الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 438، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن الحاكم النيسابوري ومصنفه المستدرك على الصحيحين، ويشرح شرطه في جمع الأحاديث وانتقاد العلماء لطريقته. كما يشير إلى ترجمة أحد رواة الحاكم.
يتناول هذا الفصل قصة عفان بن المسلم وثباته أمام المأمون حين أمر بامتحانه في مسألة خلق القرآن، مع ذكر بعض مناقبه وعلمه وورعه وتثبته في الحديث.
يروي هذا الفصل قصة بيعة أبي بكر الصديق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، ومواقف الصحابة من ذلك، حيث قدم أبو بكر وخطب وأيد زيد بن ثابت مبايعته.
يشير هذا الفصل إلى عزم المتحدث على كتابة موضوع ما بإذن الله تعالى، ويبدو أنه يستعد لذلك.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الحاكم رحمه الله وعبد الله في المستدرك. الحاكم هو محمد بن عبد الله بن حمد النيسابوري، أبو عبد الله. الحاكم هذا لقب، مثل القاضي فلان، فغالبا يسمون الفقيه الذي قد بلغ شأنا في الفقه وله آراء ويختار أيضا في المذهب يسمونه قاضي، وإذا كان في الحديث أيضا قد بلغ مبلغا في الحديث ورجح وجرح وعدل فيسمونه حاكم. مثل أيضا أبو أحمد الحاكم، وهو شيخ شيخ أبي عبد الله النسابوري. قال الحاكم رحمه الله في المستدرك، المستدرك على الصحيحين. وهذا المستدرك فيه أحاديث على الشرط الذي اشترطه، على أنه يذكر أحاديث ليست في البخاري ومسلم، وهي مثل أحاديث البخاري ومسلم. وقال الذهبي: إنه قدر ثلث الكتاب، وثلث الكتاب على أحاديث صحيحة ليست على شرط البخاري ومسلم أيضا، قدر ثلث الكتاب. وثلث الكتاب الثالث هو أكثره أحاديث ضعيفة وموضوعة. وكما قال العلماء: إن الحاكم رحمه الله جمع المادة ثم هذبها، لكن توفته المنية قبل أن يكمل التهديب. ولهذا من تأمل المستدرك يجد أن الثلث الأول منه أو الربع الأول منه على شرطه، على الشرط الذي اشترطه. وبعد ذلك لا تجد هذا الشرط، إما أنك تجد حديثا صحيحا لكنه ليس على شرط الشيخين، أو أن الحديث موجود فيهما، أو أنه ضعيف، بل وجدت موضوعات كثيرة. ذكر الذهبي رحمه الله منها مئة حديث من الأحاديث الموضوعة، سماه المختار، ألف جزء سماه المختار، وذكر فيها أي في هذا الكتاب، وفي هذا الجزء مئة حديث من الموضوعات. وقال رحمه الله في المستدرك: حديث موضوع، حديث الطير منه، سماه حديث الطير، هذا الذي هو مشهور في الوضع، وأن الله يخلق طيرا ثم يطير ويخرج منه كذا، لا إله إلا الله. فهذا الحديث موضوع. قال الذهبي: إنه فيه حديث موضوع، حديث الطير منه. فالمستدرك كتاب عظيم، ويدل أيضا على أن صاحبه عنده علم كثير في هذا العلم. لكن أيضا قال ابن الصلاح وغيره: استدركوا عليه أن خطة الكتاب هذا ليست صحيحة. المستدرك هذا ليس بصحيح، لأن البخاري ومسلم لم يشترطا أن يأتيا بكل حديث صحيح على شرطهما، يذكرانه في هذا الكتاب. بل هناك أحاديث كثيرة صحيحة تركوها، وقد صححاها البخاري كما ينقل عنه الترمذي، وكذلك الإمام مسلم صرح لابن زرعة ولغيره أنه لم يضع كل حديث صحيح عنده. فلهذا فمسألة المستدرك خطة غير صحيحة. وكذلك أيضا مسألة الإلزامات للإمام الدارقطني أيضا لا يلزمها. هذه الإلزامات، فالاستدراك لا يستدرك عليهما، وكذلك الإلزام لا يلزمها. قال الحاكم أبو عبد