الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المحور نسب عبد الله بن عباس وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً دعاء النبي له بالحكمة وفقه الدين وعلم الكتاب. كان هذا الدعاء سبباً رئيسياً في نبوغه المبكر وجعله حبر الأمة وإماماً في التفسير والفقه.
يصف المحور حرص ابن عباس رضي الله عنه على طلب العلم في صغره وتحمله المشقة لملازمة العلماء حتى أصبح مرجعاً بعد الصحابة. كما يستعرض مكانته العالية عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي كان يدنيه في مجالسه ويستشيره واصفاً إياه بفتى الكهول.
يروي المحور تفسير ابن عباس لسورة النصر عند عمر مبيناً أنها بشارة بقرب وفاة النبي، وثناء الصحابة على علمه الواسع رغم صغر سنه. ويذكر ولايته على موسم الحج في عهد عثمان حيث خطب وفسر سورة النور بأسلوب أذهل الحضور.
يستعرض المحور أمر الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة مؤكداً أهميتها العظمى في الإسلام. يعكس هذا النداء الإلهي المباشر توجيه الرسول لأداء العبادة وإقامتها على الوجه الأكمل.
الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، ذكر المؤلف من المشهورين بالتفسير من الصحابة ثلاثة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وقد تقدم ذكر ترجمتهما. بقي معنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: عبد الله بن عباس هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، إذن يعد من صغار الصحابة. لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة كان يبلغ من السن ثلاث سنوات، صغير، وما ميز إلا بعد أن مكث النبي عليه الصلاة والسلام سنوات في المدينة. قال: لزم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ابن عمه، فالنبي عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فالعباس عم النبي عليه الصلاة والسلام أخو أبيه عبد الله. قال: وخالته ميمونة تحت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني من أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا مما جعله يدخل عليها، في خالته يدخل على ميمونة، فبدخوله على ميمونة يدخل عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، أي ضم ابن عباس، وقال: «اللهم علمه الحكمة»، وفي رواية: «الكتاب»، وهذا الحديث في البخاري، وهذا فيه منقبة عظيمة لابن عباس إذ دعا له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الدعاء العظيم، فلذلك اجتهد ابن عباس فصار من علماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. قال: وقال له حين وضع له وضوءه: «اللهم فقهه في الدين»، وهذه دعوة أخرى في البخاري أيضًا، الحديث دعا له بالفقه. قال: فكان بهذا الدعاء المبارك حبرًا، ويجوز حبرًا بفتح الحاء وكسرها، يجوز هذا وهذا، والحبر في لغة العرب: العالم المتبحر في العلم. قال: فكان بهذا الدعاء المبارك حبر الأمة في نشر التفسير والفقه، نال فقهه في الدين، وفي رواية: علمه الحكمة، وفي رواية: الكتاب، يعني القرآن، وكل هذه الأدعية تدل على فقهه وعلمه في التفسير والفقه. قال: حيث وفقه الله تعالى للحرص على العلم والجد في طلبه والصبر على تلقيه وبذله. وقد ورد أن ابن عباس جاء إلى رجل أو فتى من الأنصار وهو صغير، فقال له: هيا نذهب نطلب العلم عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له هذا الفتى من الأنصار: أترى أن الناس يحتاجون إلي وإليك وفيهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ فلم يبالِ ابن عباس بقول هذا الفتى من الأنصار، فكان ابن عباس يذهب عند العلماء، فلربما جلس عند باب أحدهم في الظهيرة، فتأتي الريح فتسفي التراب على وجهه وهو صابر حتى يخرج ذلك العالم فيسأله ويستفيد من علمه. فلما مات من مات من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وصار ابن عباس ممن يرجع إليه وممن يطلب عنده العلم، واستحمّ عند مجالسه، فرآه هذا الفتى من الأنصار فقال وهو يخاطب الناس ويخاطب بعضهم: إن هذا الفتى كان أعقل مني، يعني ابن عباس، إن هذا الفتى كان أعقل مني. لماذا؟ لأن ابن عباس ذهب يطلب العلم ويسأل ويحرص على العلم، أما هو فتعذر بهذه الحجة، وهذا حجة واهية ليست بصحيحة. نعم، قد يكون في زمن لا يحتاج إلى علمك، أنت تستغل هذا في الطلب والجمع، لكن سيحتاج إليك فيما بعد. فإذا كان ابن عباس حريصًا على العلم، ما نال هذا العلم بالكسل والنوم والاتكال على دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فاجتهد وحرص على العلم، حرص على العلم رضي الله تعالى عنه، كما سمعت يذهب الظهيرة ويجلس وتأتي الريح فيأتي التراب على وجهه وهو صابر من أجل أن ينال العلم. قال: فنال بذلك مكانًا عاليًا حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدعوه إلى مجالسه، مجالسه، ويأخذ بقوله، يعني كان عمر يدني ابن عباس على صغر سنه، كان صغيرًا كما تقدم، لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يزيد على العشر بسنتين أو نحوها، فربما في زمن عمر ربما خمسة عشر أو نحوها. أن أبا بكر كم كانت خلافته؟ سنتان وأشهر، ستة أشهر أو نحوها، صح. فهب أن سنه كان خمسة عشر سنة، صغير في عهد عمر، فكان عمر يدنيه أو يدعوه إلى مجالسه ويأخذ بقوله، يأخذ بقول ابن عباس لما يرى فيه من العلم والفقه. فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ لنا أبناء في سن ابن عباس صغار، لماذا ما تدعوهم؟ تدعو ابن عباس. فماذا فعل عمر؟ قال: فقال لهم: ذاك فتى الكهول، يعني فتى لكن علمه علم الكبار، له لسان سؤول وقلب عقول، يعني يكثر السؤال ويعقل ما يلقى عليه. ثم دعاهم ذات يوم، دعاء المهاجرين الكبار، فأدخله معهم، أدخل ابن عباس معهم ليريهم منه ما رآه، يعني من العلم والفقه. فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم يعني من المهاجرين: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا فتح علينا، وسكت بعضهم. فقال عمر لابن عباس: أكذلك تقول؟ قال: لا، ما أقول هذا. قال: فما تقول؟ قال: هو أجل رسول الله، يعني قرب وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، فذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وهذا الحديث أصله في صحيح مسلم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس». وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس». هذا مدح، لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد، أي ما كان نظيرًا له، يعني لو أدرك أسناننا يعني أدرك سننا ما عاشره منا أحد، يعني لكثرة علمه. هذا مع أن ابن عباس عاش بعده ستًا وثلاثين سنة، فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم؟ أي أنه كان على صغر سنه إلا أنه غزير العلم. وقال ابن عمر لسائل سأله عن آية: انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء: ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس فقها وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده وأصحاب القرآن عنده وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع، يعني أنه ملم بهذه العلوم، من أراد الفقه فعند ابن عباس، من أراد القرآن فعند ابن عباس، من أراد الشعر فعند ابن عباس. وقال أبو وائل: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم، يعني والٍ على موسم الحج من عثمان رضي الله عنه، لأن الأمير إذا لم يذهب إلى الحج يجعل واليًا على أهل الحج يكون أميرهم، ففي زمن عثمان جعل ابن عباس واليًا على أهل الحج. قال: فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت والله. عثمان على موسم الحج سنة خمس وثلاثين، وعلي على البصرة، فلما قتل يعني علي مضى إلى الحجاز فأقام في مكة ثم خرج منها إلى الطائف فمات فيها سنة ثمان وستين عن إحدى وسبعين سنة. طيب، نكتفي بهذا. الله، أقم الصلاة يا محمد.