الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول هذا المحور مفهوم الشفاعات الدنيوية بين الناس مبيناً أنها تنقسم إلى حسنة يُثاب عليها صاحبها وسيئة يأثم بها، مستدلاً بالآية الكريمة وتفسير ابن كثير والأحاديث النبوية المحثة على الشفاعة الحسنة في قضاء الحاجات. كما يسوق أمثلة عملية كشفعاء المحتاجين عند الأمراء والأغنياء وقصة بريرة ومغيث توضيحاً للنوع المشروع منها.
يروي المحور قصة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمغيث العبد أن ترجعه زوجته بريرة، واستفصاله هل هو أمر واجب أم شفاعة، فأجاب بأنها شفاعة لا أمر فرفضت بريرة قبولها. ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق الجوهري بين طاعة أمر النبي الواجبة وبين شفاعته التي لا يجب قبولها، مضرباً مثالاً آخر بالشفاعة المردودة في حد السرقة للمرأة المخزومية.
يبيّن هذا المحور أن الشفاعة في حدود الله بعد وصول الأمر للحاكم محرمة شرعاً، مستدلاً بقصة أسامة بن زيد مع المرأة المخزومية ورفض النبي صلى الله عليه وسلم شفاعته وقوله: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". كما يستعرض حديث ابن عمر المحذر من أن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله، محذراً من الشفاعة في الباطل والمخاصمة به.
يذكر المحور دواعي أهل العلم لإيراد مبحث الشفاعة، وهي بيان فضل الشفاعات الدنيوية وما فيها من أجر وثواب، والرد على شبهة يوردها الغلاة في الشفاعة سيتم تناولها في درس قادم. ويختم بتوضيح الغاية العلمية من تفصيل أحكام الشفاعة الدنيوية والأخروية.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فمن مباحث الشفاعة التي يذكرها العلماء مبحث الشفاعات الدنيوية، أي ما يكون بين الناس من شفاعة بعضهم لبعض. فهذه الشفاعات الدنيوية منها ما هو مشروع ومرغب فيه، وينال صاحبه الأجر من الله سبحانه وتعالى، ومنها ما ليس بمشروع، فينال صاحبها الإثم والوزر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم مبيناً أمر هذين النوعين من أنواع الشفاعات الدنيوية: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا ﴾. ففي هذه الآية ذكر ربنا سبحانه وتعالى نوعي الشفاعتين. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: «قوله تعالى: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾، أي: من يسعى في أمر فيترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك. وقوله: ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾، أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته». فإذن الشفاعات الحسنة التي يكون فيها خير: مثال ذلك إنسان كان قريباً من أمير أو رئيس أو وزير أو مسؤول أو نحو ذلك، فكلمه أحد الناس أن يشفع له عند هذا الولي في عطاء، أو في سد حاجة، أو في كشف كربة، أو نحو ذلك، فقبل ذلك الأمير هذه الشفاعة، فلا شك أن هذا الشافع له أجر. ومما يدل على ذلك ما جاء في السنة المطهرة في بيان ما يحل من الشفاعة وما يثاب عليها العبد، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيح: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء». فمن كان يستطيع أن ينفع أخاه بشفاعة حسنة ما فيها ضرر على أحد، فلا شك أن هذا العمل من أعظم أبواب البر، وكذلك نفع المؤمن لإخوانه المسلمين. وقد جاءت السنة المطهرة أيضاً ببيان ما يحل من الشفاعة وما يحرم، وأمثل على ذلك: فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة، يعني جاء سائل يسأله أو طلب منه حاجة، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء». إنسان يريد أن يسافر لعلاج، يريد مالاً وما عنده مال، وأنت تعرف التاجر الفلاني أو تعرف الغني الفلاني وهو لا يعرفه، لو ذهب إليه ربما لا يبالي بكلامه، وربما يستطيع أن يلتقي به، لكن أنت تعرف هذا الغني، كأن يكون قريباً لك أو صديقاً لك أو واثقاً فيك أو نحو ذلك، فمن الشفاعة الحسنة أن تذهب إلى هذا التاجر أو إلى ذاك الغني، وتشفع لهذا الرجل وتزكيه، وتسأل هذا الغني أن يسد حاجته، فلا بأس بذلك: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء». هذا مثال، ومثال آخر جاء في السنة، وما رواه الإمام البخاري وغيره من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن زوجة بريرة، امرأة اسمها بريرة، كان عبداً يقال له مغيث، وبريرة أيضاً كانت أمة، لكنها اعتقت، وزوجها هذا العبد اسمه مغيث. فقال ابن عباس: «كأني أنظر إليه يطوف خلف بريرة، يبكي ودموعه تسيل على لحيته، هي لا تريده، وهو يحبها حباً شديداً». فمن شدة حبه لها أنه كان يجري خلفها ويبكي حزناً على بغضها له وإصرارها على مفارقته، فدموعه تسيل على لحيته. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعباس: «يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً؟» ما تعجب من هذا، هو يحبها وهي تبغضه، هذا شيء يستدعي العجب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبريرة: «لو راجعته»، يعني لو رجعت إليه وصِرتِ زوجة له كما كان من قبل. فقالت بريرة: «يا رسول الله، تأمرني؟» يعني: هل هذا أمر منك يا رسول الله أن أرجع إليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أشفع، ليس أمر، إنما هي شفاعة مني لهذا المسكين التي هذه حاله». فقالت بريرة: «لا حاجة لي فيه». والعباس الذي في الحديث هو ابن عبد المطلب، والد راوي الحديث، يعني والد ابن عباس عبد الله بن عباس، فروى الحديث عبد الله بن عباس، والذي خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو العباس بن عبد المطلب، أبو عبد الله بن عباس. نعم، ومعنى «راجعته» يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «التوسل» عند تعليقه لهذا الحديث: «إنما قالت: أتأمرني؟ وقال: إنما أنا شافع، لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة». لماذا قالت بريرة: أتأمرني؟ لأنه لو قال: نعم أمرك، لوجب على بريرة أن ترجع إلى مغيث، لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم تقرر عند الصحابة يفيد الوجوب، فيجب عليهم طاعته صلى الله عليه وسلم. فلذلك استفصلت بريرة من النبي صلى الله عليه وسلم: هل هو أمر؟ قال: لا، إنما أنا أشفع. ولذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إنما أنا شافع، لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة، بخلاف شفاعته، فإنه لا يجب قبول شفاعته، لا يجب قبول الشفاعة، هو يشفع، فقد تقبل هذه الشفاعة وقد ترد». قال: «ولهذا لم يلمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ترك قبول شفاعته، فشفاعة غيره من الخلق أولى أن لا تجب قبولها». فالشفاعة إنما هي إحسان، وما على المحسنين من سبيل. فقد تقبل شفاعة الشافع في أمور الدنيا، وقد لا تقبل. إنسان جاء وقال لك: أنا أشفع لفلان أن تعفو عنه مثلاً، أخطأ عليك، أو أن تسامحه في خطأ بدر منه، فليس بملزم ذلك المظلوم أن يقبل شفاعة هذا الشافع، فقد تقبل وقد لا تقبل. والشافع قد تقبل شفاعته إذا كان له منزلة عند ذلك الرجل الذي يريد منه الشفاعة. فهذا مثال آخر في الشفاعة المشروعة، وهو شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمغيث أن ترجع إليه بريرة، فهذا وردت به السنة. وأما الشفاعة التي لا تحل، فقد جاء في السنة مثال عليها، فمن ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن قريشاً أهمها أمر المرأة المخزومية التي سرقت، وقد وصل أمرها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والسارق حده القطع، قطع اليد. فقالوا، وقد شق عليهم ذلك الأمر: كيف تقطع يد ابنتهم؟ فشق عليهم ذلك وهمهم هذا الأمر. فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من يشفع لنا عند الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعفيها من هذا الأمر ويسقط عنها هذا الحد، لأن هذا فيه سمعة سيئة على فخذ هذه القبيلة. فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني بحثوا عن شخص عزيز وقريب من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. فكلمه أسامة، ذهب أسامة وكلم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر هذه المرأة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتشفع في حد من حدود الله؟» ثم قال عليه الصلاة والسلام، وخطب، أي خطب الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». فالشفاعة في الحدود إذا وصلت عند القاضي وعند الحاكم لا يجوز، لا يجوز الشفاعة في الحدود إذا وصلت عند الحاكم. فلذلك غضب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يقبل هذه الشفاعة، لأنها شفاعة مخالفة للشرع وللدين، فردها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنكرها. فمن أخلاق أهل الإسلام العدل في الأحكام، سواء أكان الحكم على القريب أو البعيد، أو على الشريف أو الوضيع، الكل في شريعة الله عز وجل سواء: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾. فالشفاعات في مثل هذا الباب لا تجوز، لا يجوز أن تشفع في أمر يخالف الشرع. قيل لك: اذهب اشفع لفلان الزاني، وقد رفع أمره إلى ولي الأمر أو إلى الحاكم، لا يجوز أن تذهب وتشفع وتكلم بجاهك أو بقربك من أحد الولاة أو أحد الحكام أو نحو ذلك أو القضاء، وتشفع في هذا الأمر، هذا ما فيه شفاعة، هذا الأمر ما فيه شفاعة، لأنه قد رفع إلى الحاكم. نعم، وأيضاً ثبت في سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال». والحديث صححه المحدثان الشيخان العالمان الوادعي والألباني عليهما رحمة الله. فهذا الحديث أيضاً يبين أن الشفاعة في الحدود لا تجوز إذا رفعت إلى الحاكم. وأيضاً في هذا الحديث النهي عن المجادلة والمخاصمة بالباطل، أنت تعرف أنك على باطل ولا تريد أن تغلب، فتخاصم وتجادل وتأتي بالأمور التي لا تسعفك في الانتصار لنفسك لأنك على باطل، والباطل يعني صاحبه يكون ضعيف الحجة. وأيضاً فيه التحريم من رمي المؤمنين بما ليس فيهم، لا ترمي أخاك المسلم بما ليس فيه. ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، قال عنه مثلاً: فاسق وهو ليس بفاسق، أو زاني وهو ليس بزاني، أو مبتدع وهو ليس بمبتدع، أو حزبي وهو ليس بحزبي، أو ضال وهو ليس بضال، قال فيه ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال، قيل هي عصارة أهل النار، فلا يخرج من هذا الأمر ومن هذا العذاب حتى يرجع عما قال ويتوب. ومن التوبة النصوح أن يعترف بخطئه وأن يرجع ويستحل ممن رماه بالباطل. فالشاهد من هذا الحديث: «ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله». فمثل هذه الشفاعات غير المشروعة، كل شفاعة فيها مضرة أو فيها مخالفة للشرع فهي محرمة، ولا يجوز. لا تقل: أنا سأنفع أخي، تنفع أخاك في الخير، تنفع أخاك وتشفع له في الخير، أما في الشر وفي الباطل فاحذر أن تكون له شفيعاً، فقد نهى الشرع عن ذلك كما سمعت في هذه النصوص الشرعية. وأهل العلم يذكرون هذا المبحث في باب الشفاعة لأمرين اثنين: الأمر الأول: لبيان فضل الشفاعات الدنيوية وما فيها من الأجر والثواب، والأمر الآخر: لشبهة يوردها الغلاة في الشفاعة، لعلنا نتناول هذه الشبهة في درس قادم بإذن الله تعالى. نكتفي بهذا، انتهى الوقت، وإلى هنا والله تعالى أعلم.