الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 88، ألقاها
يناقش أهمية قول "الله أعلم" عند الجهل بشيء ما ويحذر من القول على الله بغير علم. يُعتبر هذا الفعل كذبًا على الله وقد يكون سببًا في الضلال.
القول على الله بغير علم من كبار الذنوب ويؤدي إلى المخالفات الشرعية. الاشتباه في الشريعة نسبي ويمكن التغلب عليه بالرجوع إلى العلماء والكتاب والسنة.
المحكم في القرآن هو ما فهم معناه وغالبًا ما يكون في التكاليف والغيبيات. المتشابه ينقسم إلى قسمين: ما يمكن فهمه بردّه إلى المحكم، وما لا يمكن فهمه لاستئثار الله بعلمه.
المقطع الختامي يشير إلى اكتفاء المتحدث بما تمت مناقشته. يُشدد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وإنه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه. هذه العبارة قوله: ونقول، أي قوله أهل السنة وأهل الاتباع الذين يتبعون السنة والجماعة، ويحبون أهل العدل والأمانة، ويبغضون أهل الجور والخيانة، يقولون: الله أعلم فيما اشتبه علينا. الله أعلم، ومعنى الله أعلم إما تكون الله أعلم، الضمير هنا عائد للمتكلم، أي العلم أو عدم العلم عائد للمتكلم، فمعنى الكلام سيكون الله أعلم مني ومنا، الله أعلم مني ومن هؤلاء المتكلمين. أو يقول الله أعلم، أي لا أحد يعلم إلا الله، لا أحد يعلم إلا الله. لكن الأول أولى، أنه لما يقول إنسان: الله أعلم، ينسب العلم إلى الله عز وجل وينفيه عن نفسه. ولأن الإنسان لا يعلم، أو إذا قال الله أعلم ويريد به الناس جميعًا، ولا أحد يعلم من الله، فهذا خطأ. كم من مسألة يجهلها إنسان ويعلمها آخرون؟ أن العلماء حتى العلماء يتفاوتون في معرفة المسائل. ولهذا الله أعلم، هذه الكلمة كلمة عظيمة، كان السلف يعظمون هذه الكلمة، حتى قال ابن مسعود: «إنها نصف العلم»، نصف العلم أنك تقول: لا أدري أو الله أعلم. وهذا لفقه الإنسان أنه لا يتدخل في أمر لا يعرفه. ولهذا تجد أن الله عز وجل عظم القول عليه بغير علم، عظم القول عليه بغير علم، حتى جعله مبدأ المعاصي، وكذلك أصل الشرك بالله وغيره، حتى جعله أعظم من الشرك؛ لأن سبب الشرك هو القول على الله بلا علم. فقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذه الآية تدرج الله عز وجل فيها في المحرمات: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلهذا القول على الله عز وجل عظيم؛ لأنه يعتبر كذبًا على الله. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَصِفُوا أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. فالقول على الله عز وجل بغير علم يعتبر كذبًا على الله. ولهذا الأمر الخطير وهو الفتيا بغير علم كان سبب ضلال الناس، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في «البخاري ومسلم»: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، وإنما يذهبه بذهاب العلماء، أو يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فلهذا فالقول على الله بغير علم عظيمة، كبيرة من كبار الذنوب، بل هي سبب المخالفات الشرعية كلها، حتى الشرك بالله جل وعلا إنما أوتي من هذا الباب. فقال: ونقول الله أعلم، أنا لا نعلم فيما اشتبه علينا علمه. ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه، فالاشتباه هذا اشتباه نسبي، نسبي إضافي، أنا بالنسبة لشخص أو مثلًا لعالم العلماء عنده هذه المسألة فيها اشتباه، لم يتبين له الحق في هذه المسألة، فيقول مثلًا: الله أعلم. وأما هذه المسألة بالنسبة لغيره ففيها وضوح عنده، عنده فيها وضوح، يعرف هذه المسألة ويعرف أيضًا مخارجها. ولهذا تجد كثيرًا مسائل تشتبه على بعض الناس أو بعض العلماء، وبعض العلماء يبينها بيانًا شافيًا. فلهذا فالاشتباه هنا نسبي. أما الاشتباه المطلق في التكليف ليس موجودًا في شريعة الله، الاشتباه المطلق في التكليف في الحلال والحرام ليس موجودًا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أي ليس هناك حلال أو حرام مشتبه مطلقًا لا يعرف أحد هل هو حلال أو حرام، هذا بعيد جدًا ولا يوجد في الشريعة. وإنما قد يوجد في بعض الاعتقادات أو بعض المسائل التي غيبها الله عز وجل عن الخلق، فممكن أن تكون هذا الاشتباه من هذا الباب، مثل حقائق الجنة