أحوال أهل الإسلام بعد رمضان

الخطبة بعنوان أحوال أهل الإسلام بعد رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 12 شوال 1443هـ الموافق 13 مايو 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فوائد رمضان وتأثيره على الأخلاق

رمضان فرصة لتربية النفس وتزكيتها، ويجب الاستمرار في تطبيق مكارم الأخلاق بعد رمضان. العبادة في رمضان ليست غاية بل وسيلة لتحسين الأخلاق.

الاستمرار في الطاعات بعد رمضان

يجب على المسلمين الاستمرار في العبادات والطاعات بعد رمضان، وليس الاكتفاء بالعبادة في رمضان فقط. الله يريد من المسلمين أن يكونوا على أحسن الأحوال طيلة العام.

أهمية المداومة على العبادة حتى الممات

يجب على المسلم أن يستمر في عبادة الله حتى يأتيه الموت، ويدعو الله أن يجعله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. يُختتم بالدعاء للمسلمين والمسلمات بالمغفرة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها هو رمضان، شهرٌ قد مضى وانقضى، ذهبت أيامه وانقضت لياليه، وطويت صحفه ورفعت إلى باريه. رمضانٌ شهرٌ مبارك، لم يعرف قدره إلا القلَ من العباد، أعطوه حقه من الإجلال والإعظام، ومن التوقير والإحترام. فلله درهم من قوم، وأما الكافر المتكافرة فهم الذين لم يبالوا برمضان، فلم يرفعوا له رأسا ولم يلقوا له بالا. وفي الحديث الصحيح: «أن جبريل قال لنبينا عليه الصلاة والسلام: من أدركه رمضان فلم يغفر له أبعده الله، قال عليه الصلاة والسلام: آمين». عباد الله، فلينظر منا كلٌّ إلى نفسه وإلى عمله وكسبه، كيف كان حاله في رمضان؟ فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ولا يندبن إلا حظه. عباد الله، إنه مما لا شك فيه ولا ريب أن الله عز وجل أودع في رمضان من الحكم والأسرار ما تندهش له العقول وتبتهج له الصدور وتطرب له النفوس. لكن مما يؤسف له أن كثيرا من الناس ظن أن العبر والمسائل والحكم من رمضان هي آنية، بمعنى أنها فقط توجد بوجود رمضان، وأما إذا انقضى رمضان فلا عبرة ولا مسائل ولا حكم. عباد الله، إنما شرعه الله جل وعلا وأودعه في شهر الصيام في رمضان إنما أراد بذلك أن تزكو أنفسنا، وذلك بتطهيرها وتزكيتها وتربيتها وتهذيبها، وبتطهيرها من كل دنس ورجس من أقوال وأعمال ومن أفعال وأحوال، حتى إذا تربى الناس في رمضان ووصلوا إلى أحسن حال، حينها ينطلقون طيلة العام وهم على هذا الحال. ويكأن الله جل وعلا أراد من رمضان أن تكون محطة للخلق جمعاء يتربون على ما يتربون عليه، وذلك حتى يكون على أحسن الأحوال طيلة حياتهم ومع مرور أيامهم ولياليهم. فلله الحكمة البالغة. عباد الله، إنما استفادة المسلمون من رمضان مما ينبغي أن يكون معهم طيلة العام لهي الفوائد الكثيرة التي لا يسع المقام لذكرها وحصرها، وإنما حسبنا الإشارة إلى أهمها. عباد الله، إن مما استفادة المسلم في رمضان ما كان من تربيته لنفسه بحملها على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وأحسن الأمور. كم من رجل لربما كان على خلق فاسد وأدب كاسد، ثم جاء رمضان فهذبه وقومه وأصلحه وسدده، فاستقام حاله وحسن طبعه وصلحت عشرته مع كل من عاشره، مع أهله وزوجه، مع والديه ورحيمه، بل مع سائر الناس، حتى مع أعدائه. كل ذلك بفضل تلكم التوجيهات الربانية والإرشادات النبوية القاضية والآمرة بضرورة إصلاح النفس في رمضان على حملها على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم». هذه أخلاق الصائمين. لكن قال العلماء: إن هذه الإرشادات وهذه السلوكيات ما تنحصر في رمضان، إذ أن حسن الخلق ينبغي أن يتمثل به كل مسلم ومسلمة طيلة حياته. إلا أنه في رمضان أشد توكيدا وأعظم تحقيقا. فيا عبد الله، يا من استفدت تلكم الأخلاق الحميدة والآداب السديدة في رمضان، عاشر بها خلق الله جل وعلا طيلة العام. فلا تكن سبابا ولا شتاما، ولا تكن مغتابا نماما، ولا تكن قاطعا ولا عاقا، ولا حاسدا ولا حاقدا، ولا ضارا ولا مخربا. بل كن يا عبد الله سلسا سهلا سمحا لينا رقيقا رفيقا في تعاملك مع خلق الله، تعطف على صغيرهم وترحم مسكينهم وتوقر كبيرهم وتعطي لكل ذي حق حقه. فإن ذلك من أعظم خصال وصفات أهل الإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانا أحاسنهم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خيرا في الذي لا يألف ولا يؤلف». يا عبد الله، عاشر الناس بحسن الخلق، سواء كان مع زوجك وأولادك، أو ما كان مع والديك وأرحامك، أو ما كان من زملائك وأصحابك أو جيرانك وأحبابك. سواء كان هذه المعاشرة بالحسنى في رمضان أو خارج رمضان، فإنها تعد من أعظم الطاعات التي نافست أمهات العبادات. قال عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم والقائم». فالله الله يا عبد الله بهذه الأخلاق الحميدة المكتسبة في رمضان، اجعلها هي شعارك ودثارك إلى أن تلقى الله وهو راض عنك. قال عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». عباد الله، وأيضا مما استفدناه واستفاده كل مسلم في رمضان ما كان من اتصافه بالبذل والعطاء، والجود والكرم والسخاء. كم جاد الصائمون بأموالهم وبذلوا من نقودهم في شهر رمضان، سعيا لرضا الرحمن، وخاصة بعد علمهم أن رسول الأنام عليه الصلاة والسلام كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان. فتنافس الخلق إلى مديد العون، فأنفق منا الكثير وأنفق منا القليل، كل على قدر طاقته وعلى قدر قدرته واستطاعته. ثم جاءت زكاة الفطر، القاضية واللازمة على أهل كل بيت من صغير وكبير، من ذكر وأنثى، أو عبد أو حر، بضرورة أن يخرج من قوت يومه ما يكون طعمة للمساكين والمحتاجين. فما خرج رمضان إلا وقد بذل كل منا من ماله ومن طعامه، إما تطوعا وإما إلزاما. كان في ذلك إشارة إلى أن رمضان يهدف إلى خلق مسلم سخي كريم، يبذل ما يستطيع على بذله، وما يقدر عليه من ماله، من نقوده، من طعامه، من متاعه، لتحسسه لحاجة الناس، فيعطي لذوي الحاجات، وخاصة من كان من أهل القربة والأرحام، فإن الأجر فيهم مضاعف. فالله الله يا عبد الله بهذا المستفاد من رمضان، بما يكون من مديد العون، وما يكون من بذل الخير للغير، وأن تكون أيدينا ممدودة في رمضان وخارج رمضان. فنحن في أزمان وفي أوقات، وخاصة في هذه البلاد، قد ازدادت على الأمة الأزمات، من سوء في المعيشة وقلة في المؤونة. فكن باذلا يا عبد الله كما كنت في رمضان، كن باذلا في غير رمضان. فإن البذل والكرم والجود والعطاء من العبادات المحمودة والمحبوبة إلى الله. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تقضي عنه دينا، أو تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جوعا». وهذه الخصال قد وجدت في أوقاتنا. فالله الله يا عبد الله بهذا العمل العظيم، بهذا العمل الشريف. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا أن ما استفدنا من أسرار وحكم، ومن صفات وخصال في رمضان، ينبغي أن لا تنحصر في شهر الصيام، وإنما المراد منها أن يتربى المسلمون فيها حتى يكونوا على أحسن الأحوال، ثم ينطلقوا وقد اتصفوا بهذه الصفات الجليلة طيلة العام. فكان مما ذكرنا من المستفاد من رمضان ما يكون من حسن أخلاقنا، ومن حسن آدابنا مع غيرنا، أن يكون معنا دائما وأبدا. وهكذا ما كان من عطائنا ومن بذلنا وسخائنا، ليس القصد منه أن ينحصر في رمضان، وإنما ينبغي أن يتربى المسلم في أن تكون يده ممدودة دائما وأبدا لأهل الإسلام. وأيضا إن مما استفادة المسلم في رمضان ما كان من عظيم تعلقه بربه ومولاه، إذ أن المسلم في رمضان قد ربى نفسه على أن يكون عابدا متعبدا، ناسكا متألها. كل منا في رمضان حرص على الجد والاجتهاد على اغتنام الليالي والأوقات. فكان المسلم في رمضان مصليا صائما، راكعا ساجدا، مقبلا على قراءة القرآن بلا كلل ولا ملل، لسانه يلهج بذكر الله ليل نهار، صباح مساء. ما من أحد إلا وأقبل على النوافل والطاعات، وتنافس وتزاحم على النوافل والقربات. عباد الله، إن هذه العبودية التي كانت من أهل الصيام في شهر رمضان هي التي يريدها الله من سائر الأنام طيلة العام. قال سبحانه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. الصبر والاستبار والاستمرار على الطاعات والعبادات لهي من أسمى المقامات، أن تكون عبدا لله. وليس من العبودية في شيء أن تتعبد الله يا عبد الله في أوقات أنت تريدها، متى ما شئت عبدت الله، ومتى لم تشأ تركت العبادة. ما هذه من العبودية في شيء. ما بال أقوام لما دخل رمضان تنافسوا على المساجد لأداء الصلوات، لكن ما إن ذهب رمضان حتى نرى هؤلاء لم نر منهم أثرا ولم نسمع منهم خبرا، لا هم عرفوا المسجد ولا المسجد عرفهم. ما بال أقوام عندما دخل رمضان أقبلوا على القرآن قراءة وختمة وختمة، لكن بعدما ولى رمضان جعلوا القرآن خلف ظهورهم، نسيا منسيا، لم يتلون منه سطرا، وما قرأوا منه حرفا. ما بال أقوام عندما أقبل رمضان تنافسوا على الطاعات والعبادات، على صلاة القيام وعلى البذل والعطاء، لكن بعدما ولى رمضان دب فيهم الخمول والفتور والكسل والخنوع، فبارزوا الله بمعاصيهم وجاهروا الله بذنوبهم. فإلى هؤلاء يا من عبدتم الله في رمضان خاصة، اعلموا أن رمضان شهر قد فات ويفوت، وأما رب رمضان فهو حي لا يموت، جل في علاه. قال سبحانه: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. اعلموا عباد الله أن الله جل في علاه ليس بمفتقر إلى طاعاتنا ولا إلى عباداتنا، ولا إلى أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. ليس بصعب ولا بعسير على ربنا أن يهلكنا وأن يخلف بنا الأرض، متى ما تمردنا على دينه، ومتى ما أعرضنا عن شريعته. يا عبد الله، لا تغتر بربك، ولا تمن على خالقك بأنك عبدته في رمضان، أو صمت تلك الأيام وقمت تلك الليالي. يمنون عليك أن أسلموا، قل: لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. ربنا جل في علاه هو الذي اجتبى واصطفى من شاء من عباده بأن يكون على أحسن حال، فلا تغتر بأفعالك ولا تغتر بربك. يا عبد الله، الله الله بالطاعة والعبادة حتى تلقى ربك جل في علاه. قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، حتى يأتيك الموت وأنت على هذه الحال من حسن التعبد والطاعة لرب الأرض والسماوات. فأسأل المولى جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.