الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 49، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يضرب الله أمثالاً لأعمال الكافرين كسراب يحسبه الظمآن ماءً وكالرماد تذروه الرياح، مبيناً بطلانها. وفي المقابل يمثل أعمال المخلصين بجنة بربوة تؤتي أكلها ضعفين، وأعمال المرائين بحجر أملس لا يثبت عليه شيء لقسوة قلوبهم.
يشبه قلب المرائي بالصوان والحجر الأملس الذي لا تؤثر فيه المواعظ كالمطر، ويمثل حال المنافقين بمن استنار ثم ذهب نوره فبقي في ظلمات. يحذر المقطع من الرياء ويؤكد على الإخلاص والتوبة لصقل القلب.
يستعرض المقطع مثلين من سورة البقرة للمنافقين: نار تنطفئ تاركاً صاحبها في ظلمات، وصيب من السماء فيه رعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم. يبين أن المنافق عرف الحق ثم غلبته شقاوته فانطفأ نوره وبقي في حيرة وضلال.
يشير المقطع إلى أن الوصف القرآني لأحوال الناس قد شاهده الخلق واعترف به البر والفاجر على حد سواء. إلا أن سكر الشهوات وغلبتها تحول دون اتباع الحق والاستجابة للمواعظ.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. فَعَلَ نِعَمَ لِقَرَأَ أَكْمَلَ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ مَثَّلَ اللَّهُ عَمَلَ الْكَافِرِ بِالسَّرَابِ الَّذِي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، فَيَأْتِيهِ وَقَدْ اشْتَدَّ بِهِ الظَّمَأُ وَأَنْهَكَهُ الْإِعْيَاءُ، فَيَجِدُهُ سَرَابًا. وَمَثَّلَهُ بِالرَّمَادِ الَّذِي أَحْرَقَ، فَجَاءَتْهُ الرِّيَاحُ فَذَرَتْهُ، فَلَمْ تَبْقَ مِنْهُ بَاقِيَةٌ. فَلَمْ تَبْقَ مِنْهُ بَاقِيَةٌ. وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِحَالِهِ وَبُطْلَانِ عَمَلِهِ، فَإِنَّ كُفْرَهُ وَمَعَاصِيَهُ بِمَنْزِلَةِ النَّارِ الْمُحْرِقَةِ، وَعَمَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّمَادِ وَالسَّرَابِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَكَانَ يَعْتَقِدُهُ نَافِعًا لَهُ، فَإِذَا وَصَلَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ. نَعَمْ، هَذَا أَيْضًا فِيهِ ذَنْبُ الْكُفْرِ، وَفِيهِ كَذَلِكَ عَدَمُ قَبُولِ عَمَلِ الْكَافِرِ. فَمَثَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَمَلَ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِهِ صَالِحًا، يَعْنِي هَذَا الْعَمَلَ صَالِحًا، يَكُونُ كَافِرًا يَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ يَبْنِي بُيُوتًا لِلْمُحْتَاجِينَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا الْعَمَلُ مِثْلُ السَّرَابِ. السَّرَابُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَتَخَيَّلُ إِلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ مَاءٌ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ إِذَا بِهِ لَا مَاءَ، تُسَمَّى سَرَابًا. وَأَخَذَ هَذَا الْمُؤَلِّفُ مِنَ الْمَثَلِ الَّذِي ذُكِرَ فِي سُورَةِ النُّورِ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. طَيِّبٌ، فَمَا هِيَ الْمُنَاسَبَةُ كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَا هُنَا؟ أَنَّ عَمَلَهُ هَذَا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بِمَنْزِلَةِ النَّارِ الْمُحْرِقَةِ تُحْرِقُ أَيَّ شَيْءٍ، وَعَمَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّمَادِ وَالسَّرَابِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ. يَعْنِي هَذَا الْكُفْرَ وَهَذَا الْعِصْيَانَ يُحْرِقُ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. فَشَبَّهَ الْكُفْرَ بِالنَّارِ الْمُحْرِقَةِ، وَشَبَّهَ الْأَعْمَالَ بِالسَّرَابِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَوْ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَمَثَّلَهُ تَشْبِيهَ عَمَلِهِ بِالرَّمَادِ، الرَّمَادُ هُوَ مَا يُنْتَجُ بَعْدَ حَرْقِ الْحَطَبِ، عِنْدَمَا تُحْرِقُ الْحَطَبَ يَبْقَى الرَّمَادُ، هَلْ هَذَا الرَّمَادُ يَنْفَعُ؟ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا، يُرْمَى بِهِ. صَحٌّ. وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَثَلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ﴾. ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ. أَحْسَنْتَ. فَهَذَا الْمَثَلُ كَمَا ذَكَرَ، يَعْنِي مِثْلَ عَمَلِ الْكَافِرِ، وَهُوَ الْكُفْرُ مِثْلُ كُفْرِ الْكَافِرِ بِالنَّارِ الْمُحْرِقَةِ، وَمِثْلُ عَمَلِهِ بِالرَّمَادِ، فَالرَّمَادُ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ صَاحِبُهُ، فَهَذَا مِثْلُ لِنَدَمِ وَحَسْرَةِ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. يَجِدُونَهُ مِثْلَ السَّرَابِ أَوْ مِثْلَ الرَّمَادِ، لَا شَيْءَ، لَا شَيْءَ. نَعَمْ، فَيَتَحَسَّرُ، وَلِذَلِكَ قَالَ هُنَا: تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ. كَمْ أَنْفَقَ مِنْ أَمْوَالٍ، وَكَمْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَالٍ، كُلُّ هَذِهِ لَا تَنْفَعُهُ شَيْئًا، كُلُّ هَذِهِ لَا تَنْفَعُهُ شَيْئًا. نَعَمْ، يُقْرَأُ: وَكَمَثَّلَ نَفَقَاتِ الْمُخْلِصِينَ بِذَلِكَ الْبُسْتَانِ الزَّكِيِّ الزَّاهِي، وَمَثَّلَ نَفَقَاتِ الْمُرَائِينَ بِحَجَرٍ أَمْلَسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ تُرَابٍ، فَأَصَابَهُ مَطَرٌ شَدِيدٌ تَرَكَهُ صَلْدًا لَا شَيْءَ فِيهِ، لِأَنَّ قَلْبَ الْمُرَائِي لَا إِيمَانَ فِيهِ وَلَا إِخْلَاصَ، بَلْ هُوَ قَاسٍ كَالْحَجَرِ، فَنَفَقَتُهُ حَيْثُ لَمْ تَصْدُرْ عَنْ إِيمَانٍ بَلْ رِيَاءَ وَسُمْعَةً لَمْ تُؤَثِّرْ فِي قَلْبِهِ حَيَاةً وَلَا زَكَاةَ، كَهَذَا الْمَطَرِ الَّذِي لَمْ يُؤَثِّرْ فِي هَذَا الْحَجَرِ الْأَمْلَسِ شَيْئًا. نَعَمْ، هُنَا أَيْضًا ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ مَثَلًا لِعَمَلِ الْمُخْلِصِ الَّذِي يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ مُخْلِصًا لِلَّهِ فِيهَا، وَهَذَا مَرَّ مَعَنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾. بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ مُهَيَّأَةٌ لِنَبْتِ النَّبَاتِ فِيهَا وَسُرْعَةِ كَذَلِكَ الثِّمَارِ طُلُوعِ الثِّمَارِ فِي شَجَرِهَا، لِأَنَّهَا مُرْتَفِعَةٌ وَمُعَرَّضَةٌ لِلشَّمْسِ وَالْهَوَاءِ الطَّيِّبِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهِيَ كَمَا ذَكَرَ مُسْتَانٌ زَكِيٌّ زَاهٍ غَايَةٌ فِي الْجَمَالِ، وَهَذَا مِثْلُ نَفَقَاتِ الْمُخْلِصِينَ، اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُضَاعِفُهَا لَهُمْ. وَبِالْمُقَابِلِ مِثْلُ نَفَقَاتِ الْمُرَائِينَ بِحَجَرٍ أَمْلَسَ وَعَلَيْهِ تُرَابٌ، فَنَزَلَ الْمَاءُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ التُّرَابُ وَنَزَلَ الْمَاءُ عَلَى هَذَا الْحَجَرِ، هَلْ هَذَا الْحَجَرُ هَذَا يَسْتَفِيدُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ؟ مَا يَسْتَفِيدُ شَيْئًا، لَا يُمْسِكُ الْمَاءَ وَلَا يُنْبِتُ الشَّجَرَ وَلَا شَيْئًا. وَيُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَثَلِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾. صَفْوَانٌ هُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾، يَعْنِي تَرَكَهُ صَافِيًا نَقِيًّا مِنْ هَذَا التُّرَابِ. ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. فَمَا هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ هُنَا كَمَا ذَكَرَ هُنَا؟ أَنَّ قَلْبَ الْمُرَائِي مِثْلُ الْحَجَرِ فِي الْقَسْوَةِ، الْحَجَرُ قَاسٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. وَاضِحٌ. فَشَبَّهَ قُسْوَةَ هَذَا الْمُرَائِي بِشِدَّةِ وَقُسْوَةِ هَذَا الْحَجَرِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي قَلْبِهِ حَيَاةٌ وَلَا زَكَاةٌ، هَذَا الْعَمَلُ الَّذِي يَفْعَلُهُ كَهَذَا الْمَطَرِ الَّذِي لَمْ يُؤَثِّرْ فِي هَذَا الْحَجَرِ الْأَمْلَسِ. يَعْنِي مَثَّلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ بِالْغَيْثِ وَالْمَطَرِ، وَشَبَّهَ قُسْوَةَ قَلْبِ هَذَا الْمُرَائِي بِالصَّخْرَةِ. وَاضِحٌ. وَهَذَا فِيهِ ذَمُّ الرِّيَاءِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُ، وَأَنَّ الْعَبْدَ يُخْلِصُ فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. نَعَمْ، وَهَذِهِ الْأَمْثَالُ إِذَا طُبِّقَتْ نَعَمْ عَلَى مُمَثَّلَاتِهَا وَضَّحَتْ وَبَيَّنَتْ وَبَيَّنَتْ مَرَاتِبَهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْكَمَالِ وَالنَّقْصَانِ. يَعْنِي إِذَا طُبِّقَتْ بِمَعْنَى إِذَا أَتَيْنَا بِأَمْثَالٍ تُشْبِهُهَا، إِذَا أَتَيْنَا بِأَمْثَالٍ تُشْبِهُهَا، فَمَثَلًا عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ نَقُولُ: عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ فِي الْمُرَائِي، مَا مَثَلُ الْمُرَائِي إِلَّا كَمَثَلِ مَثَلًا الْمَاءِ يَنْزِلُ عَلَى الْمِرْآةِ، هَلْ تَنْتَفِعُ الْمِرْآةُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ؟ هَلْ تُمْسِكُ شَيْئًا؟ إِذَا هَذَا مَعْنَى مُمَثَّلَاتِهَا، يَعْنِي مَا يُمَاثِلُهَا، مَا يُمَاثِلُهَا. فَتَجِدُ مَثَلًا فِي ذِكْرِ الْأَمْثَالِ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ كَثِيرَةً كَثِيرَةً. مَثَلًا تُرِيدُ أَنْ تُمَثِّلَ عَلَى قُسْوَةِ الْقَلْبِ، فَتَقُولُ مَثَلًا: تُرِيدُ أَنْ تُمَثِّلَ عَلَى ضَرَرِ الْمَعَاصِي عَلَى الْقُلُوبِ، ضَرَرِ الْمَعَاصِي عَلَى الْقُلُوبِ، فَتَقُولُ: الْقَلْبُ إِذَا عَصَى الْإِنْسَانُ فَإِنَّ الْقَلْبَ يَتَسَخُّ بِهَذِهِ الْمَعَاصِي وَيَتَكَوَّنُ فِيهِ الرَّانُ، فَمَا مَثَلُهُ إِلَّا كَمَثَلِ ثَوْبٍ أَبْيَضَ أَتَيْتَ بِنُقْطَةٍ ثُمَّ نُقْطَةٍ ثُمَّ نُقْطَةٍ ثُمَّ نُقْطَةٍ عِدَّةَ نُقَطٍ، أَيُّ سَيَصِيرُ لِهَذَا الثَّوْبِ سَيَصِيرُ سَيَصِيرُ وَسِخًا أَسْوَدَ، إِذَا غَسَلْتَهُ زَالَ هَذَا الْوَسَخُ، لَكِنْ إِذَا أَهْمَلْتَهُ وَلَمْ تَغْسِلْهُ ظَلَّ هَذَا الْوَسَخُ فِي الثَّوْبِ وَازْدَادَ فِيهِ. وَهَكَذَا الْقَلْبُ تَوَسُّخُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي، فَإِذَا غَسَلْتَهُ وَبِمَاذَا يُغْسَلُ الْقَلْبُ؟ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ. إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا نُقْطَةً فِي قَلْبِهِ نُقْطَةً سَوْدَاءَ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صَقَلَ قَلْبَهُ، صَفَّى قَلْبَهُ. فَإِذَنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْتِيَ بِأَمْثَالٍ كَثِيرَةٍ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى فِي أَثَرِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ فِي، يَعْنِي ذَنْبِ الرِّيَاءِ، فِي ذَنْبِ الْكُفْرِ، فِي ذَنْبِ الشِّرْكِ، فِيهِ وَهَكَذَا. نَعَمْ، يُقْرَأُ: وَمَثَّلَ اللَّهُ حَالَ الْمُنَافِقِينَ بِحَالِ مَنْ هُوَ فِي ظُلْمَةٍ فَاسْتَوْقَدَ نَارًا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ لَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ وَتَبَيَّنَ لَهُ الطَّرِيقُ ذَهَبَ نُورُهُمْ وَانْطَفَأَ ضَوْؤُهُمْ فَبَقُوا فِي ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ أَعْظَمَ مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا أَوَّلًا. وَهَكَذَا الْمُنَافِقُ اسْتَنَارَ بِنُورِ الْإِيمَانِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقْوَةُ وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الْحَيْرَةُ، فَذَهَبَ عَنْهُ نُورُهُ أَحْوَجَ مَا هُوَ إِلَيْهِ، وَبَقِيَ فِي ظُلْمَةٍ مُتَحَيِّرًا، فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، لِأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّ مَنْ بَانَ لَهُ الْهُدَى وَاتَّضَحَ لَهُ الْحَقُّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُوَفِّقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْهِدَايَةِ، لِأَنَّهُ رَأَى الْحَقَّ فَتَرَكَهُ وَعَرَفَ الضَّلَالَ فَاتَّبَعَهُ. وَهَذَا الْمَثَلُ يَنْطَبِقُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَبَصَّرُوا وَعَرَفُوا ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الْأَغْرَاضُ الضَّارَّةُ فَتَرَكُوا الْإِيمَانَ. نَعَمْ، وَهَذَا الْمَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. طَيِّبٌ، فَمَعْنَى هَذَا الْمَثَلِ أَنَّ حَالَ الْمُنَافِقِ كَرَجُلٍ فِي ظُلْمَةٍ، وَكَانَ مُظْلِمًا لَا يَرَى شَيْئًا، فَاسْتَوْقَدَ نَارًا بِمَعْنَى طَلَبَ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يُبْصِرَهُ بِنُورٍ، أَنْ يُوقِدَ لَهُ نُورًا حَتَّى يَرَى، فَأَتَى هَذَا الرَّجُلُ وَأَضَاءَ مَا حَوْلَهُ، فَتَبَيَّنَ لِهَذَا الرَّجُلِ الطَّرِيقُ، إِذَا وَجَدَ الضَّوْءَ عَرَفَ الطَّرِيقَ، تَبَيَّنَتْ لَهُ. فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي ذَهَبَ هَذَا النُّورُ وَانْطَفَأَ هَذَا النُّورُ وَالضَّوْءُ، فَبَقِيَ فِي ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ أَعْظَمَ مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلًا. هَذَا مَثَلٌ مَحْسُوسٌ صَحٌّ. تَصَوَّرْ مَعَ أَيْلَانْ تَتَمَشَّى فِي مَكَانٍ مُظْلِمٍ، فَاسْتَنْجَدْتَ بِغَيْرِكَ: يَا فُلَانُ أَعْطِنِي نُورًا حَتَّى أُبْصِرَ الطَّرِيقَ، فَأَتَى لَكَ بِنُورٍ، طَيِّبٌ، مَشَيْتَ قَلِيلًا فَانْطَفَأَ عَلَيْكَ النُّورُ، رُبَّمَا تَوَغَّلْتَ فِي الطَّرِيقِ يَعْنِي دَخَلْتَ طَرِيقًا مُوحِشًا أَكْثَرَ فَانْقَطَعَ عَلَيْكَ هَذَا الظُّلْمُ، كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُكَ؟ سَتَكُونُ فِي ظُلْمَةٍ وَفِي تَخَبُّطٍ وَفِي خَطَرٍ، رُبَّمَا تَقَعُ فِي حُفْرَةٍ، رُبَّمَا تَأْتِي عَلَى حَيَّةٍ، رُبَّمَا تَأْتِي فَوْقَ شَجَرَةٍ. صَحٌّ، إِيهْ، نَعَمْ. وَهَكَذَا حَالُ الْمُنَافِقِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، اسْتَنَارَ بِنُورِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْمُنَافِقَ يَعِيشُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ يَعْرِفُ الْإِسْلَامَ، يُصَلِّي رُبَّمَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، يَسْمَعُ، يَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ، اسْتَنَارَ بِنُورِ الْإِيمَانِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ وَالْهُدَى، لَكِنْ غَلَبَتْهُ الشَّقْوَةُ، يَعْنِي شَقَاوَتَهُ وَضَلَالَهُ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الْحَيْرَةُ، صَارَ فِي شَكٍّ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، فَذَهَبَ عَنْهُ نُورُهُ أَحْوَجَ مَا هُوَ إِلَيْهِ. فَنُورُ الْإِيمَانِ هُوَ مِثْلُ نُورِ الضَّوْءِ الَّذِي تَحْتَاجُهُ فِي الظُّلْمَةِ، فَإِذَا انْطَفَأَ عَلَيْكَ النُّورُ ضَلَلْتَ، وَكَذَلِكَ تَحَيَّرْتَ، مَا تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ، أَيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُ، لِأَنَّ مَا عِنْدَكَ ضَوْءٌ. وَهَكَذَا الْمُنَافِقُ انْطَفَأَ عَنْهُ نُورُ الْإِيمَانِ فَصَارَ مُتَحَيِّرًا، فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، لِأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّ مَنْ بَانَ لَهُ الْهُدَى ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُوَفَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ لِهِدَايَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحَقَّ، قَدْ عَرَفَ الْحَقَّ، فَهُوَ لَا يُوَفَّقُ لِلْهِدَايَةِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ، لِأَنَّهُ رَأَى الْحَقَّ فَتَرَكَهُ وَعَرَفَ الضَّلَالَ فَاتَّبَعَهُ. وَهَذَا الْمَثَلُ يَنْطَبِقُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَبَصَّرُوا وَعَرَفُوا، لِأَنَّهُمْ عَاشُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْرَاضُ الضَّرَّ، إِمَّا دُنْيَا ثَانِيَةٌ، وَإِمَّا كَذَلِكَ يَعْنِي جَاهٌ وَسُلْطَانٌ وَجَاهٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَتَرَكُوا الْإِيمَانَ. نَعَمْ، وَالْمَثَلُ وَالْمَثَلُ الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. يَنْطَبِقُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، يَنْطَبِقُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الضَّالِّ الْمُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَعْرِفُوا الْمُرَادَ مِنْهُ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ وَكَرِهُوا سَمَاعَهُ، سَمَاعَهُ وَكَرِهُوا