الخطبة بعنوان صلاح المسلمين في التفقه في الدين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 3 ذو القعدة 1443هـ الموافق 3 يونيو 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية العلم في إصلاح الفساد وإصلاح أحوال الناس، مشيرًا إلى أن العلم هو الأساس في صلاح الأفراد والمجتمعات. العلم أصلح أحوال الناس وغيرها من حال إلى أحسن الأحوال.
العلم هو الأساس في إصلاح العقائد والدعوات والعبادات والمعاملات، وقد أمر الله تعالى بالعلم وبيّن أهميته في صلاح الأفراد والمجتمعات. العلم يصلح القلوب والعبادات والبيوت والأسواق.
يُبين أهمية العلم في صلاح الأفراد والمجتمعات، ويحذر من رفع العلم وانتشار الجهل، مستشهدًا بحديث نبوي يربط بين رفع العلم وظهور الجهل وانتشار الفواحش. رفع العلم يؤدي إلى فساد الأديان والأعراض والعقول.
حرص أهل السنة والجماعة على العلم الشرعي ودعوتهم الناس إلى الإقبال عليه لحمايتهم من الفتن. كانوا يحثون أنفسهم ومن تحت أيديهم على طلب العلم لأنه صمام أمان للمجتمع.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إنه لا يخفى على أحدٍ من أهل الإيمان من نشاهده ونجده في مثل هذه الأزمان من فشو وظهور ملامح الفساد التي طمت وعمت وكثرت وانتشرت بين العباد، وفي أرجاء البلاد، سواء كان فسادًا في ديننا أو دنيانا، أو كان فسادًا جماعيًا أو فرديًا، أو كان فسادًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، أو كان فسادًا أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، فسادٌ عريض ينذر بشرٍ عظيم وبخطرٍ مستطير. وإنه مما لا شك فيه ولا ريب لابد من البحث عن الأسباب الموجبة المؤدية والمنجية من التخلص من بؤرة الفساد التي ابتلينا بها، وقد دلت الأدلة الشرعية على أن من أعظم أسباب إصلاح الراعي والرعية هو ما وجد في سيرة خير البرية عليه الصلاة والسلام، وذلك بما كان من مكثه في الغار في بداية أمره قبل بعثته وقبل نزول الوحي عليه. مكثه في الغار ذلك لما ضاق صدره لما عليه قومه من حالة الفساد المتندية المتردية من عبادة الأصنام والأوثان، ومن اقتراف المعاصي والآثام، ومن هتك للأعراض، ومن قتلٍ وقتالٍ وسفكٍ للدماء، فبينما هو كذلك شغل فكره وهمه بما ينبغي أن يكون عليه صلاح قومه، إذ نزل عليه وحي السماء، نزل عليه وحي السماء مؤذنًا ومعلنًا بنزول النور الذي به سيبدد الله جل وعلا به هذا الظلام، والذي به سيغير الله جل وعلا أحوال الأنام إلى حالٍ وإلى أحسن الأحوال. فكان نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتدئًا بقوله ﴿اقرأ﴾، نعم عباد الله، هذه الكلمة إشارة إلى أعظم أنواع الصلاح الذي به تصلح الأفراد والمجتمعات مهما كان فسادها وانحرافها وانحلالها. قال تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾، إنه العلم، العلم، العلم، عباد الله، من أعظم عوامل الإصلاح، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من غار حراء وقد حمل رسالة العلم، فأخذ يعلم الناس دينهم ويعرفهم حدود ما أنزل الله. لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياتٍ ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين، فلا يزال الناس حينها يزدادون علمًا ومعرفةً و فقهًا وتفقهًا حتى استقام حالهم وصح إيمانهم وعظم توحيدهم، فحينها بدل الله أحوالهم فجعلهم قادة أمم حينما كانوا من قبل رعاة غنم. نعم عباد الله، كل ذلك بفضل العلم، العلم، يا عبد الله، والأساس في إصلاح أحوال الناس، فما تصلح العقائد إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، فلا تقام العقيدة الصحيحة إلا بالعلم، وما تصلح الدعوات والمناهج إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، أي على علم، أنا ومن اتبعني، فدعوة لا تقوم على العلم فهي دعوة فساد لا دعوة إصلاح. بالعلم، يا عبد الله، تصلح القلوب، قال ربنا جل وعلا واصفًا أهل العلم: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، كانوا ولا يزالوا من أهل الخوف والخشية من ربهم، وذلك لما وقر في قلوبهم من العلم. وبالعلم، يا عبد الله، تصلح العبادات والطاعات، فهو المعيار والمقياس في صحة الأعمال، صلى نبينا عليه الصلاة والسلام يومًا من الأيام، صلى وهو على منبره، فلما انتهى من صلاته قال: «يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»، فصلاتنا وسائر عباداتنا وطاعاتنا مناطة بالعلم. وكما قال من قال من سلفنا الصالح: «من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح»، بالعلم، عباد الله، يكون صلاح بيوتنا ودورنا، قال ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنقذوا أنفسكم وأهليكم نارًا﴾، قال علي رضي الله تعالى عنه مبينًا الوقاية التي ينبغي أن