والنار، حقائق الصفات، هذه لا يعلمها أحد، فهذا من المتشابه الذي يقول العبد فيه: الله أعلم. ويقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. فمن علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، كما قال عمر رضي الله عنه. وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم لما اختلف الصحابة في القرآن، خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مغضبًا، فقال: «ما علمتم منه فقولوا به، وما لم تعلموه فقولوا: الله أعلم». أو في رواية: «فردوه إلى عالمه أو إلى قائله». وهذا الحديث الذي اختلط على بعض الرواة، فقال: «فردوه إلى خالقه». واستدل به الجهمية على أن القرآن مخلوق، وإنما أخطأ بعض الرواة، والظاهر أنه الناقل من السري أخطأ في هذا الحديث، فقال: «فردوه إلى خالقه»، وإنما هو خطأ. فكل من روى هذا الحديث قال: «إلى قائله» أو «إلى عالمه». ولهذا كان الإمام أحمد ينكر على من أعطى هذا الحديث للجهمية، ينكر عليه إنكارًا شديدًا، قال: من أين يعرفون مثل هذا؟ أن هؤلاء الجهمية ما عندهم في علم الحديث من الذي دلهم على هذا الأمر؟ فقوله هنا: الله أعلم فيما اشتبه علينا، الاشتباه في القرآن والسنة على أنواع، إما يكون اشتباه عام، وهذا يقابله المحكم العام. قال الله عز وجل: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فهذا تشابه عام، والمراد هنا بقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، أن يشبه بعضه بعضًا ويصدق بعضه بعضًا. أن قصصه متشابهة في مغزاها، وفي العبرة منها، وكذلك في نتائجها، وفي غيرها منها، ويصدق بعضه بعضًا، ولا يكذب بعضه بعضًا أبدًا، ليس في كتاب الله تناقض، ليس في كتاب الله تناقض. هذا التشابه العام، هناك محكم خاص ومتشابه خاص. المحكم الخاص: هذا الذي علم معناه وفهم، وهذا غالبًا في التكاليف، وأيضًا حتى في الغيبيات. وهناك متشابه خاص، وهو الذي لم يفهم معناه أو لم يفهم مقصده. وهذا المتشابه الخاص على قسمين، معناه التعامل معه على قسمين. منه ما إذا رد إلى المحكم عرف معناه، من المتشابه ما إذا رد إلى المحكم عرف معناه. مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». وأيضًا قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ إلى آخر الآية. فهنا قوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، هل مراد الخلود بسبب أنه قتل؟ فهذا شيء من المتشابه؛ لأن عندنا هناك آيات محكمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. وقوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، سماه أخًا مع أنه قاتل. فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداؤه إليه بإحسان، فلو كان كافرًا لما سماه أخًا. وغير ذلك من الدلائل التي تبين أن القاتل ليس كافرًا. فهنا هذه الآية تعتبر من المتشابه، كيف نعرف هذا المتشابه؟ نرده إلى المحكم، نرده إلى المحكم، وهو أن القاتل لا يعتبر كافرًا. فهنا يتأول هذه الآية، إما المراد بهذه الآية المستحل الذي يستحل قتل أخيه، وإما أن المراد بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، هو طول المكث، طول المكث، ليس خالدين فيها معنى لا يخرجون، وإنما أنه من قتل نفسًا فإنه يكون في جهنم يطول مكثه فيها، حتى يقضي الله عز وجل عليه، كان من أهل التوحيد يخرجون من هذه النار. فالآن علمنا هذا المتشابه، كيف علمناه؟ رددناه إلى المحكم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. مثلًا استدل الخوارج بقول الله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، يقولون: هذا الذي يعصي خلاص ضال ضلالًا مبينًا واضح، كافر. فهذه الآية إذا أتينا بها إلى الآيات الأخرى عرفنا معنى هذا الأمر. فلهذا كما قلنا: هناك من المتشابه ما إذا رد إلى المحكم عرف معناه. ومشابه خاص آخر الذي معناه الذي لا يعرف معناه أو لا تعرف حقيقته، مثل حقائق الجنة والنار، ومثل كذلك حقائق الصفات، وغيرها من الأشياء التي قد استأثر الله عز وجل بها بعلمه، استأثر ولم يجعل أحد من الخلق يطلع على ذلك أو يعرف ذلك. فهذا يعتبر من المتشابه الذي يقال فيه: الله أعلم، ويقال فيه أيضًا كما قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.