الدرس في كتاب الصلاة 57، ألقاها
اختلف العلماء في حكم مرور البنت الصغيرة أمام المصلي، واستدل البعض بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن مرور الجارية الصغيرة لا يقطع الصلاة. بينما يرى آخرون أن الحديث خاص بالمرأة الكبيرة.
يناقش تفسير حديث ابن عباس حول تأثير مرور المرأة على صلاة الرجل، ويبين أن الحديث يشير إلى أن المرأة المقصودة هي الحائض، وأن مرور غير الحائض لا يقطع الصلاة. يُفسر الحديث بأن المرأة الكبيرة الحائض تؤثر في صلاة المصلي إذا مرت أثناء حيضها.
إذا كانت المرأة الكبيرة التي ليست في أيام حيضها لا تقطع الصلاة عند مرورها، فإن الجارية التي لم تحض أولى بعدم قطع الصلاة عند مرورها. ذكر ابن رجب أن الجارية الصغيرة لا تدخل في مسمى المرأة، واستدل على ذلك باللغة والعرف.
المسألة التاسعة: هل تقطع الصلاة بمرور البنت الصغيرة؟ مر معنا أن المرأة، مرور المرأة بين يدي المصلي أو بينه وبين سترته، فإنها تقطع الصلاة على الصحيح. هل يدخل في معنى المرأة البنت الصغيرة التي لم تبلغ؟ يدخل في معنى المرأة أم لا يدخل في معنى المرأة؟ روى ابن ماجة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في حجرتها، فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا فمضت. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هن أكثر». مر الولد منعه النبي صلى الله عليه وسلم فامتنع، مرت الجارية التي هي زينب بنت أم سلمة، وهي ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرت، لم يمنعها، بل مضت، ومع هذا واصل في صلاته. استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن الجارية إذا مرت بين يدي المصلي أو بينه وبين سترته، فإن صلاته لا تنقطع ولا تضر. والحديث في المرأة هو خاص بالمرأة الكبيرة. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في الفتح: «وقد يفرق من يقول ببطلان الصلاة بمرور المرأة بين الجارية التي لم تبلغ وبين البالغ». ويقول: إذا أطلقت المرأة، فلا يراد بها إلا البالغ. قال: وزينب حينئذ كانت صغيرة، والصغيرة لا تسمى امرأة في الحال. قال ولهذا قالت عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة». قال ابن رجب رحمه الله: «وقد دخل في مسمى النساء خلاف، ذكره الماورد وغيره من المفسرين». فكذا ينبغي أن يكون في دخولها في مسمى المرأة. يقول حافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: على القول بأن مرور المرأة يفسد الصلاة، يقول: الجارية ليست داخلة في هذا، لأن الجارية إذا لم تبلغ لا يقال فيها بأنها امرأة، وإنما يقال فيها: امرأة إذا بلغت. أشار إلى خلاف آخر في المسألة: وهي هل تسمى الجارية الصغيرة من النساء؟ ويقال أنها من النساء أم لا؟ ذكر في المسألة خلاف، أشار إلى أن الماورد وغيره من المفسرين ذكروا خلافا في ذلك. قال: وكذلك ينبغي أن يكون القول في الجارية. ودلالة العرف وكذا اللغة يدلان على أن البنت الصغيرة ليست داخلة في مسمى المرأة. لا يقال في البنت الصغيرة بأنها امرأة، يقال: جارية أو ابنة أو بنت صغيرة، ولا يقال: امرأة صغيرة إلا لمن كانت بالغة. الحاصل في هذه المسألة: أولا، بالنسبة للحديث المذكور، حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، حديث أم سلمة من طريق أسامة بن زيد الليثي، وهو ضعيف. فالحديث ضعيف. روى أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعا قال: «يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب». هذا لفظ أبي داود. ولفظ ابن ماجة وابن خزيمة قال: «والكلب الأسود». يعني: يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود. وهذا الحديث رواه شعبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس مرفوعا، أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد ظاهر الصحة. إلا أن أبا داود رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الحديث قال: «ووقفه سعيد وهشام وهمام عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس». معناه: أن سعيد بن أبي عروبة، وكذلك هشام الدستوائي وهمام، رواه عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس موقوفا، أي من قوله. فالحاصل من هذا أن حديث ابن عباس رضي الله عنه لو صح، لكان واضحا في تقييد المرأة بالحائض. فتخرج غير الحائض، وهي المرأة الصغيرة أو البنت الصغيرة والجارية الصغيرة. وإن لم يصح مرفوعا، وصح موقوفا، كذلك استؤنس به على هذه المسألة، من فهم ابن عباس: أن المرأة المقصودة بالمرأة هي المرأة الحائض. أما التي لم تحض فليس مرورها بقاطع للصلاة. إذا قال قائل: ليس في الحديث دلالة على ما ذكرتم، إذ أن مراد ابن عباس -سواء قيل بالحديث بأنه مرفوع أو موقوف- مراده بالمرأة الحائض، أي بمرور المرأة حال حيضها. معنى هذا: أن المرأة الكبيرة إذا مرت بين يدي الرجل في حال عدم حيضها، ليس في مرورها شيء. وأما إذا مرت في أيام حيضها وهي حائض، فإنها تؤثر في صلاة المصلي. فيكون قوله: «والمرأة الحائض» أي حال حيضها. فيقول: إذا كان كذلك، فليس في الحديث دلالة على ما قلتم. الجواب: بل فيه دلالة واضحة على كلا القولين. إذ لو كانت المرأة التي تحيض في غير أيام حيضها إذا مرت لا تضر بالصلاة، فالجارية التي لم تحض أصلا، مرورها لا يؤثر، لا يكون قاطعا للصلاة. إذا كانت المرأة الكبيرة في غير أيام حيضها إذا مرت -على هذا القول- أنها لا تقطع الصلاة، فمن باب أولى أن الجارية التي لم تحض أصلا، لو مرت لا تقطع الصلاة.