تتخذ مع الأهل وفي البيوت: «علموهم، أدبوهم»، العلم يكون به صلاح البيوت والديار، وصلاح الأهل والأزواج. وبالعلم، يا عبد الله، تصلح أسواقنا وما يكون من بيعنا وشرائنا، كان عمر رضي الله تعالى عنه يدور في الأسواق ويقول: «لا يبع في أسواقنا من لا يفقه»، أي من لا يعلم، لا بد من العلم عند بيعك وشرائك وفي سائر معاملاتك. وبالعلم، يا عبد الله، يصلح أبناؤنا وبناتنا وأولادنا وشباب الأمة المحمدية، روى ابن ماجه في سننه من حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة -والحزور هو الغلام إذا اشتد- كان سلفنا الصالح يدفعون بأولادهم وشبابهم إلى حلقات العلم»، قال جندب بن عبد الله: «كنا عند رسول الله ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا»، حفظهم الله في شبابهم وفي شبابهم بما كان من إقبالهم على العلم. قال إمامنا الشافعي رحمه الله: «إذا أردت إصلاح قلبك أو ابنك أو أخيك أو من شئت إصلاحه فأودعه في حلقات القرآن، فإن الله سيصلحه شاء أم أبى»، نعم عباد الله، هذا هو سلاح العلم، من أعظم أنواع الصلاح الذي يصلح الله جل وعلا به البلاد والعباد. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا عظيم أثر العلم ليس في باب الثواب والأجر وإنما كعامل من أعظم أنواع الصلاح والإصلاح الذي يكون به صلاح الأفراد والمجتمعات، به صلاح عقائدنا وعباداتنا ودعواتنا ومناهجنا، به يكون صلاح أبنائنا وبيوتنا وشبابنا وأسواقنا، به يكون صلاح كل شيء، ولهذا أمر بالزيادة منه، قال سبحانه: ﴿وقل ربي زدني علمًا﴾. عباد الله، وإن مما يؤسف له ما نجده من حال كثير من الناس ممن لم يهتموا بجانب العلم الشرعي، فلم يرفعوا له رأسًا، وما ألقوا له بالا، بل عدوه وجعلوه من فضول الأعمال، إن وجد فهو خير وإن فقد فلا ضير، يا سبحان الله، عباد الله، تأملوا في هذا الحديث العظيم والذي فيه بيان أعظم بيان في خطورة فقد العلم من أي زمان أو أي مكان، وأن فقده يعد من أعظم أنواع هلاك وفساد المجتمعات. وذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنا ويشرب الخمر»، هذا الحديث العظيم والذي فيه أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عن أول أو من أوائل أمارات الساعة وما يكون من رفع العلم. قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم»، ورفعه يكون بتركه وتضييعه، ويكون بفقد حملته وأهله، لكن يترى ما الذي يحدث إذا رفع وفقد العلم في الأمة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «يظهر الجهل ويفشو الزنا ويشرب الخمر»، وفي هذه الخصال الثلاث إشارة إلى عظيم المهلكات والتي ما ستأتينا ونبتلى بها إلا إذا فقد العلم. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل»، إشارة إلى فساد الأديان، فيفسد علينا ديننا بظهور الشرك والإلحاد وظهور الكفر والزندقة وفساد الاعتقاد، كما نرى في مثل هذه الأزمان من موجة الردة والإلحاد، إنما كان ذلك بغياب العلم وعدم الإقبال عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «و يفشو الزنا»، إشارة إلى فساد الأعراض، فإذا غاب العلم تنتشر الفواحش من اللواط والزنا ومن فعل الرذائل والخنا، ولا يتأتى ذلك إلا بغياب سلطان العلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ويشرب الخمر»، إشارة إلى فساد العقول، فإذا غاب العلم أقبل الخلق على الخمور والمخدرات وعلى الحشيش والمخدرات، لأنك بالعلم، يا عبد الله، فقط ستعرف فضيلة العقل فلا ترضى بزواله ولا بهوانه، لكن لما غاب العلم استخف الناس بعقولهم. عباد الله، إن هذا الحديث ليدل دلالة واضحة على خطورة الأفراد والمجتمعات متى ما رفع وفقد العلم عنهم، فلا ينتظرون إلا هذه الخصال الثلاث: فساد الأديان، وفساد الأعراض، وفساد العقول، إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وهو أولًا، ثم يظهر الجهل ويفشو الزنا ويشرب الخمر. ومتى ما أراد الناس السلامة لأنفسهم ولمجتمعاتهم كان عليهم العكس أن يبقوا على العلم في بيوتهم ومنازلهم ومساجدهم، لأن ببقاء العلم تسلم المجتمعات في دينها وفي عفتها وفي عقلها. عباد الله، ومن هنا كان من منهج أهل السنة والجماعة أن حرصوا على العلم الشرعي كل حرص، فجعلوه من أصول دعوتهم ومن ركائز منهجهم، فكان من أمرهم أن حثوا أنفسهم على العلم وحثوا من تحت أيديهم، ثم أقبلوا على غيرهم بدعوة الناس إلى الإقبال على العلم، دعوا الصغير والكبير والعظيم والحقير والغني والفقير، دعوا الصغار والكبار والذكور والإناث إلى ضرورة الإقبال على العلم لأنه صمام أمان من الفتن. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهُمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمؤمنات والمؤمنين، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.