الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف هذا المحور الإظهار في موضع الإضمار بأنه مجيء الاسم الظاهر مكان الضمير للبلاغة، مستشهداً بقوله تعالى ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم﴾ في سورة الأحزاب حيث يعود الضمير على عشرين صفة. ويذكر ثلاث فوائد بلاغية هي: الحكم على المرجع بما يقتضيه الاسم، بيان علة الحكم، وعموم الحكم لكل متصف بتلك الصفة.
يستعرض هذا المحور ثلاث فوائد بلاغية وتشريعية لاستخدام الاسم الظاهر بدلاً من الضمير مستدلاً بآية سورة البقرة في وصف الكافرين وآية سورة الأعراف في أجر المصلحين. وتتمثل الفوائد في الحكم على المرجع بمقتضى الاسم، وتبيين علة الحكم، وشمول الحكم لكل متصف بصفة الاسم الظاهر.
يبيّن هذا المحور قاعدة نحوية تقضي بوجوب إظهار الاسم الظاهر عند تقدم مرجعين محتملين للضمير وإرادة أحدهما فقط، مستشهداً بدعاء إصلاح ولاة الأمور وبطانتهم. ويوضح أن الإضمار هنا يوهم عودة الضمير على المسلمين لا على الولاة، فتعين الإظهار لرفع اللبس.
أعلن المحاضر انتهاء الحصة الحالية وقرر تأجيل شرح ضمير الفصل إلى درس قادم، مختتماً الجلسة بالبسملة والتسليم لله تعالى. ويشير هذا الختام إلى الانتقال لموضوع نحوي جديد في اللقاء المقبل.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: ولا يزال يتكلم على الضمير. قال: "الإظهار في موضع الإضمار". قال: وما معنى الإظهار في موضع الإضمار؟ يعني: لماذا يؤتى بالضمير؟ يؤتى بالضمير اختصاراً، اختصاراً كما سيأتي، ومع هذا أحياناً مع وجود الاختصار لكن المناسب أن يؤتى باسم ظاهر ليس بضمير، هذا يسمى الإظهار في موضع الإضمار. الموضع موضع إضمار، لكن المناسب في هذا الموضع أن يؤتى بالاسم الظاهر لا بالضمير، هذا يسمى الإظهار في موضع الإضمار، وهذا من البلاغة. قال: الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير؛ لأنه أبين للمعنى وأقصر للفظ، ولهذا ناب الضمير في قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ عن عشرين كلمة المذكورة قبله في قوله: ﴿لَّهُم﴾ يعود على من؟ ﴿لَّهُم﴾ في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، فذكر عشرين كلمة مع العطف، ثم بعد ما يقول: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، أتى بكلمة واحدة تشمل الجميع، فقال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم﴾ يعني: ممن ذكروا قبل. هذا الأصل: صح أن يؤتى بالضمير في موضع الضمير. قال: وربما يؤتى مكان الضمير بالاسم الظاهر، وما يسمى الإظهار في موضع الإضمار، أحياناً من بلاغة اللغة أنه ما يناسب أن تذكر الضمير؛ لأن المناسب أن تذكر الظاهر للضمير، وسيأتي بالمثال. قال: وهو ما يسمى الإظهار في موضع الإضمار، وله فوائد كثيرة تظهر بحسب السياق. منها: يعني هذا الإظهار له فوائد، لم يذكر عبثاً، وإنما له فوائد. فذكر ثلاث فوائد: قال: أولاً: الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر. فالاسم الظاهر هذا الاسم الظاهر فيه الحكم على المرجع، الحكم على المرجع. لماذا تحكم عليه بالاسم الظاهر؟ إذا ناسب أن يذكر الظاهر للضمير؛ لأن الضمير ما تستطيع به أن تحكم على المرجع، وسيأتي هذا بالمثال. ثانياً: بيان علة الحكم. يعني: لماذا كان هذا مصيره؟ ما هي العلة؟ الاسم الظاهر يبين، سيأتي في المثال. ثالثاً: عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر. يعني: أن هذا الاسم يفيد العموم، عموم الحكم، ليس خاصاً في صنف معين أو في فرد معين، سيتبين هذا بالمثال. قال: مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾. هنا قال: ﴿عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾، ما قال: "عدو له". صح؟ ما قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لَّهُ﴾؛ لأنه قد ذكر المرجع، وإن كان عدواً لله، عدواً، إذن فإن الله عدو لهذا العدو. صح؟ لكن لماذا أتى باسم ظاهر وهو قوله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾؟ من أجل هذه الفوائد الثلاث. قال: ولم يقل: "فإن الله عدو له"، فأفاد هذا الإظهار الحكم بالكفر على من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال. إذن استفدنا من لفظة "الكافرين" أن من كان عدواً لهؤلاء، لله ولملائكته ورسوله وجبريل وميكال، فإنه كافر. كيف حكمنا عليه بالكفر؟ بسبب الاسم الظاهر. فأنتم هذا الآن، فإذن هذه مناسبة. قال: الثاني: أن الله عدو لهم لكفرهم، وهذا معنى بيان علة الحكم. لماذا الله عز وجل عدو لهذا العدو؟ بسبب كفره؛ لأنه كفر. من أين استفدنا هذه العلة؟ من هذا الاسم الظاهر. صح؟ من هذا الاسم الظاهر. وكذلك العلة أو السبب الثالث: عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر. أن كل كافر فالله عدو له، فهو عام، فهو عام. ليس العداء من الله عز وجل لمن عاد الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال، بل كل كافر فالله عدو له. واضح هذا الآن؟ فإذا استفدنا من هذا الاسم الظاهر هذه الفوائد الثلاث، هذه الفوائد الثلاث. قال: مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. ما قال: "إنا لا نضيع أجرهم". لا، قال: ﴿أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. لماذا هنا ذكر هذا الاسم الظاهر في موضع الإضمار؟ لفوائد من هذه الثلاث الفوائد. أولاً: الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر. فالآن قال هنا: ولم يقل: "إنا لا نضيع أجرهم"، فأفاد ثلاثة أمور: الحكم بالإصلاح للذين يمسكون الكتاب ويقيمون الصلاة. أين عرفنا الحكم عليهم بالإصلاح؟ بالاسم الظاهر. فالذي يمسك بالكتاب ويقيم الصلاة فهذا صالح. من أين استفدنا هذا الوصف وهذا الحكم؟ من الاسم الظاهر. صح. كذلك: بيان علة الحكم. فأن الله آجرهم لإصلاحهم. لماذا هذا الأجر؟ ما سببه؟ صلاح هؤلاء وإصلاح هؤلاء. ظهر ذلك. كذلك الفائدة الثالثة: أن كل مصلح فله أجر غير مضيع عند الله تعالى. ليس فقط الذي يمسك بالكتاب وقام الصلاة، بل كل مصلح، كل مصلح، فإن الله عز وجل لا يضيع أجره. من أين استفدنا هذا؟ من الاسم الظاهر. إذن انظروا إلى فوائد الإظهار في موضع الإضمار. قال: وقد يتعين الإظهار، كما لو تقدم الضمير مرجعان يصلح عوده إلى كل منهما والمراد أحدهما. ومعنى "يتعين": يعني يجب الإظهار في بعض المواضع. يجوز أن تظهر الاسم الظاهر أو أن تبقيه على الأصل وهو الضمير، لكن في بعض المواضع يجب الإظهار. ومن تلك المواضع ما أشار إليه المؤلف هنا: لو تقدم الضمير مرجعان، يعني: لو أظهرنا الضمير لرجع هذا الضمير على اسمين، مش على اسم واحد، على اسمين، ليس اسم واحد، على مرجعين. وهذا الضمير يصلح عوده إلى كل منهما، يصلح أن يعود على الأول أو على الثاني، والمراد أحدهما. يعني: المراد من هذا الضمير ليس كلا الاسمين، وإنما هو اسم واحد. فلو ذكرنا الضمير لالتبس علينا الأمر، هو يريد واحد، فإذا أضمرناه رجع على الثاني وليس هو المراد. بالمثال يتضح المقال. قال: مثل: "اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانة ولاة أمورهم". إذ لو قيل: "وبطانتهم"، لو قال: "اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم"، انظر الآن الضمير: هل يعود للمسلمين أو يعود للولاة؟ معنى: مرجعان الآن. معنى: مرجعان. طيب: المسلمين والولاة. لو قلنا: "اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم" بالضمير، لأوهم أن هذا الضمير يعود على المسلمين أيضاً، وليس هو المراد. المراد: بطانة الولاة، ليس بطانة المسلمين. ما معنى البطانة؟ يعني: الحاشية، المقربون. أما المسلم ولو حاشيته حاشية سوء، ما يتضرر منه المسلمون، يتضرر في نفسه. صح؟ لكن ولي الأمر لو حاشية يتضرر جميع المسلمين؛ فإنهم يأمرونه بالمنكر وينهونه عن المعروف لأنهم بطانة سوء. فإذا لو أضمرنا لجاز أن يرجع الضمير على المسلمين، وهذا ليس المراد. صح؟ هذا ليس المراد. ويجوز أن يرجع إلى الولاة، وهذا هو المراد. إذن تعين هنا إظهار الاسم وليس إضماره، حتى يتعين على المراد وهو الولاة. ولذلك قال: "وبطانة ولاة أمورهم". فهمتم هذا الآن؟ وهنا يتعين الإظهار؛ لأنه قال: "إذ لو قيل: وبطانتهم، لأوهم أن يكون المراد بطانة المسلمين، وهذا ليس المراد، وإنما المراد إصلاح بطانة الولاة". آه، آه، لا ما يقول: "وبطانتهم" فقط، لا يأتي بالاسم الظاهر؛ لأن الضمير يعود على مرجعين، والمراد مرجع واحد وليس المرجعين. فأنتم هذا الآن. طيب، نكتفي بهذا، وضمير الفصل نؤجله إلى درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.