مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 10

مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 10

الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الرد على شبهة التوسل بالنبي بحديث الأعمى

يشرح المقطع أن الشفاعة في الدنيا تقتصر على طلب الدعاء، مستدلاً بحديث عثمان بن حنيف عن الأعمى الذي طلب الدعاء لا الشفاعة الذاتية. ويرد على الغلاة القائلين بجواز التوسل بالنبي لقضاء الحاجات، مبيناً أن النداء كان لحاضر يسمع طلب الدعاء فقط.

أحكام طلب الدعاء والشفاعة من الحي والميت وفهم الصحابة

يبيّن المقطع جواز طلب الدعاء من النبي في حياته لأنه حي حاضر يملك الدعاء لا الشفاعة المستقلة، ويحرم دعاؤه بعد الوفاة لكونه شركاً. وقد فهم الصحابة ذلك فعدلوا إلى طلب الدعاء من الأحياء الصالحين كاستسقاء عمر بالعباس.

ثمار الشفاعة ومنافعها يوم القيامة

يستعرض المقطع أبرز ثمار الشفاعة، وفي مقدمتها الشفاعة العظمى لإخراج الناس من الكرب، وإكرام الشافعين برفع درجاتهم. ويحث على الأعمال الصالحة كقراءة القرآن والصيام وحسن تربية البنات لتكون سبباً للشفاعة.

