تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 31

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 31

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

المعاشرة بالمعروف وحقوق الزوجة في الإسلام

يشرح هذا المحور آية ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ مبيناً أنها تشمل الصحبة الحسنة، كف الأذى، الإحسان، وحسن المعاملة، وتدخل فيها النفقة والكسوة حسب العرف. ويؤكد التوازن بين قوامة الرجل وحسن الخلق، رافضاً القسوة والإفراط في اللين، مستدلاً بحديث النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ».

تفصيل حقوق الزوجة وآداب المعاشرة الزوجية

يبيّن هذا المحور حقوق الزوجة في النفقة والكسوة وحسن العشرة، وينهى عن ضرب الوجه والسب والهجر خارج البيت، مؤكداً أن المعاملة تكون بالمعروف المتعارف عليه زماناً ومكاناً. كما يستدل بالآية والحديث على وجوب الصبر على الزوجة وعدم فراقها لكراهة خلق واحد فيها، لأن فيها خصالاً حميدة أخرى تستحق البقاء لأجلها.

فضل إمساك الزوجة رغم الكراهية ودور المرأة في التربية

يؤكد هذا المحور على عظيم أجر إمساك الزوجة مع الكراهية امتثالاً لأمر الله، وما فيه من خير للدين والأسرة والمجتمع، محذراً من محاولات إخراج المرأة من بيتها. ويبين دورها المحوري في تربية الأجيال، مستشهداً بقصة ربيع بن أبي عبد الرحمن الذي أصبح إماماً عظيماً بفضل بقاء أمه في بيت أبيه.

الولد الصالح والخير في المكروه وختام الدرس

يتحدث هذا المحور عن فضيلة الولد الصالح ويستشهد بقوله تعالى: ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ثم يختم الدرس معلناً الاكتفاء بهذا القدر والانتظار للدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله: ثم قال: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. قال: وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف من الصحبة الجميلة، وكف الأذى، وبدل الإحسان، وحسن المعاملة. ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال. فالمعاشرة بالمعروف المراد به المعروف الخير، أي بما يكون فيه من إحسان، فيعاشر زوجته بالصحبة الجميلة كما ذكر الشيخ، وكف الأذى، وبدل الإحسان لها، وحسن المعاملة. معنى هذا كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾، فالله عز وجل جعل الزوجة سكنًا للزوج، وجعل بينهم مودة ورحمة، فهذا الأصل. فليس كما يظنه كثير من الناس أن معاملة الزوجة بالقسوة، وأيضًا كذلك العنف وغيرها من هذه الاعتقادات التي اعتقدها بعض الناس، يعامل زوجته كأنها مملوكة له، أو لا يحسن إليها، ولا أيضًا كذلك يعاملها معاملة بإحسان، وهذا لا يجوز. وبدل الإحسان وحسن المعاملة ليس معناه أن الإنسان يفرط في الجميل أو يفرط في اللين حتى يجعل الزوجة هي التي تأمره وتنهاه، وأيضًا يكون هو لها مثل الخادم، هذا ليس المقصود. وإنما القوامة للرجل كما قال الله عز وجل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾، فالأمر وسط: ليس يغلو الإنسان ويشد ويتشدد ويقصي على أهله، ولا أيضًا كذلك يلين ذلك اللين حتى يخرجه عن قوامته، فذاك مرفوض، وهذا الثاني أيضًا مرفوض. وإنما المراد أن الإنسان تكون له القوامة على أهله لكن أيضًا بحسن المعاملة وزين الأخلاق، وكذلك بالكلام الطيب وغيرها من المعاملة الحسنة التي تكون بين الرجل وزوجته. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ»، أنا في هذا الباب: كلما كان الإنسان خيرًا لأهله في معاملتهم وحسنه أو بدل الإحسان لهم كان أفضل من غيره، وكان أخير من غيره، بل هو الخير في هذا المقام: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». وأيضًا يدخل في المعاشرة النفقة والكسوة بالمعروف. النفقة والكسوة بالمعروف في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قالوا: يا رسول الله، ما حق امرأة الرجل عليه؟ قال: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَقْبِحَ الْوَجْهَ، وَلَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ»، لا يسب ولا يشتم، وإذا عنده طعام أعطى زوجته، وعنده كسوة أو لم تكن عندها كسوة كساها إن كان معه، ولا يجد له أن يجعل الستائم في زوجته، قل: قبحك الله من امرأة، وكذا من هذا الكلام البذيء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ»، لا يذهب ويهجرها خارج البيت ويذهب بالأيام أو كذا، وإنما يهجر في البيت، أن يهجر الفراش. قال: فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذه قاعدة عند العلماء: أن المرأة تعامل بحسب المعروف الموجود عند الناس والمتعارف عليه بالخير، لا يأتي بأشياء ليست معروفة عندهم فيحملهم عليها. لهذا مثلًا يقول العلماء: أن المرأة مثلًا إذا كانت في عيش رغيد وكذا ولم تتعود على الخدمة الكثيرة، فأيضًا لا يحملها على ذلك. وإذا كانت مثلًا تعودت على الخدمة الكثيرة وكذا فلا بأس أن يفعل، أقصد لا بأس أن يجعلها تخدم في مثل هذه الأمور من الأكل والطعام، لكن لا يكلفها ما لا تطيق، لا يكلفها ما لا تطيق. فلهذا فبحسب المتعارف عليه عند الناس، وعند طبائع أهل الزوجة، وما اعتادته هذه الزوجة، وما اعتادته هذه الزوجة. قالوا: هذا التفاوت بتفاوت الأحوال. وهناك مسائل ذكرت في الفقه من ناحية فقه الأسرة وكيف أيضًا النفقة والكسوة والمعاملة للزوجات. قال: ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾. قال: أينبغي لكم أيها الأزواج أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن؟ فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. إن إذا كره شيئًا منها ليس معناه أنه يتركها، إذا كانت فيها خلق يكره هو، فقد يكون هناك أخلاق يحبها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ». لا يفرق، معنى لا يتركها كراهة ويفكها كراهة لأجل أنها تتخلق بهذا الخلق، لا يعني قد يكون فيها خلق مثلًا البخل، قد يكون فيها خلق مثلًا بذاءة أو في شيء في لسانها، ينصحها ويداوم معها، وقد يكون هناك فيها أخلاق أخرى أفضل وطيبة. وغالبًا المرأة المسلمة لا تعدم من أخلاق جميلة، فلهذا لا ينبغي أنه يتعلق بهذا الذي أو بالخلق هذا الذي فيها ويكره على ذلك، وقد يتركها بذلك، هذا خطأ. وإنما: «إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ»، وبقاؤها وبقاؤها معه لعله خير له، بعد أن تكره شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. قال: إن أبغي لكم أيها الأزواج أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. وهذا الخير سواء كان خيرًا في دينه أو كذلك في أسرته عن مجتمع هذه الأسرة، فبقاء الزوجة في البيت خير عظيم لأولاده، بل وله كذلك. قال: فإن في ذلك خيرًا كثيرًا، من ذلك امتثال أمر الله وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. قبول وصية الله عز وجل أي بهذه المرأة وبقائها والوصية بها. والنبي صلى الله عليه وسلم في محفل كبير في حجة الوداع أوصى بالنساء، وهذا يدل على أن هذا الأمر مهم جدًا. الآن أعداء الله عز وجل أكثر همهم المرأة، أكثر همهم أن يخرجوا هذه الأم التي جعلها الله عز وجل نورًا لهذا البيت، وجعلها الإسلام منارة لبيوت المسلمين، أرادوا أن تخرج، أو أن يخرج هذا الضوء وهذا النور إلى الشارع، فأرادوا أن يخرجوها بأي حيلة كانت، وبأي أيضًا دسائس ومحاولات ومكر. فلهذا تجد أنهم ينكرون الليل والنهار لأجل إخراج هذه المرأة، وأكثر اهتمامهم خاصة مثل هذه المنظمات الكافرة، غالبًا أكثر اهتمامهم بالمرأة، لأن الوصية بالمرأة والاهتمام بالمرأة ينشئ جيلًا، جيلًا طائعًا لله، وأيضًا جيلًا مربى على الأخلاق الحسنة. وكما قال بعض الشعراء: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق. قالوا: منها أن إجبار نفسه مع عدم محبته لها فيه مجاهدة النفس والتخلق بالأخلاق الجميلة، وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة. قد تكون الكراهة أحيانًا وقتًا ما، أو يكون فيها هذا الخلق في وقت ما، ثم يزول هذا الخلق، فتذهب بعد الكراهة ويجد لها محبة، قالوا: تخلفها المحبة كما هو الواقع في ذلك. وربما رزق منها ولدًا صالحًا نفع والديه في الدنيا والآخرة، وهذا أيضًا واقع. كم من رجل أبقى زوجته ونفع الله عز وجل به الإسلام والمسلمين، وتلك القصة التي يذكرونها عن ربيع بن أبي عبد الرحمن، وإن كان إسنادها ليس بذاك، لكنها لها فيها عبرة. لما أراد أبوه أن يترك زوجته ويطلقها لأنها كانت دميمة أو كذا، فأشارت إليه أنه لا يتركها، وأن له أن يذهب لأي مكان أراد ويتركها زوجته، فتركها وهي حامل، حاملا بربيعة، فربت ولدها بمال كان قد وضعه هذا الزوج عندها، حتى كبر هذا الإمام، صار إمامًا من أئمة أهل المدينة يشار إليه بالبنان، ونفع الله عز وجل بها أو بهذا الرجل الولد الصالح. كما قال الله عز وجل: ﴿ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكون في درس قادم.