الله في المستدرك: حدثنا أبو العباس محمد بن عقوب، وهو الأصم. أبو العباس الأصم محمد بن عقوب الوراق، وهو نيسابوري من نيسابور. نيسابور تعتبر بلادا من بلاد المشرق، من بلاد خراسان. وأكبر مناطق فيها خراسان. ونيسابور أيضا تعتبر من المشرق، لأن العلماء يفرقون بين المشرق والمغرب بالبحر الأحمر. ما كان على يمين البحر الأحمر فهو مشرق، وما كان على يساره فهو مغرب. قال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو العباس محمد بن عقوب، وهو الأصم. كان حافظا كبيرا، ومنذ أن أدرك على نفسه وهو يطلب العلم. فكان أبوه وراقا، يكتب الأحاديث للعلماء، يكتب نسخا للعلماء. وكان خطه جميلا، وقد سمع من جماعة من أهل العلم. وكان يكتب لهم، ولهذا كان يأخذ ابنه محمد بن عقوب ويدور معه، يذهب به هنا وهنا، حتى إن محمد بن عقوب حدث وهو صغير. معنى هو لا زال شابا، وحدث وعمره ست وعشرون سنة. وحدث أيضا عند جماعات من الناس، وهو ابن ثلاثين سنة. وكان هذا يعتبر في الحديث صغيرا، لأنهم ما يجعلون أحدا يحدث إلا من كان حافظا كبيرا. وقد قيل بالعكس: إن البخاري حدث وهو صغير، وكذلك سفيان بن عيينة، وكذلك أيضا دحيم وغيرهم من أئمة الإسلام الحفاظ الكبار. هؤلاء الله عز وجل يجعلهم في صغرهم وهم في نبوغ، وهو في صغره. وكذلك كان محمد بن عقوب كان صبيا ذكيا، فكان أبوه يأخذه إلى مجالس العلماء حتى حدث وهو صغير. ولهذا يقول الحاكم أبو عبد الله: إن محمد بن عقوب الأصم حدث أكثر من سبعين سنة وهو يحدث الحديث. وأصم سمي أصم، محمد بن عقوب الأصم، لأنه لا يسمع. وأصم وهو شاب، لا زال في شبابه أصابه الصمم، ثم ازداد هذا الصمم حتى كان لا يسمع حتى نهيق الحمار. مع أنه كان مؤذنا للمسجد، مؤذن المسجد. وأذن سبعين سنة وهو يؤذن في المسجد الذي عندهم، لكنه ما كان يسمع. استزداد به الصمم، ولكنه يأخذون من ألفاظه العلماء، يأخذون من ألفاظه التي يقرأ بها. وكان قد أخذ كتب الشافعي من الربيع بن سليمان المرادي، وكثر الناس عنده لأجل أخذ كتب الشافعي. وكذلك أيضا أنه كان معمرا، كان الرجل قد أدرك الكبار. فلهذا كان الناس يأتونه من كل مكان. قال أبو عبد الله الحاكم: قد رأيت ناسا من الأندلس، ورأيت ناسا من المشرق، ومن الحجاز، يعني يأتون إلى محمد بن عقوب الأصم ليسمعوا منه الحديث. حتى كثر عنده الطلاب في آخر عمره. وكان كما قلنا مؤذنا، ومن شدة محبته للحديث، ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه قال: أتيت إلى محمد بن عقوب الأصم، وكان مؤذنا في المسجد. قال: فأذن، فقال لما أذن: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي. ثم ضحك، وضحك الناس. أنا غلط، أراد أن يقول: معناه يؤذن. قال: حدثنا محمد بن عقوب، أو قال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي. من كثرة ما يلفظ هذا الشيء، حتى غلط في الأذان. وكان كما قلنا كثرة عنده الطلاب، حتى إنه من كثرة الزحمة يأخذ الرجال على كتفه حتى يجلسوه في المنبر. منذ أن يخرج من بيته يأخذه حتى يجلس على المنبر، المنبر الذي هو في المسجد، فيحدثهم. فذات مرة صعد في جدار والناس حوله بازدحام، فبكى رحمه الله بكاء شديدا. ثم قال: اكتبوا، فحدثهم حديثا عن عبد الله بن إدريس، أو أثر عن عبد الله بن إدريس، أنه قال: جئت إلى بيت الأعمش بعد أن مات. أنا جاء عبد الله بن إدريس من أهل الكوفة، قال: جئت إلى بيت الأعمش بعد أن مات، فدققت عليه الباب، فعرفت. فجاءت جارية وقالت: من؟ فقلت: عبد الله بن إدريس. فسمعت صوتي فبكت وأجهشت في البكاء، فقالت: أين كان أولئك الذين يتفقدون في حياة الشيخ؟ أنا تريد أن تذكرهم. قال: فبكى عبد الله بن إدريس، وكذلك من كان معه من القوم. وبكى بعد ذلك محمد بن عقوب الأصم بكاء شديدا. قال: لعل اليوم الذي يأتي وليس في السكة أو في هذا الزقاق أحد. وليس في هذا الزقاق أحد. معنى الزقاق، معنى الشارع. فكان رحمه الله قد رحل إليه من شتى البقاع، وكان قد عمر. وكما يقولون: روى عنه الآباء والأبناء وأبناء الأبناء. ويقال أيضا: لحق الأحفاد بالأجداد. أنا لكثرة تحديده، كما قلنا حدث أكثر من سبعين سنة. قال رحمه الله: حدثنا أبو العباس محمد بن عقوب، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر. جعفر بن محمد بن شاكر هو أبو بكر الصائغ، الإمام المشهور في الحديث والفقه. كان إماما في الحديث والفقه، أبو بكر الصائغ. معنى اشتهر بجعفر بن محمد الصائغ، أو أبو بكر الصائغ البغدادي. جعفر بن محمد بن شاكر، وكان حافظا متقنا، كما شهد بذلك أئمة الإسلام كأبي حاتم وأبي زرعة وجماعة من هؤلاء. قال: حدثنا عفان بن المسلم، وهو أبو عثمان البصري الصفار. وكان إماما حافظا كبيرا ومتثبتا في الحديث. وكان يضبط كتابا. قال أحمد: عفان وحبان وبهز، هؤلاء متثبتون. وقال هؤلاء أصحاب الشيوخ: إن يشكلون كتبهم. وكان عفان فيه شيء من الغفلة في تصرفاته، لكنه حافظ كبير، وله وزن عند العلماء. كان معاذ بن معاذ القاضي يجعله عنده. وكان أيضا لأمراء الأمة يعظمونه، حتى إن المأمون لما أراد أن يمتحن الناس، أرسل إلى إسحاق بن إبراهيم صاحبه في البصرة أن امتحن عفان بن المسلم. أنا أول ما تمتحن أمتحن عفان بن المسلم. فقال له إسحاق بن إبراهيم: قال العفان قد أمرني المأمون أن أمتحنك، فإن قلت بقوله فإنه زادك في عطائك، وإن لم تقل بقوله فإنه سيقطع عطائك. معنى سيقطع المال الذي يعطيك. وكان يعطيه ألف درهم. فقال أحمد بن معين: قالوا لعفان فماذا قلت له؟ فقال: لي لما قال أتقول إن القرآن مخلوق؟ قلت له: قل هو الله أحد مخلوق، هل يتجاسر أحد أن يقول قل هو الله أحد مخلوق؟ فقال: اعلم أنه سينقطع، سينقطع عليك. فقال: هو كلام الله. أنا لم يخف من هذا التهديد الذي هدده إسحاق بن إبراهيم. وقد ذكر إبراهيم بن ديزيل، وإبراهيم بن ديزيل هذا يلقب بسفنجة، ويلقب أيضا بدابة عفان. أنا لقبه، هذا الحديث دابة عفان، لأنه كانوا معه مثل ظله، فسموه دابة عفان. فذكر إبراهيم بن ديزيل: أن عفان لما دعاه إسحاق إبراهيم، وقال له: إن لم تجب قطعت عنك ما كان يعطيك. فقال عفان لإسحاق: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: فلما جاء إلى بيته، وهذا يدل كما قال الإمام الذهبي على تعظيم إمام لعفان، فإنه لم يقتله، وإنما منع عنه ما كان يعطيه. فلما جاء إلى بيته، يقول إبراهيم ديزيل: لامه أهل بيته. وكان في بيته أربعون نفرا من النساء والأبناء وكذا. قال: من الذي سيعطي هؤلاء المال؟ ومن الذي سيأتي لهم بالغذاء؟ فقال لما لاموه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: فما لبث حتى دق الباب رجل، قال: ففتحت له الباب. وكأنه رجل سمان أو زيات، يعني رجل من التجار. فقال: خذ هذا واعطه عفان، وقل له: جزاك الله خيرا على الإسلام والمسلمين. قال: ثبتك الله كما ثبت أهل الإسلام. فأعطاه هذا. وقال: يجري عليك كل شهر، يعني عوضه الله عز وجل بما فقده من ذلك الأمير الذي قد يكون فيه أيضا شوائب العطاء. فقال: فعفان كان متثبتا عظيما في أهل الحديث. وكان أيضا من العلماء الذين يعرفون علم الرجال. حتى إنه كان يمزح، قال: قال يحيى بن معين: اجتمعنا مع عفان، أنا وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة. فقال عفان: ثلاثة ضعفاء في ثلاثة. أحمد في إبراهيم بن سعد، وعلي أيضا كان معهم علي بن المديني أبو الحسن. فقال: ثلاثة ضعفاء في ثلاثة. أحمد في إبراهيم بن سعد، وعلي في حماد بن زيد، وأبو بكر بن أبي شيبة في شريك بن عبد الله النخعي. قال له علي بن المديني: وثالث ورابعهم عفان في شعبة. قال عفان في شعبة. وهذا من باب المزاح، وليس هؤلاء ضعفاء، لكن هؤلاء سمعوا منهم وهم صغار. علي سمع من حماد بن زيد وهو صغير، وكذلك أحمد سمع من إبراهيم بن سعد وهو صغير. وأبو بكر بن أبي شيبة سمع من شريك وهو صغير. وهذا لا يدل على أنهم ضعفاء، وإنما سمعوا وهم صغار، لكنهم أثبتوا ما سمعوا. فذكر له علي أيضا عفان في شعبة، لأن عفان سمع من شعبة وهو صغير. قال رحمه الله: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبو بكر وهيب، وهو ابن خالد البصري. أبو بكر، كما قال علي بن المديني: لا أعرف رجلا بعد شعبة يعرف الرجال كوهيب بن خالد. قال: حدثنا داود بن أبي هند، وهو أيضا أبو بكر البصري. وهو حافظ ومحصاف البصرة. وهذا الإسناد كله كلهم حفاظ كبار. وهذا يدل على صحة هذا الحديث، مع أن هذا الحديث ليس موجودا في الكتب الأخرى. وهذا يدل على علو إسناد أبي العباس محمد بن عقوب. أنا هذا الحديث مع صحته ومع هذا الإسناد القوي، إلا أنه غير موجود في البخاري ومسلم، بل في الأمهات الست، بل أيضا حتى في المسانيد الأخرى. مع أن أحمد قد سمع من عفان بن مسلم كثيرا. قال: حدثنا داود بن أبي هند، قال: حدثنا أبو نضرة، وهو المندر بن مالك بن قطعة البصري. قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام خطباء الأنصار. وهذا حصل في سقيفة بني ساعدة، لما اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة. فأقبل رجل أبوبكر وعمر، أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فذهب إليهم ومعهم أبو عبيدة بن الجراح وغيرهم من الصحابة. فجعل بعض الأنصار يقوم ويتكلم، فيقول: يا معشر المهاجرين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا. أنا غالبا يجعل مهاجريا وأنصاريا. فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان، أحدهما منكم والآخر منا. وكان الأنصار يحبون أن يكون سعد بن عبادة هو أيضا له شيء في هذا الأمر، أي في الخلافة. قال: فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك، أن يذكرون هذا الأمر. ثم قام زيد بن ثابت، زيد بن ثابت يعتبر من الأنصار ومن خيرة الأنصار رضي الله عنه. قال: فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين، وإن الإمام يكون من المهاجرين. ونحن أنصاره، مثل ما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأيضا نكون أنصار خليفته، خليفته وصدق رضي الله عنه. قال: ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام أبو بكر رضي الله عنه، فقال: جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم. ثم قال: أما لو فعلتم غير ذلك، أو غير ذلك لما صالحناكم. ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر، فقال: هذا صاحبكم فبايعوه. أنا هذا الذي تبايعونه. ولهذا قال عمر: «أيرضى أحدكم أن يتقدم أبا بكر؟ هل يستطيع أحد أن يكون في الخلافة مقدما على أبي بكر؟» والصحابة رضي الله عنهم كلهم يعرفون فضل أبي بكر بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا يقدمونه في الصلاة، كما استدل بذلك عمر. وكان صاحبه في الهجرة أيضا، استدل بذلك عمر في ذلك اليوم. فلهذا أجمع العلماء، أو أجمع أصحاب الصحابة على أن يكون أميرهم وخليفتهم أبو بكر رضي الله عنه. قال: فهذا صاحبكم فبايعوه. ثم انطلقوا، فلما قعد أبو بكر معنا بعد ما بايعوه، قعد على المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير عليا، فسأل عنه. فقام ناس من الأنصار فأتوا به. أنا لما نظر لم ير عليا بين القوم، فقال أبو بكر: «ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟» فقال علي رضي الله عنه: «لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم». معنى لا تعاتبني، فأنا أقر بذلك، لكن الذي خلفه شيئا مما يكون. معناه أراد أن يخفف عن فاطمة الحزن، فلهذا لم يبايع أبوبكر في بداية الأمر. قال: «لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فبايعه. وهذا يدل على أن عليا بايع أبا بكر في ذلك الوقت، لكن أخفى ذلك على فاطمة. ثم بايعه مرة أخرى. هذا الجمع جمعه بعضهم العلم، وبعضهم يقول: كما جاء في الصحيح، أن عليا بايع أبا بكر بعد موت فاطمة رضي الله تعالى عنها وعنه. قال: ثم لم ير الزبير بن العوام، فسأل عنه حتى جاء به. فقال: «ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوارية، أردت أن تشق عصا المسلمين؟» فقال مثل قوله: «لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فبايعاه. فذلك يدل على أن الزبير أيضا بايع أبا بكر في نفس الوقت. وهذا هو الصحيح، لكن قد يكون علي أخفى مبايعته عن فاطمة، ثم بعد ذلك أيضا جهر بهذه المبايعة. والمهم أن أبا بكر رضي الله عنه بويع بإجماع المسلمين، وكذلك بإشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الإشارات كثيرة، منها ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم تلك المرة، كما في البخاري، وطلبت منه شيئا، فقالت: قال لها: «أتيني». فقالت: إلا ما جدك. فقال: «أتى أبا بكر». وكذلك أيضا قال أيضا كما في البخاري: «ويعطى الله المسلمون إلا أبا بكر». وقال أيضا: «مر أبا بكر فليصل بالناس». وكان صاحبه في الهجرة، فلا يشك أحد من المسلمين بفضل أبي بكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يقول: «دعو لي صاحبي». وكان يقول: «لو كنت متخذا من البشر خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام». فلهذا فبايع الناس أبا بكر رضي الله عنه، واستقر أمر الناس، إلا ما كان من أهل الردة، فقاتلهم أبو بكر حتى رجعوا. طيب إن شاء الله تعالى نكتب هذا. الله تعالى.