفة الأخرى ويثني على الطائفة الأولى، وأنهم كذا وكذا، ويذكر محاسنهم ويكف عن مساويهم لأجل الإصلاح بينهم، فهذا أمر محمود، وليس هذا من المذموم، وهو داخل في مثل هذا الحديث، إنما هذا لأجل الإصلاح، وهو لا يكذب، يعني يحاول بقدر الاستطاعة أن يذكر ما يعلمه من خير. ولو كذب، كما جاء في الحديث: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فيقول خيرا أو ينمي خيرا». إذا ذكر مثلا أنهم يعني يذكرونه بخير وأنه كذا، من باب الإصلاح والتقريب. قال: "باب إثم ذي الوجهين". قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصفهاني، قال: حدثنا شريك، عن ركين، عن نعيم بن طلحة، عن ابن حنظلة، عن عمار بن ياسر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان ذا وجهين في الدنيا، كان له لسانان يوم القيامة من نار». فمر رجل كان ضخما، قال: هذا منهم. باب إثم ذي الوجهين، هذا الباب في بيان الإثم الذي يحصل لمن كان ذا وجهين. ما الإثم؟ وما العقوبة التي يتحصل عليها؟ ذكر حديث عمار بن ياسر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان ذا وجهين في الدنيا، كان له لسانان يوم القيامة من نار». يعني يعاقب بأن يكون له لسانان من نار يلتهب نارا. لماذا؟ لأن صاحب الوجهين يكون بوجهين بلسانه، يكون بوجهين بلسانه، فهو يأتي عند هؤلاء ويتكلم بلسانه أنه معهم وأنه منهم، ويذهب عند الآخرين ويتكلم بلسانه أنه منهم وأنه معهم. فكانت العقوبة مناسبة لذنبه، لما كان ذنبه بلسانه، كانت العقوبة أن يشتعل لسانه نارا، بل أن يجعل له لسانان، يجعل له لسانان من نار يعذب بهما يوم القيامة. والجزاء من جنس العمل، وهذا يدل على أن هذا الفعل كبير من كبائر الذنوب. قال: "باب شر الناس من يتقى شره". قال: حدثنا صدقة، قال: حدثنا ابن عيينة، قال: سمعت المنكدر، قال: سمع عروة من الزبير، أن عائشة أخبرته: استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إذن له، بئس أخ العشيرة». فلما دخل، ألان له الكلام. فقلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت الكلام؟ قال: «أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه». باب شر الناس من يتقى شره، شر الناس، أي من شرار الناس، من يتقى شره، أي يتقى الناس شره وأذيته، بأن يكون مؤذيا يكون مؤذيا للناس بلسانه أو بيده أو باعتدائه وظلمه، فاتقاء شر من كان كذلك، هذا يعتبر من شر الناس، أن يكون الناس منه على وقاية واتقاء من شره. وهذا من ضعف الإيمان والإسلام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». المسلم يعني حقا وكامل الإسلام من سلم المسلمون من لسانه ويده، فالذي لا يسلم منه المسلمون من لسانه أو يده، هذا من ضعف إسلامه. ذكر في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام استأذن عليه رجل، فقال: «إذن له، بئس أخ العشيرة». بئس أخ العشيرة، بئس كلمة تستعمل للذم، تستعمل للذم، إذا أريد أن يذم شخص، فيقال: بئس الرجل فلان. وفي المدح تستعمل: نعم، نعم الرجل. فقوله: «بئس أخ العشيرة»، هذا ذم له، هذا ذم له. فلما دخل، ألان له الكلام، يعني لم يستعمل معه تلك العبارة التي فيها الذم والقدح، بل ألان له الكلام وتكلم بكلام يعني ليس فيه شدة. فقلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت الكلام؟ يعني قلت الذي قلت قبل أن يدخل: «بئس أخ العشيرة»، ثم ألنت له الكلام، أي لما دخل، لما دخل ألنت له الكلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه». إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس، بمعنى الترك، بمعنى الترك، ودعه الناس بمعنى تركوه، اتقاء فحشه، أي اتقاء ما فيه من فحش ومن شر، كبذاءة اللسان والسوء الفعال والتصرفات. قال: إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه. وهذا الحديث استدل به أهل العلم، كما ذكر ابن بطال رحمه الله في شرح صحيح البخاري، على جواز ماذا؟ الجرح أو الغيبة لقصد التحذير، جواز اغتياب أهل الفساد، وهو من أدلة الجرح والتعديل. فكون الإنسان يذكر شخصا في غيبته من أجل التحذير منه، فهذا جائز. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الرجل في غيبته، قال: «بئس أخو العشيرة». وهذا من أجل التحذير منه ومن شره. وهكذا إذا ذكر الإنسان شخصا لما فيه من فسق وما فيه من معصية وذنب، لأجل التحذير منه، فهذه من الغيبة الجائزة. وكونه يلين له الكلام بعد الدخول من أجل اتقاء فحشه، فمثل هذا لا يعد ذلك من الغيبة المحرمة، ولا أيضا يعد من ذي الوجهين، لا يعد صاحبه من ذي الوجهين. فأنت مثلا قد تذكر شخصا تعلم ما فيه من فسق وما فيه من أذية، تقول: بئس الرجل فلان. ثم يأتي، فإذا أتى تلين له الكلام من أجل أن تتقي فحشه، لأنك لو قابلته بمثل هذا الكلام الذي قلته في غيبته، لربما آذاك وآذى من معك بفحشه وسوء خلقه وأيضا سوء ما عليه من ذنوب ومعاصي. فمن أجل أن تتقي ذلك وتسلم من شره، تلين له الكلام، ولا يكون هذا من باب ذي الوجهين، وإنه من باب اتقاء شره وفحشه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.