الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن فهم عبارات الجرح والتعديل يتطلب مراعاة السياق والقرائن، فقد يكون التضعيف نسبياً أو للاستنكار لا للحقيقة. ويضرب مثالاً بقول الفزاري في الثوري «كذاب» ردعاً للسائل لا اتهاماً بالكذب.
يشرح المقطع كيفية فهم عبارات الأئمة عند قولهم «ضعيف في فلان» بأن المراد ضعف المعرفة بحديث الشيخ لا التضعيف العام. ويذكر تفضيل أحمد لحديث الثوري على شعبة وتأكيد ابن المهدي، مبيناً أن التفضيل بين الثقات لا يقدح في عدالة المفضول.
يبيّن المقطع أن المتقدمين أطلقوا «ثقة» بمعنى أعم يشمل من له أوهام، بينما حرر المتأخرون المراتب فصار حكمهم أدق. لذا يُستفاد من تصنيفات المتأخرين كابن حجر والذهبي في الترجيح عند التعارض.
يختتم المتحدث الجلسة بالتأكيد على اكتمال الترجمة المقدمة للحضور. ينسب الفضل في الترجمة إلى نانسي قنقر كخاتمة للقاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: الضابط الخامس عشر: ضوابط تعارض الجرح والتعديل. قال: يُراعى سياق الكلام الذي تُورد فيه ألفاظ الجرح والتعديل، قرائن الأحوال التي اقتضت ورودها في الراوي. قال الحافظ ابن كثير: «والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك». فمن ذلك: أنه قد يرد التوثيق والتضعيف نسبيين، فيكون ذلك مورداً للجمع بين الأقوال والترجيح بين الرواة. قد ذكرنا عدة أمثلة في هذا، كما تقدم أنه أحياناً يضعها في الراوي نسبياً، أن يُقرن بثقة فيقال: «فلان ضعيف»، كما سيأتي في الأمثلة، وإنما هو ضعيف بالنسبة لهذا الثقة. وأما إذا سئل عنه وحده سيوثقه، أو يقول: «لا بأس به»، أو كذا مما يدل على تعديل. فمثل هذا ينظر فيه، فهي من القرائن التي تدل على عكس ما يكون ظاهراً، أن هذا التضعيف ليس تضعيفاً مطلقاً، وإنما هو نسبي. وكذلك أيضاً أن يرد هذا الكلام على طريق الاستنكار. على طريق الاستنكار، مثلاً: مثل ما قيل لأبي إسحاق الفزاري، قال له رجل: «ما حال سفيان الثوري؟» قال: «كذاب». قيل له: «تقول هذا على سفيان؟» قال: «سفيان! أسأل عنه أنا؟ أنا هو! يريد أن يردع هذا: كيف تسأل عن سفيان؟ أنا سفيان، مثل سفيان لا يسأل عنه». لكنه قدم هذه الكلمة، وإن كان بعض العلم يقول للأولى أنه ما قالها، لكنه قالها على سبيل الردع: «هل تقول: معنى هل يسأل عن مثل سفيان؟ سفيان لا يسأل عن مثله». ومعلوم أن إسحاق بن إبراهيم الفزاري من تلاميذ سفيان، صاحب السيرة وصاحب المغازي، هو من تلاميذ سفيان، بل يقول رحمه الله: «كان أعمامي رافضة، وأخوالي قدرية، فوفقني الله بسفيان الثوري». فلذا، فهذا الخرج مخرج الاستنكار في السؤال. فمثل هذا أيضاً يعتبر به، مثل هذه القرائن تعتبر بها، وهذه الأحوال. فقد يسأل الإنسان عن شخص فلا يجيب بالإجابة الصحيحة لأجل مثل هذه الأعذار. فلذا قال الحافظ: «والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، ومن قرائن ترشد إلى ذلك». هناك قرائن تدل على كلامهم: هل أريد به الثقة أو الضعف؟ مثل ما جاءت الحكاية التي تُحكى، الظاهر أنها صحيحة، ومنهم من يقول أنها لا تصح: أنه اجتمع علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعفان بن مسلم الصفار. فقال علي بن المديني: «أما أحمد فضعيف في شعبة، وأما يحيى فضعيف في كذا»، وقال: «أما عفان فضعيف في قتادة». فقالوا: «فأما علي بن المديني فضعيف في سفيان». فالمذكور ذكروا مثل هذا الباب، لعلهم باب المزاح، أو أنه من باب أنه ليس معنى أحمد في شعبة بعيد، وإنما أراد علي بن المديني أن أحمد اهتم بحديث سفيان أكثر من اهتمامه بحديث شعبة، يعني يقصد معرفته بحديث سفيان الثوري أكثر من معرفته بحديث شعبة. فقال: «ضعيف في شعبة»، والمراد: ضعيف في معرفة حديث شعبة. وكما قال عبد الرحمن بن المهدي: «من أراد حديث سفيان الثوري فعليه بأحمد». إن أحمد لم يسمع عن سفيان الثوري، لكن اهتم بحديث سفيان الثوري لأن أكثر مشايخ، أو الذين أخذ عنهم، أهل البصرة أكثر عن سفيان، فكان أحمد أعلم الناس بحديث سفيان الثوري. فقال عبد الرحمن بن المهدي، وهو شيخه، وقد سمع، وهو من أخص الناس في سفيان الثوري: «من أراد حديث سفيان فعليه بأحمد بن حنبل». فها هنا قوله: ثلاثة يضعفون في ثلاثة. قول علي بن المديني: ثلاثة يضعفون في ثلاثة. إما أنها خرجت مخرج المزاح، وإما خرجت مخرج عدم تمكنهم من معرفة حديثي. مثل ما قلنا: لما قال أحمد في شعبة، معناه أن أحمد أعرف بحديث سفيان أكثر من حديث شعبة. وكذلك ذكر يحيى في الآخر. فالمراد كما قلنا: عدم معرفة حديثه، وليس المراد التضعيف. ولأنه أيضاً هؤلاء الذين ذكروا ليسوا من مشايخهم الذين أخذوا منهم. فمثل هذه الأحوال أو هذه العبارات تعرف بتتبع أقوال العلماء، وأيضاً بتتبع قرائنهم. قال رحمه الله: من أمثلته: محمد بن أبي عدي، وأزهر بن سعد السمان، ثقتان. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: «ابن أبي عدي أحب إلي من أزهر». وأما مسألة التفضيل هذه، ما في شيء. التفضيل هذا كثيراً في كلام أهل العلم، يفضل هذا على هذا، وهذا على هذا. لكن قال: وتقدم قول يحيى بن معين: «سعيد المقبري أوثق، والعلاء بن عبد الرحمن ضعيف». هذا أقرب بالمثال في يحيى بن معين. سئل عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: «لا بأس به». لكن لما قرن بسعيد بن المقبري، قال: «سعيد أوثق، والعلاء بن عبد الرحمن ضعيف». طيب، فهذا معنى خلاصة هذه القاعدة. قال: أو هذا الاعتراض، وهو من القواعد التي ترجح عند التعارض. عن العان؟ مثلا هذه القرائن والأحوال التي يؤخذ بها كلام الجارح أو المعدل، معنى أنها لها أثر في مسألة التعارض. قال: السادس عشر: قد يريد إطلاق التوثيق من أئمة المتقدمين أكثر شمولاً منه عند المتأخرين، وهو عند المتأخرين أكثر تحديداً لدرجة الراوي. ومن ذلك: أن بعض المتقدمين قد يطلقوا لفظ «ثقة» على الثقة، وعلى الصدق. قد يقرنون اللفظين معاً: «ثقة»، ثم «صدق» عند الحكم على الراوي. ويوضح ذلك: أن الحديث عند المتقدمين إما صحيح وإما ضعيف. يعني: قد يريد إطلاق التوثيق من الأئمة المتقدمين أكثر شمولاً منه عند المتأخرين. يعني ممكن يقول: «ثقة»، وهو يريد «صدوق»، لأن قواعد العلم لم تحرر كثيراً في المتقدمين. فقد يريد مثلاً «ثقة» ويريد به أنه «لا بأس به» أو «صدوق» وعنده أوهام. لكن تجد المتأخرين يجمعون بين أقوال الأئمة، فيأخذون من قول هذا وهذا، فيضعون بعد ذلك أنه «رجل ثقة لكنه عنده أوهام، عنده أخطاء». فلذا فيكون عبارة المتأخرين أدق وأكثر تحديداً لدرجة هذا الراوي. ولهذا صنف العلماء في هذا كثيراً، أن المتأخرين صنفوا، كالحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، والعراقي، وغيرهم من هؤلاء الأئمة، ذكروا درجة هذا الراوي بجمع أقوال أهل العلم. أن يجمعوا أقوال أهل العلم فيه، ثم يضعوا درجة هذا الراوي، مثل ما فعل الذهبي في «الكاشف»، والحافظ ابن حجر في «التقريب»، وغيرهم من الأئمة رحمهم الله. فتكون كلمتهم أكثر تحديداً لدرجة الراوي. ليس هم أعلم بأولئك منهم، لا، لكن هم أخذوا أقوال هؤلاء العلماء وجمعوا بينها، فخرجوا بهذا الحكم، فيكون كلمتهم أكثر تحديداً من غيرهم. قالوا: لذلك يستفاد من تصنيف المتأخرين لمقامات أهل الجرح والتعديل في الترجيح، بينما يشتركون عند المتقدمين في مطلق القبول أو في مطلق التضعيف. طيب، إن شاء الله لك تماماً ترجمة نانسي قنقر