تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 32

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 32

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام استبدال الزوجة وجواز الطلاق مع النهي عن استرداد المهر

يبيّن المقطع أن الصبر على الزوجة ومعاشرتها بالمعروف هو الأصل، لكن إذا تعذر الاستمرار جاز الطلاق بلا حرج. ويؤكد تحريم استرداد شيء من المهر الذي أعطي للزوجة إلا إذا طابت نفسها بالتنازل عنه طواعية.

أحكام مال الزوجة والمهر وسنة التيسير فيه

يوضح المقطع أنه لا يحل للزوج أخذ شيء من مال زوجته إلا بطيب نفس منها، مستدلاً بقوله تعالى ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وأن المهر غير مقدر شرعاً بل يرجع إلى العرف والاستطاعة. كما يرشد إلى سنة النبي ﷺ في تخفيف المهور والنهى عن المغالاة والتكلف الذي يؤدي إلى الديون.

حكم استرجاع الهدايا المقدمة للمرأة عند النزاع

يقرر المقطع أن الهدايا المقدمة للمرأة عند الخطبة أو الزواج تصبح ملكاً لها بمجرد تسليمها. ويحرم على الرجل المطالبة باستعادتها عند حدوث خلاف أو نزاع بينهما.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ إِسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَا مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾. قال رحمه الله: وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور، فإن كان لا بد من الفراق وليس للإمساك محل فليس الإمساك بلازم. إنا نقول: الأفضل أن الإنسان لا يفرق زوجته ويتركها، بل يعاشرها بالمعروف، فإن كرهها صبر، فعسى أن تكره شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. لكن أحيانًا لا يستطيع الإنسان أن يترك هذه المرأة، إما لأذيتها له، أو لأمر آخر مما يكون فيه فساد له أو عليه، ليس فيه هناك مصلحة ترجى من إمساكها، أو أنه بدا له أن يفارقها. فإن كان لا بد من الفراق وليس للإمساك محل، فهنا قال المؤلف: فليس الإمساك بلازم، بل قال جل وعلا: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ إِسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ﴾، أي: تطليق زوجة وتزوج بأخرى. إنا لا نرى أن الإنسان يطلق المرأة إن كان ليس هناك ما يدعو إلى بقائها، هذا من باب الأفضل. وإلا لو طلق وبينهما الود وغيره، أو وهو يحبها، فليس حرامًا، لكن من باب الأفضل أنه يصبر على هذه المرأة، وما دام أنه يستطيع أن يصبر معها، ولو كان بينهما شيء من عدم التوافق، وكذلك عدم التفاهم أحيانًا في بعض الأمور، فيصبر لعل الله عز وجل يغير هذه المرأة أو يغير فيما بينهما فيتحابان أكثر. ولكن إذا كان لم يستطع أن يعيش معها وأراد أن يتزوج أخرى بدلها، فقال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ إِسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ﴾، أي: تطليق زوج وزواج بأخرى. فقال جل وعلا: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾. معنى: ﴿ إِنْ أَرَدْتُمْ إِسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ﴾: لا بأس ولا جناح عليكم. ولكن إذا آتيتم إحداهن، أي: المفارقة أو التي تزوجها، أن تكون كانت الأولى التي طلقها أو الثانية التي يريد أن يتزوجها. قال: ﴿ قِنْطَارًا ﴾، أي: مالًا كثيرًا. القنطار يطلق على المال الكثير المحدد، لكن الصحيح أن القنطار ليس له تحديد، وإنما هو مال كثير. ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾، أي: مالًا كثيرًا، ﴿ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ﴾، بل وفروه لهن ولا تمطلوهن. إنا لا يأخذه الإنسان على المرأة لأجل أن يعوض ما أعطاها، أو أنه أعطاها ثم يأخذه منها لأجل مصلحته، فهذا لا يجوز. ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ﴾، فقال الله عز وجل: ﴿ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ﴾، إلا كما قال في الآية: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا ﴾ في بداية السورة، قال: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾. فإذا كانت هذه المرأة أعطت هذا الزوج من نفسها، بدون مثلًا ما يطلبها منها، أو ما يكرهها ويجبرها على ذلك، أو يأخذه بالقوة عليها، فإن كانت هي التي أعطته وساهمت وأرادت أن تعطيه، ليس دينًا عليه، فهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾، إنا حلال لكم. وإلا فالأصل أنه لا يجوز له أن يأخذ منها شيئًا إلا إن كانت طيبة بها نفسها، معنى: هي التي أعطته إياه، ولا يجوز له أن يغصبها على ذلك. بعض الناس يأتي مثلًا يقول: أنا زوجك وواجب عليك أن تطيعيني، فيأخذ من مالها أو من هذا المال الذي أعطاه، هذا لا يجوز. واختلف العلماء: إذا كان هناك مال غير المال الذي أعطاه، معها مال مثلًا تكتسبه، إما مثلًا إرث وقع لها، أو مال أعطى لها، أو عندها تعمل تنقش أو تخيط أو كذا، فيكون عندها مال، فهل للزوج أن يأخذ من هذا المال بدون علمها وبدون إذنها؟ فالصحيح، وهو قول الشافعي وأحمد: أنه لا يجوز، لأن هذا مختص بها. وقال بعض العلماء يجوز، كما عند مالك، لكن الصحيح أنه لا يجوز لأنه مختص بها، فلا يجوز أن يأخذ إلا بإذنها. لا يجوز أن يأخذ إلا بالنص. وكان هذا المال أعطاه إياها في المهر، أو أنه مال اكتسبته هي. قالوا: ﴿ إِنْ أَرَدْتُمْ إِسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾. إنا سماه الله عز وجل بهتانًا، والبهتان هو القول الباطل، فيأخذه بهتانًا، أي: لا يحل له ويحرم عليه هذا. ولهذا قال المؤلف هنا: وفي هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر. طيب، هذا سيأتي إن شاء الله. فهنا لا يجوز أن يأخذ هذا المال إلا بإذنها، وكذلك أن تطيب نفسها بذلك. أما أنه يكرهها على ذلك أو يجبرها ويغصبها أو يغصب هذا المال، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ إِثْمًا وَبُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾. قالوا: في هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر. لم يأت في الشرع تحديد المهر، لم يأت في الشرع تحديد المهر، لكن جاء ما يدل على أن الأفضل التيسير، ما يدل على أن الأفضل التيسير. فمثل ما جاء في حديث عائشة وعقبة بن عامر، وجاء عن جماعة من الصحابة، وهو حسن بالشواهد، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أكثرهن بركة أيسرهن مهرًا». على المرأة التي يكون مهرها أيسر تكون أعظم بركة من غيرها، تكون أعظم بركة من غيرها. وأما النهي عن المغالاة في المهور، فلم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: «إياكم والمغالاة في المهور، فإن كانت مكرمة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي: إذا كانت الغلاة في المهور مكرمة لكان حقًا بها رسول الله. لكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج بمهر يسير، إنا كان يعطي عليه الصلاة والسلام اثنتي عشرة أوقية ونشًا، ويتزوج على أزواجه اثنتي عشرة أوقية، وهذا ليس كثيرًا. فلهذا فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يكثر في المهر، بل أحيانًا يكون مهره يسيرًا جدًا. وقال لعلي رضي الله عنه لما أراد أن يتزوج فاطمة: «أعطها درعك»، معنى: أين درعك؟ فأعطها إياه، معنى: أراد أن يزوجه بدرع. وقال لذلك الرجل كما في الصحيحين في حديث سهل: «أعطها شيئًا، ولو خاتمًا من حديد، ولو خاتمًا من حديد». فبحث الرجل فلم يجد شيئًا، فقال: «فماذا تحفظ من القرآن؟» قال: سورة كذا وكذا. فقال: «زوجتكها بما معك»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أي: بأنك تعلمها القرآن وتقرئها هذه السور. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يسهل في هذا المهور. ولما جاءه رجل من الأنصار قال: يا رسول الله، إني تزوجت وإني أريد أن أمهر هذه المرأة، قال: «بكم؟ كم أعطيتها أو كم أمهرتها؟» قال: بنتًا من ذهب. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «كأنكم تنحتون المال من جبل، فإن هذا المال تأتون به من جبل تنحتونه». كيف؟ معنى: يريد أنه كيف تعطيها هذا المبلغ الكبير. يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره أن الإنسان يتكلف في المهر. ولما قال عبد الرحمن بن عوف: أعطيتها نواة من ذهب، لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه عنده وتاجر. فللهذا فالمهر لم يقدره الله عز وجل، لكن بحسب عرف الناس. لكن لا ينبغي للإنسان يتكلف، لا تجد كثيرًا من الناس إذا أراد أن يتزوج دخل في الديون، وأخذ من هذا وأخذ من هذا، فينتهي الزواج وهو عليه دين كثير، وتجد أنه لا يستطيع بعد ذلك أن يسدده، وهذا خطأ، وفيه تكلف أيضًا في هذا الباب، ولا ينبغي أن يتكلف. فقد جاء في حديث سلمان: «نهى عن التكلف»، سواء كان في الضيف أو في غيره، فالتكلف منهي عنه، أن الإنسان يكلف نفسه ما لا يطيق. فلهذا فالمهور لا يكلف النساء، إن كان معه وأراد أن يعطيها مالًا كثيرًا، لا بأس، ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾، وإن لم يكن معه شيء فلا يكلف نفسه، لا يكلف نفسه. قالوا: في هذه الآية لا يعترضون على كثرة المهر، مع أن الأفضل والليق أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في تخفيف المهر. ووجه الدلالة: أن الله أخبر عن أمر يقع منهم ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه، إنا لما قال: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾. لكن قد ينهى عن كثرة الصداق إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم. ثم قال: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾، فإن هذا لا يحل، ولو تحيلتم عليه بأنواع الحيل، فإن إثمه واضح. إنا لا يجد الإنسان أن يتحايل على زوجته لأجل أن يأخذ هذا المال، بل أن المال مالها وقد أعطاها إياه. وأيضًا كذلك الأمور التي تعطى من الهدايا وغيرها منه أيضًا تكون لها. إنا بعض الناس الآن يأتي للمرأة بهدايا إذا أراد أن يتزوجها أو قد تزوجها، فيقول: هذا هدية لك، يأتي بذهب أو بكذا، ثم إذا حصل النزاع بينهما قال: هاتي حقي. هذا خطأ، لا يجد له أن يأخذه مادام أنه قد أعطاه إياها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.