فوائد الشفاعة وحث المسلم على السعي لنيلها

يذكر المقطع أن من ثمرات الشفاعة تحفيز المسلم على الاجتهاد في الطاعات رجاء نيل شفاعة الله ورحمته. ويختتم بالدعاء بأن يوفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي أحوال الشفاعات في الأدوار الثلاثة: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة. وذكرنا أن الشفاعة في الدنيا إنما تأتي بمعنى الدعاء، أي أن يطلب المسلم من الشافع أن يدعو له، وهذا هو فعل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكل ما جاء من لفظ الشفاعة فيما ثبت عن الصحابة فيما سألوه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو بمعنى طلب الدعاء منه عليه الصلاة والسلام لهم. وبهذا تستطيع أن ترد على شبه كثيرة يوردها الغلاة في باب الشفاعة. فمن تلك الشبه التي يوردونها ويستدلون بها على التوسل بالرسول عليه الصلاة والسلام، وطلب الشفاعة منه لا بمعنى الدعاء، وإنما بمعنى أنه يملك هذه الشفاعة ويعطيها من طلبها منه، ما جاء عند الإمام أحمد وأبي داود، وعند الإمام أحمد والترمذي، من حديث عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً ضريراً -يعني أعمى- أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، أو يا نبي الله، ادعُ الله أن يعافيني. هذا الأعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يعافيني. انتبه إلى لفظ الحديث: ما قال: يا رسول الله عافيني، لا، قال: ادعُ الله أن يعافيني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك». يعني: إن شئت أخر لك هذا الطلب إلى الآخرة وهو خير لك، وإن شئت دعوت الله لك، مثل ما قال للمرأة السوداء: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرتِ ولك الجنة». لكن هنا قال له: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت أخرت لك ذلك». فقال هذا الرجل: بل ادعُ الله لي. اختار الثاني: بل ادعُ الله لي. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصل -أي أن يتوضأ ويصلي ركعتين- وأن يدعو بهذا الدعاء، يعني يصلي لله، وبعد هذه الصلاة علمه هذا الدعاء. ما هو هذا الدعاء؟ قال: «قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى، وتشفعني فيه، وتشفعه فيه». إلى هنا انتهى هذا الحديث. وفي زيادة: أنه كان يقول هذا مراراً، ثم قال: «أحسب أن فيها: أن تشفعني فيه، أن تشفعني فيه». ففعل الرجل فبرأ، أي شُفي. وهذا الحديث يحسنه شيخنا الوادعي في كتابه «الشفاعة»، وكذلك العلامة الألباني عليه رحمة الله. فالغلاة في باب الشفاعة استدلوا بهذا الحديث على جواز التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشفاعة، في قوله في هذا الحديث في الدعاء: «يا محمد». قالوا: هذا فيه نداء، هذا فيه نداء، فإذا هذا فيه توسل. وماذا يكون الجواب؟ لما تقدم معنا بالأمس نقول لهم: نعم هذا نداء، لكن نداء لمن؟ لحي حاضر يسمع النداء، يسمع النداء، فكأنه يقول مثل ما تقول مثلاً: يا شيخ، ادعُ الله لي. فقولك: يا شيخ، ادعُ الله لي، هل هذا فيه توسل بمعنى الشرك؟ لا، توسل بمعنى طلب الدعاء من حاضر يسمعك وتسمعه. فهذا الحديث بهذا المعنى. ولذلك شيخنا الوادعي بعدما أورد هذا الحديث علق عليه وقال: «هذا الحديث ليس فيه حجة للذين يدعون غير الله، هذا الحديث ليس فيه حجة للذين يدعون غير الله؛ لأن الأعمى إنما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء والشفاعة». وهذا قلنا يجوز في الدنيا: أن تطلب من إنسان أن يدعو لك، وأن يشفع لك في الدنيا بمعنى يدعو لك. فتقدم معنى أن هذا لا بأس به. فقال هنا الشيخ: «وهو الدعاء والشفاعة، وقوله: يا محمد، وقوله -أي قول الأعمى في هذا الدعاء-: يا محمد، نداء الحاضر فيما يقدر عليه وهو الدعاء والشفاعة؛ لأن هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع وجود النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بعد موته. أما دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء بعد موته فهذا لا شك أنه من الشرك؛ لأنه دعاء الميت، دعاء الميت، ولا يجوز دعاء الميت كما تقدم معنا». وهذا الذي فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. تقدم معنا في حديث عمر في الدرس الماضي: أنه في عام الرمادة لما قحط الناس واشتد الأمر عليهم، خرجوا يستسقون. فماذا قال عمر؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا». «اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك فتسقينا». متى هذا؟ في حياته. لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الصحابة، كانوا رضي الله تعالى عنهم يطلبون منه الدعاء، كما مرت في حوادث كثيرة وأحاديث كثيرة، ومنها هذا الحديث: حديث الأعمى، ومنها حديث المرأة السوداء، ومنها حديث عكاشة بن محصن، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»، فقال عكاشة: «ادعُ الله أن يجعلني منهم». ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعلني منهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما يملك ذلك، وإنما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعله منهم». فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر وقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: «سبقتك بها عكاشة». خلاص، دعا لي عكاشة فيكفي، هذا حتى ما يفتح هذا الباب. فإذن الصحابة فهموا هذا الفهم لمعنى الشفاعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشفع به في حياته بمعنى يطلبون منه الدعاء. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا عن دعائه، أو عن الذهاب إلى قبره وطلب الشفاعة منه، لأنه لا يملكها، فعدلوا إلى الحي الحاضر، وهو من يرون فيه الصلاح والخير، وهو العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك يقول العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح، وإن كان من أهل البيت من هو من أهل الدين والصلاح فهو أفضل، فهو أفضل لاجتماع القرب من نسب النبي عليه الصلاة والسلام مع الصلاح والتقى والدين. والعباس كان من خيرة الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلذلك استسقى به عمر رضي الله تعالى عنه، أي بمعنى طلب منه أن يدعو للمسلمين أن يسقيهم. فهذا هو معنى الشفاعة، ومعنى طلب الدعاء من الحي الحاضر، الحي الحاضر، فلا إشكال في ذلك. هنا مبحث آخر، ومنه كذلك يرد على غلات الغلاة في الشفاعة، وهم المتصوفة ومن نحا نحوهم. ينبغي علينا أن نعلم أن الشفاعة لها ثمار وفوائد ومنافع كثيرة. فمن أعظم تلك الثمار والمنافع أنها أولاً: نوع من الرحمة والمغفرة الإلهية التي يفيض بها ربنا سبحانه وتعالى على من شاء من عباده. ففيها رحمة للمشفوع له: أناس استحقوا النار فلم يدخلوها بشفاعة الشافعين بعد رضا الله عز وجل. أناس كانوا في النار فأخرجوا منها برحمة الله عز وجل وإذنه للشافعين أن يشفعوا فيهم. أناس قصرت درجاتهم في الجنة، فيأذن الله عز وجل لمن شاء من خلقه أن يشفعوا لهم في رفع درجاتهم. وهكذا كما مر معنا من أنواع الشفاعة. ومن أعظمها الشفاعة العظمى: أولئك الذين وقفوا في هذا الموقف العصيب الشديد، دنو الشمس منهم قدر ميل أو ميلين، واشتداد الكرب والشدة، فيريدون من يشفع لهم، فيذهبون إلى الأنبياء فيعتذرون، إلى أن يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيرحمهم ربنا سبحانه وتعالى ويفيض عليهم من رحمته ومن بركته سبحانه وتعالى، فيشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لا شك أن هذا من أعظم ثمار ومنافع الشفاعة. وكذلك من منافع وثمار الشفاعة: إكرام الشافع. فكون هذا العبد ينادى على رؤوس الخلائق بعد إذن الله عز وجل له أن يشفع لمن شاء، ربنا سبحانه وتعالى، أليس هذا فيه إكرام وفيه مقام عظيم؟ وكما قال الله عز وجل: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. ففسر المقام المحمود كما ورد به الحديث بالشفاعة العظمى. وهكذا الشفع يوم القيامة درجات ومنازل، كل فضلنا بعضهم على بعض، ولا الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيل. فالله عز وجل يكرم هؤلاء الشفعاء ويرفع منازلهم، ويرى العباد كذلك علو منازلهم، فيأذن لهم بالشفاعة. وكذلك من منافع وثمار الشفاعة: حث المسلم على العمل الصالح في الحياة الدنيا. فلا شك أن كل راغب لهذه الشفاعة سيبادر إلى الطاعة والعمل الصالح، والعمل بأسباب الشفاعة، ويتجنب كل سبب يبعده عنها من المعاصي والذنوب والآثام. فقد مر معنا في أسباب الشفاعة: أن من الشفعاء يوم القيامة الأعمال الصالحة، والصيام يشفع، والقرآن يشفع، يشفع لمن قرأه آناء الليل وأطراف النهار، وقام به وعمل به، وكذلك تداوى به ولم يهجر. فهذا يحث المسلم على الاعتناء بهذا الكتاب، الاعتناء بهذا القرآن. وهكذا الصيام يشفع لأهله الذين يعملون هذا العمل الصالح في هذه الدنيا ويكثرون منه، فيشفع لهم يوم القيامة ويحاج عنهم يوم القيامة. فلا شك أن هذا أيضاً يدعو جميعاً لهذا العمل الصالح. وكذلك مما جاء في نجاة العبد من النار، وشفاعة الشافعين له من الدخول إلى النار: الاعتناء بتربية البنات، الاعتناء بتربية البنات وحسن تربيتهم. فقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن صحبتهن، فأحسن صحبتهن، فأحسن صحبتهن، كن له سترا من النار، كن له سترا من النار». فهذا أيضاً ذكر أهل العلم أنه بمعنى الشفاعة، أنه بمعنى الشفاعة. فإذا الذي يطمع في هذا الأمر العظيم وهو الشفاعة، ينبغي عليه أن يحرص على مثل هذه الأعمال الصالحة. فلا ينفع النسب، ولا ينفع الاتكال على المال أو الجاه أو نحو ذلك. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، جمع عشيرته وناداهم بطناً بطناً وفرداً فرداً، فعمم ثم خصص عليه الصلاة والسلام، فنادى: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا عباس بن عبد المطلب، أنقذ نفسك من النار، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله. يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً». فلينتبه من يتكل على نسبه، وأن الشفاعة ستناله وهو بعيد من أسبابها وبعيد من الأعمال الصالحة. فلنعلم أنه لا ينال هذه الشفاعة إلا من اتخذ أسبابها وعمل بما يكون سبباً في الشفاعة له عند الله سبحانه وتعالى. فمن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه بعض ثمراتي ومنافعي وفوائدي الشفاعة، والرغبة في نيلها أن يجتهد المسلم في مثل هذه الأمور، فلعل الله عز وجل أن يرحمه بهذه الشفاعة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، إلهنا والله تعالى علم.