الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 439، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يترجم الشيخ مقبل بن هاد الوادعي لإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ويتحدث عن أم سليم زوجة أبي طلحة وصفاتها الصبر والإيمان. إسحاق كان إمامًا من أئمة أهل المدينة وعالمًا من علمائهم.
الحديث النبوي يفيد أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صور، والمقصود بالملائكة هنا هم ملائكة الرحمة. هذا الحديث من الأحاديث الكثيرة التي تحرم الصور وتعتبرها مضاهاة لخلق الله.
اختلف العلماء في الصور التي لا تحبس، والبعض يرى أن الملائكة لا تدخل إذا كانت الصورة ظاهرة. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أفتى بهذا الرأي، والأولى ترك الصور لتجنب الشبهات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند: قال الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن رافع بن إسحاق مولى الشفاء وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة هو إمام من أئمة أهل المدينة وعالم من علمائهم، وكان مالك لا يقدم على إسحاق أحدا في العلم. وإسحاق اعتبر من ولد أبي طلحة زوج أم سليم، فأم سليم وهي الرميصاء جدة إسحاق. وعبد الله بن أبي طلحة هو الذي ولد بدعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في الصحيح أنه لما مات ابنا لأبي طلحة. والظاهر أن هذا الابن هو أبو عمير الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه، وكان أخا لأنس. أي أن أبا عمير كان النبي عليه الصلاة والسلام يمازحه، وكان له نغير صغير -والنغير طائر صغير- فكان يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟". ثم توفي هذا الطفل الصغير، فجاء أبو طلحة وخرج من بيته وكان ابنه مريضا، فقال لأم سليم: كيف حال ابننا؟ قالت: لعله ارتاح الآن، أو قالت له: أريح مما كان. فأمسكت ولم تخبره لأنه قد مات. وهذا يدل على صبر هذه المرأة وثباتها، وإلا فالغالب أن المرأة تجزع أكثر من الرجل، لكن هذه المرأة قد رسخ الإيمان في قلبها، وقد بشرها نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة، "كأني برميصاء في الجنة"، رميصاء يوم سليم زوجة أبي طلحة. فكان أبو طلحة في تلك الليلة أتى أهله، فلما أصبح أخبرته بالخبر وأن ابنها قد مات، فغضب أبو طلحة، قال: وتركتيني أفعل هذا الشيء معك وابني قد مات؟! فلا أشتكي بك عند رسول الله. فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بالخبر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أعرستم هذه الليلة أو تلك الليلة؟" قال: نعم. قال: "بارك الله لكما في ليلتكما". فولدت بعد ذلك عبد الله بن أبي طلحة، ويقال إن عبد الله بن أبي طلحة كان له من الولد عشرة. وقد يكون أولاده، وقد يكون أيضا أولاد أولاده، فكان عشرة من الولد كلهم يحفظون القرآن. لأن المعروف عند أهل العلم أن من أولاد عبد الله بن أبي طلحة ثلاثة الذين عرفوا وذكرت أسماؤهم في كتب العلم، ثلاثة منهم قد يكون منهم عشرة، لكن بعضهم لم يتوجه إلى العلم. لكن الذين ذكروا في العلم ثلاثة: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإسماعيل أخوه، وكذلك عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة. هؤلاء الذين ذكروا، وأعلمهم وأكثرهم حديثا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة رحمه الله. وأنس يكون عمه، أنس أخو عبد الله بن أبي طلحة. قال عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن رافع بن إسحاق مولى الشفاء -ويقال أيضا مولى أبي طلحة، ويقال أيضا مولى أبي أيوب- الله أعلم، قد يكون لأبي طلحة وقد يكون أيضا لهذه المرأة الشفاء، وهو ثقة. قال: أخبرني قال: دخلت أنا وعبد الله بن أبي طلحة على أبي سعيد الخدري نعوده لأنه كان مريضا رضي الله عنه. وعبد الله بن أبي طلحة يعتبر من الأنصار من بني النجار من أخوال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: دخلنا على أبي سعيد نعوده، فقال لنا أبو سعيد: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صورة. قال: شك إسحاق لا يدري أيهما قال. قال أبو سعيد: هذا حديث صحيح. وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التي ليست في الصحيحين، أخرجه أحمد من طريق روح بن عبادة عن مالك، وكذلك الترمذي رحمه الله. فالحديث أي من حديث أبي سعيد لم يخرجه لا البخاري ولا مسلم، لكن الحديث متنه موجود في صحيح مسلم نفس المتن من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة. وأيضا الحديث جاء من حديث أبي طلحة في الصحيحين، وكذلك أيضا جاء نحوه من حديث ابن عباس في الصحيحين. فأيضا جاء في السنن من حديث علي وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، الحديث صحيح وله شواهد كثيرة. وأيضا في هذا الحديث قال أبو سعيد: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدل على ما مشى عليه أكثر أهل العلم من أن أخبرنا مثل حدثنا، وأنها مثل سمعت، يقال في السماع وتقال أيضا في القراءة، بل أيضا مشى كثير من أهل العلم على قولها في المناولة -المناولة عندما يناول الشيخ تلميذه الكتاب ويجيزه في الرواية عنه- فهذا جوز كثير من أهل العلم أن يقول فيها أخبرنا، وتوسع في أخبرنا بعض المتأخرين حتى قالها بعضهم في الإجازة، قد فعل ذلك من المتقدمين أبو اليمان الحكم بن نافع. وهذه من مسائل تذكر في مصطلح الحديث، هذا من باب الفائدة لمن درس في المصطلح. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صورة". فهذا الحديث يخبر أن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه الصور، وهذه الملائكة هم ملائكة الرحمة، كما صرح بذلك جماعة من العلماء كالخطابي وكذلك النووي وغيرهم من العلماء، على أن الملائكة هنا هم ملائكة الرحمة. وأما الحفظة كما قال الخطابي: الحفظة فإنهم لا يفارقون الشخص أبدا، الحفظة الذين يكتبون الحسنات والسيئات، وكذلك الذين يحفظونه، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه بأمر الله، فلهذا فهؤلاء الحفظة جعلهم الله عز وجل للإنسان يحفظونه. فلهذا قال العلماء: أن المراد هنا الملائكة ملائكة الرحمة، فإنها لا تدخل البيوت التي فيها الصور، لأن الصور غالبا تأتي بالشياطين، وغالبا لا يجتمع الملائكة مع الشياطين، فلهذا هذا الحديث من الأحاديث التي فيها تحريم الصور، وهي أحاديث كثيرة جدا جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام. حتى ألف بعض العلماء فيها في مسألة التصوير لكثرة الأحاديث، ألف شيخنا مقبل رسالة في حديث التصوير، وألف أيضا الشيخ حمود التواجري رسالة أيضا في التصوير، وأيضا رسالة للشيخ ابن باز رحمه الله عليه في التصوير وغيرهم من العلماء. ولأن الأحاديث كثيرة ولم تفرق الأحاديث بين الصور التي لها ظل والتي ليس لها ظل، التي لها ظل مثل التماثيل، والتي ليس لها ظل مثل الصور المرسومة، هذه التي ترسم. وقد جاءت الأحاديث في هذا وفي هذا. فأما التماثيل فقد جاءت في هذه الأحاديث، وجاء كذلك عند أحمد عن علي وعن غيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينتظر جبريل فلم يأته فاهتم لذلك، ثم إنه خرج فجاءه جبريل وقال له: إن في بيتك تمثالا وكلب صغير من الكلاب. قال له: اجره. قال له: أما التمثال فاقطع رأسه حتى يكون مثل الشجرة، وأما الكلب فيخرج. فكان جروا للحسن أو للحسين، أنه كلب صغير فأخرج. وبعض العلماء كما ذكر الخطابي وغيره أن الحديث يستثنى منه كلب الصيد وغيره، لكن قال ابن القيم وجماعة من العلماء: أن الحديث عام في أي كلب ولو كان كلب الصيد، يستثنى لو كان مستثنى لاستثني هذا الجرو. فلهذا لم تفرق الأحاديث بين التمثال والرسومات. وقد جاء أيضا في الصحيحين لما في حديث عائشة لما جعلت قراما فيه صور، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم غضب وحتكه، غضب وأخذه وهتكه، فقالت عائشة رضي الله عنها: ما لي رسول الله؟ قال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم". قال: فشقت عائشة وجعلته وسائد. وأيضا جاء في حديث ابن عباس أو حديث أبي طلحة: أن من صور صورة عذب بها في النار، يقال له: انفخ فيها روحا وليس بنافخ. وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هؤلاء الذين يصنعون هذه الصور يضاهئون خلق الله، فليخلقوا ذرة وليخلقوا شعيرة"، ما يستطيعون أن يخلقوا شيئا، فهم يصورون هذه الصور مضاهاة لخلق الله، وإلا فهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئا. وأيضا هذه الصور كانت سببا في أول شرك حدث في الأرض في قوم نوح، كان سببه هذه الصور. فلهذا حرمت هذه الصور بشقيها، سواء كان لها ظل أو ليست لها ظل، لكن التي لها ظل هي أعظم من التي ليس لها ظل، لكنها كلها جاءت الأحاديث في تحريمها. وأيضا كذلك اختلف المعاصرون في مسألة الصور التي لا تحبس، في مسألة الصور التي لا تحبس عنها صورة فقط تكون مباشرة، فكثير من أهل العلم أجازوا الصور المباشرة مثل ما يأتي في البث المباشر، كان بعض العلماء كالشيخ الألباني وغيره يجيز البث المباشر. وأيضا معنى الصورة التي مثل تصوير هذا الجوال وغيره ليس له حبس ظل، فلهذا بعض أهل العلم يقول: أن الصور التي لها حبس ظل فهي صورة على الحديث التي جاءت في النهي عنها، والصورة التي ليس لها حبس ظل لا تدخل في هذا الباب. لكن الأولى والأحوط أن الإنسان يترك حتى مثل هذه الصور التي ليست لها حبس، فإنها أيضا صور وهي داخل في لفظ الحديث "من صور صورة عذب بها في النار". فلهذا الأولى أن لا يفعل أو لا يصور مثل هذه الصور، وإن جاءت معه في الجوال يحاول أن يمحيها، إلا ما كان مثلا من صورة الفيديوهات وغيرها، فهذا قد سهل فيه كثير من العلماء لأنها مباشرة، لكن أيضا حتى هذه لا ينبغي أن يتركها، فالأولى له أن يمحيها. قال: شك إسحاق لا يدري أيهما قال، سواء كان تماثيل أو صورة، فقد جاء تماثيل وجاءت صورة، وكله منهي عنه. وأيضا بعض أهل العلم يقول: أن مسألة دخول الملائكة هذا إذا كانت الصورة ظاهرة أن الملائكة لا تدخل إذا كانت الصورة ظاهرة، أما إذا كانت صورة غير ظاهرة فإنها لا تدخل في هذا الحديث، وهذا أفتى به الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه.