الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 30، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف هذا المحور عقد المساقاة (على سقي أشجار موجودة بجزء من ثمرها) وعقد المزارعة (على زراعة أرض خالية بجزء من زرعها)، مبيناً الفرق الجوهري بينهما في وجود الزرع من عدمه. ويستعرض بطلان صور التعامل التي تتضمن الغرر والظلم كتخصيص أجزاء معينة من الأرض أو الثمر لأحد الطرفين، مستدلاً بحديث رافع بن خديج، ويوضح صور الجواز الصحيحة القائمة على الاشتراك في المشاع (كنصف الثمر أو ثلثه) أو الأجرة المعلومة المضمونة.
يفصل هذا المحور في التزامات كل طرف في عقدي المساقاة والمزارعة مرجعاً ذلك إلى العرف السائد ما لم يشترطا شرطاً غير مجهول، ويناقش خلاف العلماء فيمن يتحمل تكلفة البذر في المزارعة مرجحاً أنه بالاتفاق أو العرف الجاري بين الناس.
يعرّف هذا المحور المؤاجرة بأنها دفع الدابة أو المركبة للعمل بنصيب من الكسب، ويشمل حكمها قديماً في الدواب وحديثاً في السيارات والمركبات. ويقرر جوازها بشرط خلوها من الجهالة والضرر والغرر، مؤكداً أن الأصل في العقود الجواز إذا توفرت هذه الشروط الشرعية.
الحمد لله. ويسلد ذلك المساقات والمزارعة. لا يزال المؤلف يذكر أبواباً تتعلق بالمعاملات وهي داخلة في البيوع وما يتعلق بها. والمساقة: صورتها وتعريفها كما ذكر هنا الشارح في باب الوكالة والشركة والمساقاة والمزارعة: أن المساقاة عقد بين اثنين، يدفع أحدهما شجراً للآخر ليقوم عليه بجزء من ثمره. فأنا عندي مزرعة فيها أشجار، لكن أنا مشغول، ما أستطيع أسقي هذه الزراعة. طيب، فأعمل عقداً مع شخص، فأقول له: هذه المزرعة، اعمل فيها، اسقِ شجرها، اسقِ شجرها، واعتني بها، اعمل فيها، وما يخرج من هذه المزرعة يكون بيننا. يتفقون على جزء مشاع كما مر معنا في المضاربة أو في الشركة. شركة: اتفقوا مثلاً على نصف لك، نصف مقابل عملك، ولي نصف مقابل أشجاري وأرضي ونحو ذلك. فهذه تسمى مساقة. تسمى ماذا؟ مساقة. نسبة إلى السقي؛ لأن المطلوب من العامل هو سقي الأشجار. الأشجار موجودة والأشجار ظاهرة، لكن تحتاج إلى عناية بسقيها، وبكذلك عمل الجداول لها ونحو ذلك، السواقي ونحو ذلك. فهذا تسمى مساقة: عقد بين اثنين، يدفع أحدهما شجراً للآخر ليقوم عليه بجزء من ثمره. وأما المزارعة: فالفرق بينه وبين المساقاة أن المزارعة عقد بين اثنين، يدفع أحدهما أرضاً للآخر ليزرعها بجزء من الزرع. عندي أرض خالية، ما فيها شيء من الأشجار. طيب، فآتي عند عامل، أقول له: أنت مزارع وتحب الزراعة، ما رأيك؟ أعطيك هذه الأرض، تبدأ في حرثها وفي زرعها، تزرع فيها الأشجار، وتحيي هذه الأرض بالأشجار. قال: طيب، إيش تغطيني؟ قال: ما يخرج منها لك الثلثان ولي الثلث. قال: تمام. فهذا تسمى مزارعة. نسبة إلى الزرع. الزرع الآن غير موجود، ما في يوجد زرع، توجد أرض، توجد ماذا؟ أرض من غير زرع. فهو يبدأ بإحياء هذه الأرض وزراعتها. فهذا تسمى ماذا؟ تسمى مزارعة. إذن، أيش الفرق الآن بين المساقاة والمزارعة؟ المساقاة: هالزرع موجود والزرع ظاهر. طيب، يتفق مع العامل على العناية به بسقيها ونحو ذلك. واضح. أما المزارعة: فالزرع غير موجود. المزارعة: الزرع ماذا؟ غير موجود. فهو يبدأ في زراعة هذه الأرض. فتمتم هذا الآن وهذا العمل. أو هذه المعاملة فيها فوائد وحكم كما مر معنا في المضاربة ونحوها. فمن فوائد وحكم هذه العقود: أن الإنسان قد يكون عنده مال لكن ما عنده خبرة. كل صاحب مال يستطيع أن يزرع؟ يستطيع أن يعتني بالزرع؟ لا. فأنا عندي مال، أريد من يثمره، أريد من يأتي لي بمردود منه، فأعطي إنساناً ما عنده مال لكن عنده خبرة وعنده قدرة على القيام بهذه الزراعة. فالكل يستفيد: صاحب المال يستفيد باستثمار ماله، والعامل صاحب العمل يستفيد بماذا؟ بخبرته وقوته؛ لأنه ما عنده مال. وهذا من مصالح العباد، مصالح العباد، سواء كان في الشركات أو في المزارعة أو في المساقاة أو في التجارات أو نحو ذلك. فكل واحد يستفيد من ما عند الآخر من قدرة واستطاعة، من قدرة واستطاعة. هذا هي المساقاة والمزارعة. يقول المؤلف هنا: «كما يفسد ذلك المساقات والمزارعة». إيش معنى: «كما يفسد ذلك»؟ تقدم معنا أن في الشركات، سواء كان شركة العنان أو شركة المضاربة أو نحوها، لا يجوز فيها الظلم ولا الغرر. صح. فلا يجوز أن يكون لأحدهما ربح مضمون، أو أن يكون لأحدهما ربح في وقت معين، أو ربح في سلعة معينة. لو اثنين مثلاً دخلوا شراكة في تجارة، فقال أحدهما لصاحبه: أنا لي ربح رحلة الصيف، وأنت لك ربح رحلة الشتاء. هذا لا يجوز؛ لأن فيه غرر وجهالة كما مر معنا. صح. وكذلك في المساقاة: المساقاة والمزارعة الأصل فيها ماذا؟ الجواز، إلا إذا دخلها الظلم أو الغرر. كيف الظلم أو الغرر؟ مثلاً: أعمل عقد مساقاة بيني وبين شخص، أقول له: الأرض القريبة من البئر ثمرها لي، والأرض البعيدة من البئر ثمرها لك. هل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز. لماذا؟ لأن هذا فيه غرر. قد تكون الأرض القريبة تثمر أكثر من الأرض البعيدة. صح. الأرض القريبة تثمر أكثر من الأرض البعيدة. فهمتم هذا الآن؟ أو تقول له مثلاً: لي أشجار النخيل، ثمار أشجار النخيل لي، وثمار أشجار العنب أو أشجار مثلاً غيرها من الثمار غير النخيل فهو لك. هذا لا يجوز. لماذا؟ لأن ثمار النخيل يكون أطيب وأغلى، وكذلك ربما تلك الأشجار لا تثمر أو تثمر قليلاً، فيكون هناك ظلم على العامل. صح. أو العكس: قد هذا النخيل هذا العام ما يثمر، فيثمر الشجر الآخر من غير النخيل، فيكون فيه ظلم على من؟ على صاحب المال. واضح. فإذن لا بد أن يكون العقد على شيء معلوم. طيب. وكذلك على شيء مشاع. ليش معنى مشاع؟ كما مر معنا: كأن يقول، يقال مثلاً: وما يخرج بيننا بالثلث أو النصف، شيء مشاع. أما مثلاً تقول له: ازرع هذه الأرض، طيب، وما يخرج منها لي مئة كيلو والباقي يخذه لك. هل هذا يجوز؟ ها، هل هذا يجوز؟ إيش يقول؟ مثلاً: مزرعة حق آدم، قلت لآدم: ازرع المزرعة، هذا النخيل، إذا جاء الثمر أعطني مئة كيلو والباقي يخذه لك. هل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز. لماذا؟ لأنه غير مشاع. صح. قد يكون هو كل الثمر يأتي مئة كيلو، إذا آدم إيش؟ لا يبغى، لا، ما سيحصل شيء. قد يخرج ألف كيلو، أنا آخذ مئة، سيأخذ تسع مئة، هذا ظلم علي. صح. إذا هذا غير مشاع. لكن المشاع: إيش أقول؟ يا آدم، ازرع هذه الزراعة وهذه الأرض، ولك النصف ولي النصف. سواء كان النصف طلع قليلاً أو كثيراً، المهم بيننا بالنصف. فلو طلع الثمر كله ألف كيلو، تمام، لي خمسمئة، وله خمسمئة. صح. لو طلع ألفي كيلو، لي ألف، وله ألف. إذا طلع خمسمئة كيلو، لي مئتان وخمسون، وله مئتان وخمسون. وهكذا. فهذا الذي يجوز. واضح هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: «كما يفسد ذلك المساقات والمزارعة». هذا يعود لما قبله. يعني: كما أن الشراكة يفسدها الظلم أو الغرر، فكذلك المساقات والمزارعة يفسدها الظلم أو الغرر. يفسدها الظلم أو الغرر. هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. ثم ذكر أدلة ذلك. أدلة المساقاة والمزارعة. قال: «وقال رافع بن خديج رضي الله عنه: وكان الناس، أي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، في المدينة، يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». ومعنى «يؤاجرون»: يعني يعطون الأجرة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ما على الماذيانات. الماذيانات: مسائل الماء. يعني مثلاً: الماء الآن يطلع من البئر، ما كان عندهم أنابيب مثل عندنا الآن، قصب. ها. لا، إلى الآن في بعض المزارع ربما عندكم في إندونيسيا يعملون مثل: يعني الممر من الطين مثلاً. تمام. ما مر الماء لكن ببناء أو بعمل أسوام يمر الماء ظاهراً. تمام. فهذه هي الماذيانات. هذه الماذيانات: مسائل الماء. وقيل: ما ينبت حول السواقي. هذه السواقي: المسائل ما ينبت حولها، يعني الذي ينبت بجانبيها، تفضل، الذي ينبت بجانبيها، هذا تسمى الماذيانات. قال: «وأقبال الجداول». أقبال الجداول: يعني الأقبال هي الأوائل، والجداول جمع جدول، وهو النهر الصغير. بمعنى أنهم يشترطون مع العامل أن مثلاً لصاحب الأرض، بصاحب الأرض: الشجر الذي بالقرب من الماء على الجداول، حوالي الماذيانات، أو على أقبال الجداول، يعني في أول الجداول، في أول الجداول. الجداول هي بمعنى السواقي أيضاً، أو بمعنى الأرض التي يعني تحدد فيملأها الماء، يملأها الماء. فهو مثلاً يقول له: أنا لي المكان الذي أول ما يدخل إليه الماء، وأنت لك المكان الآخر الذي لربما يضعف وصول الماء إليه. بمعنى آخر: أنا لي المكان الذي فيه الماء الكافي الكثير، وأنت لك المكان الذي فيه الماء القليل. لا شك أن الذي فيه الماء الكثير يكون أشجاره أكثر وأطيب، وكذلك أثمر. صح. فهذا معنى قوله: «كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما على الماذيانات وأقبال الجداول وشيء من الزرع». أي: قطعة أو جهة من الزرع تكون مختارة طيبة. مثلاً: هذه الجزء من الأرض معروف مشهور أن أرضه طيبة، تقبل الماء وتنبت الزرع والكلأ الكثير. فيقولون مثلاً: أنا لي هذه الأرض، وأنت لك الأرض الأخرى. فيختار الأرض الطيبة، يختار الأرض ماذا؟ الطيبة. نعم. قال: «فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا». يعني: اللي هو قريب من الماء، آه، يسلم، بمعنى: ينبت ويظهر ويثمر. وأما اللي هو بعيد من الماء فإنه يموت ويهلك. إذن هذا فيه غرر، أو ما فيه غرر؟ هذا فيه غرر وظلم. فذاك يأخذ الزرع الطيب، وذاك يأخذ الزرع الرديء، أو الأرض التي ليس فيها زرع. واضح. قال: «ولم يكن للناس كراء». أي: لم يكن لأهل المدينة طريقة لتأجير الأراضي الزراعية إلا هذه الطريقة المجتمعة على الجهالة والمخاطرة. ما كان عندهم طريقة أخرى. عندهم هذه الطريقة: أنت تشتغل عندي، تمام، تعال معي، هذه الزراعة، شوف، اعمل فيها، أنا لي الزرع الذي في هذه الجهة، أو الذي قريب من مسيال الماء، وأنت لك الباقي. هذا كان عند أهل المدينة. وهذه الطريقة قلنا لا تجوز. صح. لا تجوز؛ لأن فيها جهالة، وفيها ضرر، وفيها غرر. واضح. فهذا كانت الطريقة التي يكرون بها المزارع في أول الأمر في المدينة. قال: «فلذلك زجر عنه». يعني: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. لما جاء إلى المدينة ورأى الناس يعني يكرون بهذه الطريقة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن فيه غرر وفيه ظلم. طيب. فهذا معنى قوله: «فزجر عنه». قال: «فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به». فرخص لهم في المساقاة المشروعة بأن تكون في شيء مشاع، لا تحدد: أنا أريد هذا الثمر الذي يخرج من هذه الشجرة، أو من هذه الأرض، أو من هذا المسيال. لا. خذ هذه الأرض، وما يخرج منها شيء مشاع بيني وبينك. نتفق: سواء كان لي الثلث ولك الثلثان، أو لي النصف ولك النصف، أو لي الربع ولك ثلاثة أرباع، على ما يتفقان عليه، على ما يتفقان عليه، لكن بشيء مشاع. وأما قوله: «معلوم مضمون» فيريد بذلك مثل الاتفاق مع العامل على أجر معلومة. هذا أيضاً يجوز. فمثلا: تقول للعامل: أنا عندي هذه المزرعة، أنت بجهدك وأنا بمزرعتي، سأعطيك في الشهر ما تراه مناسب، وما يدل عليه العرف، عرف الناس الآن. مثلاً: إذا واحد سيشتغل من الصباح إلى العصر في مزرعة، كم يعطى؟ قالوا: يعطى في الشهر مئة ألف. خلاص، اعمل في هذه المزرعة، ولك في الشهر مئة ألف. هل هذا يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن هذا مقابل أجرة. طيب. أخذ العامل أجرته بجهده، ما دخل يعني بشيء معلوم، بشيء مشاع، وإنما دخل بأجرة معلومة. فهذا لا بأس به. يخير العامل: هل تريد أجرة، أو تريد شيء مشاع؟ فهو يختار. إن اختار الأجرة فيجوز ذلك. قال: لا، أنا ما أدري كيف ستكون هذه المزرعة، وأنا سأتعب، أنا أريد أجرة في الشهر مئة ألف. خلاص، له مئة ألف، ولا يجوز له أن يأخذ شيء من هذه المزرعة. كل ما في هذه المزرعة يرجع لمن؟ لمالكها. وهو له الأجرة المعلومة شهرياً. تمام. له الأجرة. قد يقول قائل: هذا فيه مثلاً جهالة، وفيه ضرر وغرر. لا، ليس فيه جهالة. لماذا؟ ليس فيه جهالة؛ لأن إذا مر الشهر ورأى صاحب المزرعة أنه لم يستفد شيئاً، أو رأى العامل أن ما خرج من المزرعة أكثر من المئة ألف، لو أخذ شيئاً مشاعاً يمكن أن يغير العقد، يمكن أن يقول العامل: أنا رأيت أن المزرعة ما شاء الله تخرج أكثر من المئة ألف الذي أنا سأجده، أنا الآن أريد أن يكون لي شيء مشاع. فلا، بس. واضح؟ لأنه يخير العامل. العامل يخير: إن أراد شيئاً مشاعاً، وإن أراد أجرة ماذا؟ معلومة. يجوز له هذا أو هذا. واضح هذا الآن؟ نعم. هذا معنى قوله: «فأما شيء معلوم مضمون». الشيء المعلوم: يعني المشاع. والمضمون: يعني الأجرة، الاتفاق على أجرة معلومة. فهذا إن شاء الله لا بأس به. وهذا الحديث رواه مسلم. ففي هذا الحديث: بطلان المساقاة أو المزارعة إذا كان فيها غرر أو جهالة، وجواز المساقاة أو المزارعة إذا خلت من الجهالة أو الغرر. قال: «وعامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع». متفق عليه. هذا أيضاً من أدلة المزارعة، من أدلة المزارعة. الأول: من أدلة المساقاة، حديث رافع بن خديج. هذا دليل المساقاة؛ لأن فيه الكراء، والكراء إنما يكون في زرع موجود. نعم. وكذلك الحديث الآخر: قد يكون فيه دليل على المزارعة، وقد يكون فيه دليل على المساقاة. نعم. لأن أهل خيبر، وهم اليهود، لما غدروا، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى استسلموا، فصالحهم على أن يبقوا في أرضهم، ويكون لهم شطر، أي نصف ما يخرج منها مقابل عملهم، وللمسلمين الشطر الآخر، يعني النصف الآخر. هذه هي صورة ماذا؟ المزارعة أو المساقاة. هذه صورة ماذا؟ المساقاة الآن. الأرض كانت أرضهم، الزرع كان زرعهم في بلادهم، في منطقتهم. لكن لما تمردوا وغدروا وخانوا ونقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين، حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن تسلموا. فكان للنبي صلى الله عليه وسلم الحق أن يجليهم، ويملك المسلمين هذه الأرض. لكن صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا في أرض المسلمين، لكن من غير أن يحاربوا، أو من غير أن يكيدوا للإسلام والمسلمين. وأما هذه الأرض: يبقوا فيها، فهي للمسلمين، لكن يبقوا فيها كعمال، يبقوا فيها كماذا؟ كعمال، يزرعون فيها، ولهم نصف، وللمسلمين نصف. فهذه صورة، صورة أيش؟ المساقاة. باعتبار أنهم يسقون الأرض ويعتنون بها، لهم النصف، وللمسلمين النصف. واضح؟ فهذا أيضاً من أدلة المساقاة، من أدلة المساقاة. قال المؤلف: «فالمساقاة على الشجر بأن يدفعها للعامل». يعني: الشجر تكون من صاحب الأرض، ويقوم عليها، أي: العامل يقوم عليها، بجزء مشاع معلوم من الثمرة. لا بد يكون الجزء مشاع. قلنا: المشاع مثل الثلث، الربع، النصف، نحو ذلك. طيب. ويكون من الثمرة، يعني: مما يخرج من هذه المزرعة، مما يخرج من هذه المزرعة. قال: «والمزارعة: بأن يدفع الأرض لمن يزرعها». يدفع الأرض فقط، بدون شجر، بجزء مشاع معلوم من الزرع. فإذا نبتت، فإذا نبتت هذه الأرض بعد سنة، بعد سنتين، بعد عشر سنين، المهم: ذاك يعمل في الأرض، أنا مالي داخل الأرض، أرضي، والعمل عملك، اعمل فيها، ما يخرج منها من فائدة، من ثمرها، يكون بجزء مشاع، على ما يدل عليه العرف، أو ما يتفق عليه صاحب الأرض والعامل، صاحب الأرض والعامل. فهذه هو الفرق بين المساقاة والمزارعة. قال: «وعلى كل منهما ما جرت العادة به، والشرط الذي لا جهالة فيه». قولوا: «على كل منهما ما جرت العادة به». هنا قاعدة معلومة في علم قواعد الفقه، وهي: أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. فما يتعارف عليه الناس في أي عمل، فحكمه حكم الشرط. مثاله: مثلاً، العرف يدل على أن العامل، على العامل: الحرث، يحرث الأرض، والسقي، يسقي الأرض، والتسميد، يعني: يأتي بما يسمد الأرض، يعني: بما يقوي الأشجار من أدوية، أو من أشياء نافعة تنفع الأشجار، من مغذيات ونحوها، وكذلك تصفية الأغصان من الشوك ونحوها، وعمل طرق الماء، وتفخيط النخيل. فلا يأتي العامل ويقول لصاحب الأرض: ائتِ بعامل يصف الأرض، أو ائتِ بعامل يفخط الأشجار. هذا شيء خلاص معلوم، هذا دل عليه العرف أن العامل هذا عمله. صح. فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. فلا يلزم من صاحب الزراعة أن يقول للعامل: شوف، عليك السقي، وعليك التسميد، وعليك التفخيط، وعليك التنظيف، وعليك ما يلزم. هذا لأن هذا شيء قدر معروف، شيء معروف عند الناس أن العامل هذا عمله في الزراعة. ولا إيش يأخذ مقابل ماذا؟ فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: «على كل منهما ما جرت العادة به». هذا بالنسبة للعامل. طيب، بالنسبة لصاحب الزراعة: مثلاً، دل العرف على أنه يدفع المال الذي تحتاجه الأشجار. طيب، إذا عنده مثلاً بئر ارتواز، يحتاج إلى تسديد كهربا، أو يحتاج إلى وقود. دل العرف على أن تسديد الكهربا والوقود على صاحب الأرض. أو على صاحب الأرض أن يحوط الزراعة، يعمل بناء حائط. هذا أيضاً يلزم به. أو دل العرف على أن صاحب الأرض يحفر بئراً. فهنا يلزم به. واضح. لا يمكن للعامل أنه يحفر بئر؛ لأنه ما هو صاحب رأس المال. هذا على صاحب رأس المال، على صاحب الأرض نفسها. واضح. فهذا معنى قولي: «وعلى كل منهما ما جرت العادة به». ما تعارف عليه الناس أن على العامل من الأعمال في هذه المزرعة كذا وكذا وكذا، وأن على صاحب الأرض من الأعمال كذا وكذا وكذا. وأما قوله: «والشرط الذي لا جهالة فيه». الشرط الذي لا جهالة فيه. مثاله: مثلاً، اشترط العامل أن يحرث الأرض بحراثة المالك، يعني: المالك معه حراثة. طيب، فقال له: أنا سأشتغل في مزرعتك، لكن أنت معك حراثة، بدل ما أشتغل بيدي، وأنت معك هذه الحراثة، أشترط عليك أنه عند الحرث تحرث بحراثتك. هل هذا الشرط يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن ما فيه غرر، وما فيه ضرر، لمصلحة صاحب الأرض أيضاً، حتى يكون الإنجاز أكثر. مثلاً، فهذا لا بأس به. نعم. أو كذلك اشترط العامل بأن لا يحرث، إنما يأتي بحراثة، يعني: صاحب الأرض، أو يأتي بعامل آخر. فلا بأس، إن توافق على ذلك، فلا بأس. إن توافق على ذلك، المهم: أي شرط لا جهالة فيه، فهذا لا بأس به بينهما. واختلف العلماء في مسألة، وهي: هل يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، يعني: من صاحب الأرض، أم لا؟ الآن معي أرض. طيب، فقلت للعامل: هذه الأرض، أريدك أن تزرعها. طيب، الزرع هذا يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى بذر. صح. طيب، البذر هذا على صاحب الأرض، أو على العامل؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين. القول الأول: أنه يشترط أن يكون هذا على صاحب الأرض؛ لأنهم يقولون: قياساً على المضاربة. فالمضاربة يكون فيها كل ما يتعلق بمال على صاحب المال، كما مر معنا في شركة المضاربة. وهم قاسوه على المضاربة. هذا مذهب الحنابلة. وذهب غيرهم، كشيخ الإسلام ابن القيم وغيره، أنه على ما يتفقان عليه. لا يلزم البذر على صاحب الأرض، وإنما على ما يتفقان عليه. فإن اتفق على أن يكون على صاحب الأرض، يكون على صاحب الأرض، أو على العامل، يكون على العامل. واستدل ابن القيم بالحديث المتقدم في أهل خيبر. فيقول ابن القيم عليه رحمة الله: لم ينقل على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي من المدينة ببذر ويعطيه اليهود حتى يزرعوا في هذه المزرعة. لم يرد ذلك. طيب. فدل ذلك على أن اليهود هم الذين يأتون بالبذر، وهم العمال، وليسوا المالكين. طيب. فهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم: على ما يتفقان عليه. وإذا لم يتم اتفاق، على حسب عرف أهل البلد. فيقال: المزارعون في مثل هذه الحال، عرفكم ماذا؟ لأن يقال هنا مثلاً: لم يأتِ في الشرع ما يعني يلزم إحدى الطرفين بالبذر. والقاعدة كما قال القائل: والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، يعني: لم يأتِ تحديده في الشرع. فهنا يرجع للعرف عند الاختلاف. أما عند الاتفاق، فعلى ما يتفقان عليه. فعلى ما يتفقان عليه. واضح. ثم قال: «ولو دفع دابته إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما جاز». هذه مسألة أخرى تسمى عند العلماء: المؤاجرة. المؤاجرة. وصورتها: مثلاً، أنا معي سيارة، فقلت لشخص آخر، بدون عمل، جالس هكذا: اشتغل بهذه السيارة، وما أتيت به من مال فبيننا وبينك، يعني: لي النصف ولك النصف، أو لي الثلث ولك الثلث، وللسيارة الثلث. هذا يجوز، بشرط، بشرط: كما تقدم، لا يكون فيه جهالة ولا غرر. الجهالة مثلاً: اشتغل بهذه السيارة، كل يوم تأتي لي بعشرين ألف. هذا لا يجوز. لماذا لا يجوز؟ لأن فيه ضرراً وفيه غرر. قد يأتي بهذا العشرين في اليوم، وقد يأتي بأقل، وقد يأتي بأضعافها. فإذا هذا فيه جهالة. صح. هذا لا يجوز. لكن إذا ليس فيه جهالة، فلا بأس بذلك. تشتغل بهذه السيارة، تشتغل بهذا الهوري، ها، تشتغل بهذا الباص، أنا بباصي وأنت بسواقتك وبمحافظتك على هذا الباص، وما تعطاه بيننا وبينك، على حسن ما يتفقان عليه. هذا تسمى المؤاجرة. وهذا معنى قوله: «ولو دفع دابته». مثلون بالدابة؛ لأن هكذا كان عندهم من قبل. لعل في وقت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي لم تظهر السيارات، أو ظهرت لكن قليلة، ولم تستخدم للأجرة، والله أعلم. ها، فكانت يعني أجرتهم بالدابة، بالجمال أو بالحمير، يروحون للحج، يروحون للتجارة، يروحون. لكن الآن: والدابة أصلاً في اللغة هو كل ما دب على الأرض. طيب، يدخل في ذلك السيارات في الوقت الحديث، في العصر الحديث. فهذا معنى قوله: «ولو دفع دابته». ونحن نقول: لو دفع سيارته، أو باصه، أو مركبه، أو سفينته إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما جاز. هذا يجوز، وتسمى المؤاجرة، بشرط ما تقدم في كل عمل: مشاركة، مضاربة، مزارعة، مساقاة، مؤاجرة، لا يكون فيه جهالة، ولا ضرر، ولا غرر. واضح. فإن خلت من ذلك، فالأصل فيها ماذا؟ الجواز. إذا خلت من ذلك، فالأصل فيها الجواز. طيب. نكتفي اليوم بهذا. وإلى هنا، والله تهل. شكراً للمشاهدة. نهاية. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة.