كلمة الأخ الفاضل أبو هاشم الشحري

الدرس في كلمة الأخ الفاضل أبو هاشم الشحري، الأربعاء 6 شوال 1431هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وفيات الأعيان في عيد الفطر وعبرة الإمام البخاري مع أمير بخارى

استعرض المحاضر الوفيات التي وقعت في عيد الفطر ومن أبرزها وفاة الإمام البخاري، وتوقف عند قصته مع أمير بخارى الذي طلب منه حمل العلم إلى بابه فرفض فنُفي ودعا عليه، فكانت عاقبة الظالمين السوء والذلة. وتُعد هذه القصة عبرةً واضحةً على حرمة العلم وعاقبة الاعتداء على أهله.

محنة الإمام البخاري وابن تيمية: المنفى والسجن والمحن

يتناول المقطع محنة الإمام البخاري بعد طرده من نيسابور وبخارى ولجوئه إلى خرتنك حيث توفي داعياً ربه، كما يستعرض محنة شيخ الإسلام ابن تيمية في الشام ومصر من مناظرته للطريقة الأحمدية وسجنه في سجن الجب ثمانية عشر شهراً. وانتهت محنته بالتخيير بين النفي إلى دمشق أو الإسكندرية أو العودة للسجن.

وقائع عيد الفطر: إطلاق ابن تيمية ودفن أحمد بن نصر والختم بالدعاء

يروي المقطع حادثتين في عيد الفطر: إطلاق سراح ابن تيمية من سجن الإسكندرية بأمر السلطان الناصر بن قلاوون، وأمر الخليفة المتوكل بدفن جثة الإمام أحمد بن نصر الخزاعي بعد سنوات من تعليقها ففرح الناس. واختتم المتحدث بالدعاء بالختم والصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإننا نحمد الله جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى حمداً من بعد حمد على ما أعطى وأزدى، وعلى نعمه التي علينا تترى. ومن أعظم نعمه إخواني في الله، كما سمعتم، مثل هذا الاجتماع المبارك الذي تجتمع فيه القلوب، وتلتقي فيه الوجوه، وتطراص فيه الصفوف، فتجتمع الكلمة ويتحد الصف. فإن ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وبدءاً ببدء، أتقدم بالشكر لأهل هذه البلدة عامة، لأهل هذا المسجد خاصة، لحسن استقبالهم واستضافتهم لإخوانهم، وليتاحة المجال لإلقاء الكلمات وسماع النصائح من المشايخ والعلماء. فنسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الجهد وهذا البذل في موازين حسناتهم وحسنات الجميع. وإكلمة إخواني في الله في هذا المقام، وإن كان الود والأفضل والأكمل السماع لمن هو أعلم، لكن باب التغطية - كلام إخواني في الله في هذا المقام - يدور حول عيد الفطر. ولا أعني الكلام بعيد الفطر في ذكر أحكامه ومسائله، لكن أعني بهذا المقام أن أذكر أهم الحوادث والأحداث التي وقعت في عيد الفطر خاصة. وكنا مع إخواننا في دار الحديث في شهر رمضان المبارك، كان الكلام كذلك حول أهم الحوادث التي وقعت في رمضان، وكان التاريخ حافلاً بالعديد من الحوادث والأحداث التي وقعت في هذا الشهر. وعلى غرار ذلك ما وقع كذلك وما يقع في عيد الفطر من أمور. والتاريخ إخواني، من العبرة من تأمل في تاريخ الإسلام يتعظ ويعتبر بالماضي، فالتاريخ يعيد نفسه كما قالوا العلماء. فمن ذلك إخواني في الله أن نعلم أن عيد الفطر كان محلاً للعديد من حالات الوفاة للكبراء من العلماء والأتقياء وأهل العلم. ولو أراد الواحد منا أن يستقصي حالات الوفاة التي وقعت للأكابر في أيام عيد، طال به المقام، لكن حسبنا إشارة. فممن مات في عيد الفطر الصحابي الجليل عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه، فقد توفي في ليلة العيد، عيد الفطر، وكان في مصر حيث كان عاملاً عليها. ففي زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان عمر بن العاص عاملاً على مصر