سَمَاعَهُ اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ وَسَادَتِهِمْ. نَعَمْ، هَذَا أَيْضًا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَالِ الْمُنَافِقِينَ، فَمَثَّلَهُمْ كَالصَّيِّبِ، الصَّيِّبُ يَعْنِي الْمَطَرَ، كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ، لَكِنَّ هَذَا الْمَطَرَ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ. انْظُرْ تَصَوُّرَ هَذَا الْمَوْقِفِ، جَاءَ مَطَرٌ فِيهِ رَعْدٌ شَدِيدٌ وَفِيهِ بَرْقٌ وَفِيهِ كَذَلِكَ صَوَاعِقُ، فَمِنْ شِدَّةِ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ يَضَعُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُصْعَقُوا مِنْ شِدَّةِ صَوْتِ الصَّوَاعِقِ. طَيِّبٌ، حَذَرَ الْمَوْتِ يَعْنِي خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يَعْنِي هَذَا الْبَرْقَ وَهَذِهِ الصَّوَاعِقَ تَكَادُ أَنْ تَذْهَبَ بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ بِشِدَّتِهَا وَقُوَّتِهِمْ، فَهُمْ يَمْشُونَ إِذَا جَاءَ ضَوْءُ الْبَرْقِ، فَإِذَا ذَهَبَ وَقَفُوا مَكَانَهُمْ. انْظُرْ هَذَا مَوْقِفٌ عَظِيمٌ وَرَهِيبٌ. وَهَكَذَا حَالُ الْمُنَافِقِ، هَكَذَا حَالُ الْمُنَافِقِ، فَهُوَ ظَالِمٌ مُتَحَيِّرٌ، يَسْمَعُ الْقُرْآنَ، الْقُرْآنُ فِيهِ زَوَاجِرُ وَفِيهِ مَوَاعِظُ، فَهِيَ مِثْلُ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ. طَيِّبٌ، فَلَكِنْ لَمْ يَعْرِفُوا الْمُرَادَ مِنْهُ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ، لَمْ يَعْمَلُوا بِهَذِهِ الزَّوَاجِرِ وَهَذِهِ الْمَوَاعِظِ، وَكَرِهُوا سَمَاعَهُ اتِّبَاعًا لِرُؤُوسِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يَضَعُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي هَذَا، مَا يُبْغُونَ يَسْمَعُونَ. وَلِذَلِكَ مَاذَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْكَافِرِينَ؟ قَالُوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. وَهَكَذَا الْمُنَافِقُونَ، يَعْنِي لَا يُحِبُّونَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الصَّوَاعِقِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الزَّوَاجِرِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ، فَشَبَّهَ حَالَهُمْ بِهَذَا، فَهُمْ فِي حَيْرَةٍ وَفِي ضَلَالٍ وَفِي تَحَيُّرٍ. نَعَمْ، وَمَثَّلَ اللَّهُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتَهَا وَالِاغْتِرَارَ بِهَا بِحَالَةِ زَهْرِ الرَّبِيعِ تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ وَتَغُرُّ الْجَاهِلِينَ، وَيَظُنُّونَ بَقَاءَهَا وَلَا يُؤَمِّلُونَ زَوَالَهَا، فَلَهُوا بِهَا، فَلَهُوا بِهَا عَمَّا خُلِقُوا لَهُ، فَأَصْبَحَتْ عَنْهُمْ زَائِلَةً، وَأَضْحَوْا وَأَضْحَوْا وَأَضْحَوْا لِنَعِيمِهَا مُفَارِقِينَ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، كَهَذَا الرَّبِيعِ إِذَا أَصْبَحَ بَعْدَ الْإِخْضِرَارِ هَشِيمًا، وَبَعْدَ الْحَيَاةِ يَبْسًا رَمِيمًا، وَبَعْدَ الْحَيَاةِ يَبْسًا رَمِيمًا. وَهَذَا الْوَصْفُ قَدْ شَاهَدَهُ الْخَلْقُ وَاعْتَرَفَ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَاعْتَرَفَ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَلَكِنْ سُكْرُ الشَّهَوَاتِ،