لأربع سنين، ثم جاءت الخلافة لعثمان، فكان كذلك عمر بن العاص عاملاً عليها لأربع سنين إلا شهرين، ثم جاءت الخلافة لمعاوية رضي الله تعالى عنه، فكانت كذلك ولاية مصر لعمر بن العاص لمدة سنتين إلا شهراً. وجاءت الوفاة كما قلنا في يوم العيد، وقام ابنه عبد الله وصلى عليه في الصباح، وبعدما صلى عليه صلى بالناس صلاة عيد الفطر. ولعمر بن العاص رحمه الله تعالى سيرة محمودة، وكفاه شرفاً وكذلك ضحداً لمن يتهمه في دينه وعرضه، أن الصحابة أمنوه على الأقاليم وعلى ديار المسلمين، فجعلوه والياً عليها خليفة بعد خليفة. واختلف العلماء في ذكر عام وفاته على أقوال عدة، وليس هذا مقامها، وكذلك اختلفوا في عمره، قال ابن بكير: والهم من عمري مئة سنة، أي عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه، ومن قال دون ذلك. وهكذا لو أردنا أن ننظر في حالات الوفاة، فقد مات في عيد الفطر الإمام البغوي رحمه الله تعالى، وهكذا ابن قدامة صاحب كتاب المغني، وهكذا عبد السلام جد شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، وهكذا الخرقي، وهكذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ذكروا عنه أنه مات في عيد الفطر. وأيضاً ممن مات في عيد الفطر الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ونقف قليلاً عند البخاري لأن في تاريخه عبرة. رجع الإمام البخاري رحمه الله تعالى إلى بخارى وهي بلدته بعد فترة زمنية طويلة من الغيبة، فقام أهل البلدة واستقبلوه أحسن استقبال، ما بقي أحد من بخارى إلا وخرج واستقبل هذا الإمام، هذا الجبل الأشم، حتى أنهم نثروا على رأسه الفضة والدراهم. ولكنها ما هي مدة حتى وقعت وحشة بين الإمام البخاري وبين أمير بخارى، وهو الأمير خالد بن أحمد الذهلي. وسبب هذه الوحشة ما ذكره العلماء والمترجمون: أن الأمير خالد أرسل رسولاً للإمام البخاري يطلب منه طلباً: أن احمل إلي الجامع، أي الجامع الصحيح، الجامع والتاريخ، فلتحضره إلي ولتقرأه علي. فقال البخاري رحمه الله تعالى للرسول: قل له: إني لا أذل العلم، إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الصلاطين، فإن كان لك منه حاجة فلتحضرني إلى مسجدي. غضب أمير بخارى من هذا الكلام ومن هذا الرد، فاستشار بعض من له تعلق بالعلم في أن يثير الشبه والتهم للبخاري، وصار الأمر، فطارت بعض الشبه على إمام البخاري رحمه الله تعالى، حتى نُفي من بلدته، نُفي من بخارى، فخرج منها متأثراً من ذلك، حتى أنه دعا على خصومه. وقال المؤرخون، وقال من حضر الحادثة: أن من دعا عليهم لم يسلم منهم أحد، منهم من ابتلي ببلاء، ومنهم من أصيب بفتنة. بل ممن دعا عليهم دعا على أمير بخارى، على خالد بن أحمد الزوهلي، فما مرت الأيام حتى أن السلطان انقلب على أمير بخارى، وحملوه على أتان، على حمار، ودار به بين الناس، ثم حبسوه. هذه نهاية أمير بخارى ممن اعتدى على البخاري. وإمام بخارى رحمه الله تعالى تأثر من هذه الحادثة، أي من نفيه من بخارى، ومن قبل ذلك ما وقع له في نيسابور. وفي نيسابور كذلك له قصة: ملخصها دخل الإمام البخاري رحمه الله تعالى إلى نيسابور معززاً مكرماً، واستقبلوه الناس بحفاوة، فهو الإمام الجبل رحمه الله. وكان ممن حث على استقباله الشيخ محمد بن يحيى الذهلي رحمه الله، حث الناس على استقبال هذا الإمام، وقال: عليكم بهذا الرجل الصالح العالم، هذا الرجل الصالح العالم، واسمعوا إليه. فأقبل الناس من نيسابور وأقبلوا على سماع الحديث من البخاري. قال الإمام الحاكم رحمه الله تعالى كما في تاريخه: قال فحدث خلل، خلل في مجلس محمد بن يحيى، قل الطلاب لانصراف من البخاري، قال فحدث الخلل في مجلس محمد بن يحيى، قال فتكلم فيه، تكلم فيه، ثم وقع ما وقع من الفتن، ثم أخرج البخاري كذلك من نيسابور. وهذا يذكرني بحادثة، أو أقول بواقعة، لبعض من ينتسب للعلم، حيث أشجع الطلاب وأهل السنة إلى الذهاب للعالم الفلاني والشيخ الفلاني صاحب العقل الراجح والعلم والحلم، فلما ذهب الناس إلى ذلكم العالم، صاح هذا الرجل وقال: فلان أخو الطلابي، فتكلم فيه. وكما قلنا التاريخ يعيد نفسه. فوقع هذا البلاء، البخاري رحمه الله تأثر مما وقع له في نيسابور، ومن ثم ما وقع له كذلك في بخارى، فذهب إلى قرية تسمى خرتنك، وهي من أعمال سمرقند، عند أناس يعني من أقاربه، فجلس عندهم فترة من الزمن، زمن، وألم به مرض، ثم دعا بدعوات، وقيل أنه صلى الليل ثم دعا بها الدعاء: «اللهم إن الأرض قد ضاقت علي بما رحبت فاقبضني إليك». قال الراوي: فما تم له شهر حتى قُبض رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وكانت وفاته ليلة عيد الفطر، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من يوم العيد، وكفن رحمه الله بثلاث ثياب بيض، قال: وهذا على وصيته، وهي وصية سنة. فهذا ما يتعلق بأمر البخاري رحمه الله تعالى. وأيضاً إخواني في الله، من الحوادث التي وقعت في رمضان - ما جرى لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. شيخ الإسلام عندما كان في الشام كانت له مناورات ومحاورات ومناظرات وإلزام مع أهل البدع، وكان كلما دخل في مناظرة مع مبتدعة، لضعفهم رفعوا إلى الوالي. دخل مرة مع الطريقة الأحمدية، وكان الأحمدية هؤلاء لهم لبس خاص يلبسون أطواقاً من حديد في أعناقهم، وكانوا يضحكون على عامة الناس بأنهم يدخلون إلى النار ثم يخرجون منها ولا يتأثرون بشيء. وكان الأحمدية هؤلاء يدهنون بدهن خاص، وهذا الدهن يمنعهم من الحريق، من أن تلمس النار جلودهم. وكان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يناظر هؤلاء الأحمدية ويجادلهم ويذكرهم بالله جل وعلا، وأن هذا ليس من الطريقة الشرعية، وأن هذه ليست دلالة ولا علامة على الولاية ولا كرامة. فكان يتحداهم، وتقام لهم مناظرات، فكان من إلزامات شيخ الإسلام لهؤلاء أنه يلزمهم قبل أن يدخلوا في النار أن يغتسلوا: اغتسلوا أولاً ثم اقتحموا النار. فعرفوا أن شيخ الإسلام قد كشف أمرهم، فكانوا يتبرمون ويضجون ويرفعون أمره إلى السلطان. وأيضاً من الفتن وما جرى لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه أفتى وكتب تلك الفتوى المشهورة بالفتوى الحموية الكبرى، حيث ذكر فيها منهج السلف في باب الأسماء والصفات، فضج المبتدعة من هذه الرسالة ومن هذه الفتوى، وقاموا مجادلات وتحقيقات مع شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ويرفعون أمره إلى السلطان. حينها جاء الأمر من السلطان بأن يحمل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى مصر، إلى أرض الولاية. فتحرك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقام الناس بتوديعه، وكانوا على هم وحزن، منهم من يبكي لوداعه رحمه الله تعالى. وصل إلى القاهرة في تاريخ الثاني والعشرين من رمضان، يوم الخميس. ففي ثاني يوم، وهو يوم الجمعة، بعد صلاة الجمعة، قام له مجلس محاكمة، حضر في هذا المجلس القواد والكبراء والقضاة والفقهاء، ومنعوا شيخ الإسلام الكلام، لم يسمعوا له أن يتلفظ بأي كلمة، وإنما قاموا بوضع الدعاوى: عليك كذا وعليك كذا، وهو يستمع. ثم أتيح له أن يدافع عن نفسه، فبدأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بحمد الله والثناء عليه، فقاطعوه، قالوا: لا تخطب، أجب. فعلم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن هذا مجلس محاكمة لا مجلس مناظرة، فقال: من الحاكم؟ من الذي سيحكم فيه؟ فقالوا: هذا القاضي المالكي، وكان القاضي آنذاك زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية. فقال شيخ الإسلام لهذا القاضي: كيف تحكم فيه وأنت خصمي؟ هذا كان من خصوم المبتدعة، كيف تحكم فيه وأنت خصمي؟ فغضب القاضي وأمر بأن يُزجّ شيخ الإسلام، فسجن في البرج أياماً. وفي ليلة العيد - هذا الشاهد - حمل ونقل إلى السجن المشهور، يقال له السجن الجب، وبقي فيه ثمانية عشر شهراً، وهو محبوس في هذا السجن، إلى أن جاء والي من الأمراء وتدخل بنفسه وتوسط في إخراج شيخ الإسلام، فأخرجه بنفسه وجعله في القاهرة. فبدأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يدعو الناس إلى الخير ويعلم الناس السنة، فضج الصوفية ممن كانوا هنالك، وتقدموا بالشكوى إلى السلطان، وقالوا: بأن ابن تيمية يتكلم على ابن عربي، وابن عربي من الأولياء ومن المقدسين، ولا يتكلم في أعراضهم. فقام الولاة والقضاة، وألقوا القضاء على شيخ الإسلام بهذه التهمة، وخيروه بأمور ثلاث: إما أنك ترجع إلى دمشق، وإما أن تذهب إلى الإسكندرية - طبعاً دمشق والإسكندرية تبقى فيها بشروط - وإما أن ترجع إلى السجن. فاختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن يرجع إلى السجن، فرُجع في نفس العام الذي أخرج منه، في عام سبع وعشرين وسبعمائة للهجرة. لكن طلابه ومن كان من أهل دمشق طاوعوا شيخ الإسلام بأن يرجع إلى دمشق، فوجوده هناك أضمن من السجن، فوافق رحمه الله وهم على الرحيل، وركب دابة وتحرك، إلا أن الحساد من أهل البدع لم يرضوا بذهاب شيخ الإسلام إلى دمشق، لماذا؟ قالوا: بذهابه إلى أرض الشام يذهب عن أعيننا، وليكون تحت قبضتنا، لا نريده عندنا. فأمروا به فأخذوه وأرجعوه إلى سجن القاهرة، فبقي فيها مدة، ثم أخذوه إلى الإسكندرية وحبس فيها، وبقي في الإسكندرية ثمانية أشهر رحمه الله تعالى، وكانت الزيارة له مسموحة، يزار، وكان يزوره العلماء والفقهاء، وكانوا يتباحثون معه في السجن، وكانوا يستفيدون منه رحمه الله تعالى. ومن الطريف أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما دخل السجن كان مليئاً بالمساجين والمحبوسين، مما كانوا يلعبون بالمنكرات ويلهون، فقام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وأنكر ذلك عليهم، وأمرهم بالعبادة والصلاة والعلم، حتى أنه غير في ذلك شيئاً كثيراً. يقول الإمام الآلوسي رحمه الله تعالى ويذكر هذه الحادثة: قال فأصبح السجن أفضل، أفضل بكثير من المدارس والأربطة والزوايا، لكثرة حلقات العلم والخير والذكر في هذا السجن. بل كان من بعض المحبوسين ممن يفرج عنه فيرجع للسجن، يرجع للسجن محبة لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، حتى ملأ السجن بالكثير من الناس. ثم جاءت الخلافة إلى إمام من أئمة الخير، وهو الإمام الناصر بن قلاوون، وكان محباً لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فلما آلت له الخلافة قام هذا الإمام وأخرج شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من السجن، وكان هذا الإخراج - هذا الشاهد - في يوم عيد الفطر، ثم أرجعه إلى القاهرة معززاً مكرماً. هذا ما يتعلق بعلاقة عيد الفطر مع شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وليس هذا كل حوادث، فإن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قضى الكثير من الحوادث، لكن همنا أن نذكر الحوادث التي وقعت في عيد الفطر. وأيضاً مما وقع في عيد الفطر من الحوادث ما وقع للإمام أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى، إمام من أئمة أهل السنة، وهم يتعلق بوقوفه في فتنة خلق القرآن، هذه الفتنة العظيمة التي وقعت على أهل السنة والجماعة، حيث قام الصلاطين في تلك الحقبة الزمنية بأخذ أقوال المعتزلة، وبتعذيب وتنكيل أهل السنة ممن لا يقول بخلق القرآن. وإن برز جماعة من العلماء للمعتزلة وللهؤلاء الحكام، ومن على رأسهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأيضاً من هؤلاء الإمام أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الخير. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى واصفاً هذا الإمام: كان من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى كان يقول بقول أهل السنة. ففي أيام الواثق أمر به فاعتقل، وجئ به مقيداً إلى مقر الخلافة، فقام الواثق وسأل أحمد بن نصر عن القول بخلق القرآن، وعن النظر إلى الله جل وعلا في الآخرة، فأجاب الإمام أحمد بن نصر الخزاعي بإجابات أهل السنة والجماعة، فغضب الواثق غضباً شديداً، وقال لمن عنده: إذا قمت إلى هذا الرجل فلا يقومن أحد، فإني أحتسب خطايا هذه إلى الله في قتل هذا الكافر. انظر لتلبيس البدعة، لتلبيس الشيطان على أهل البدعة، هو على بدعة ويظن نفسه أنه يتقرب إلى الله بهذا العمل. فقام وأخذ معه السيف، وأمر من معه من الزبانية أن يمدوا أحمد بن نصر، يمدوه، وأن يربطوا رأسه بحبل ويشده حتى قرب إليه، وعلى هذه الحالة ثم ضرب عنقه رحمه الله رحمة واسعة. وما اكتفى بهذا، وإنما قام بالتنكيل به، حيث أمر بأن يعلق رأسه في بغداد، ويعلق جسده في موطن آخر، من باب التنكيل به. ما علاقة هذا بعيد الفطر؟ يأتي الآن: كان ذلك في الثامن والعشرين من شعبان من سنة إحدى وثلاثين ومائتين من هجرة. مرت السنون على هذا الحال، حتى في عام ثمان وثلاثين ومائتين، أي بعد سبع سنين تقريباً أو ست سنين من هذه الحادثة، وذلك في يوم عيد الفطر، آلت الخلافة للمتوكل، وكان المتوكل من أئمة الخير ممن ظهرت السنة على يديه، ورفع المحنة، جزاه الله خيراً ورحمه الله. وكان من أول أعمال المتوكل رحمه الله تعالى أن أمر بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي، وأن يجمع برأسه، وأن يسلم إلى أوليائه، وأن يدفن. قال الراوي: ففرح الناس بذلك فرحاً شديداً، لأن من تتبع سيرة ابن نصر الخزاعي كان معظماً في النفوس، بل منهم من ذكر عنه كرامات عديدة، وإن كان بعضهم استبعدها كما ذكر ذلك الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام، استبعد واستنكر بعضها. المهم كان معظماً في النفوس، فلما أمر المتوكل بأن تنزل جثته وأن يدفن، فرح الناس بذلك فرحاً شديداً، حتى حضر في يوم جنازته خلق كثير من الناس، بل كان بعضهم يتمسح بأعواد النعش، بل إن بعضهم ذهب إلى العود الذي صلب عليه فكان يتمسح به. فبلغ ذلك المتوكل رحمه الله تعالى، فأمر الوالي على بغداد أن ينهى الناس عن هذا الفعل، لأنهم يغلون في الهدى الصلاة. أشهد من ذلك أن ذلك وقع في عيد الفطر. وأظن الوقت قد دخل، وله هناك حوادث كثيرة عديدة وقعت كذلك في عيد الفطر، لكن يترك المجال لغيري. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.