شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 35

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 35

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تأثير تولي القضاء على حفظ الرواة

يتناول المحور تأثير الانشغال بالقضاء على دقة حفظ شريك بن عبد الله النخعي وحفص بن غياث النخعي، حيث ساء حفظهما فوقعا في الأوهام، مع الإشارة إلى اكتشاف همام بن يحيى لأخطائه بمراجعة كتبه. يبرز المقطع كيف أن تولي المناصب العامة قد يؤثر سلباً على ضبط المحدثين لأحاديثهم.

مواقف النقاد من رواية همام بن يحيى وعاصم بن علي

يسرد المحور مواقف أئمة الجرح والتعديل تجاه همام بن يحيى حيث ضعفه يحيى بن سعيد القطان ثم ثبته معاذ بن هشام بالمقارنة، واعتراف عفان بالخطأ من الحفظ. كما يعرض حال عاصم بن علي الواسطي وعُجبه برده تصحيح كبار الأئمة كشعبة وأبي عوانة مما أدى إلى تضعيفه.

قاعدة التفريق بين الرواية من الحفظ والكتاب وتطبيقها على سويد بن سعيد

يناقش المحور قاعدة جرح وتعديل جوهرية وهي التفريق بين رواية الراوي من حفظه ومن كتابه، مستعرضاً أمثلة ليونس بن يزيد الأيلي وابن لهيعة وسويد بن سعيد. يوضح كيف قبل العلماء رواياتهم من الكتب الصحيحة وضعفوا ما رووه من الحفظ، ويختتم بالتأكيد على عدم الطعن في أحاديث مسلم المروية عبر سويد بن سعيد من صحيفة حفص بن ميسرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه إلى يوم الدين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن ذلك ما حفظه لما ولي القضاء شريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، فما حفظه بعدما ولي القضاء فما حدث به قبل ذلك فصحيح. فشريك بن عبد الله النخعي القاضي تولى القضاء، وصار قاضياً في زمن أبي جعفر المنصور، وكان من حفاظ أهل الكوفة. لكن بعدما ولي القضاء لا شك أن الإنسان إذا انشغل عن العلم، خاصة مثل القضاء، فلا شك أنه سينسى، فلهذا حصل له نسيان في أحاديث كثيرة، حتى لم يحفظها صحيحاً، أحياناً للشغل بالشكل، حتى أنه يروي بعض الأحاديث على سياق الفقهاء، لهذا اتهموه في بعض الأحاديث، مثل حديث جابر: «آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار»، فهذا قالوا من فعل شريك. كذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ برطلين، وإنما الحديث: توضأ بمد، فقام فسره على طريقة الكوفة، وقال: توضأ برطلين، وهذا خطأ، إنما توضأ بمد. وهل المد رطلان؟ ممكن في قول الكوفيين أن المد رطلان، وفي قول الحجاز أن المد رطل وثلث. وهناك قول لبعض الحنابلة، كأبي البركات، وقبله أيضاً بعض الحنابلة أئمة الحنابلة، قالوا: الطعام رطل وثلث، والماء رطلان، والظاهر أنهم اغتروا بالرواية هذه التي جاءت فيها أنه رطلان، لكن الصحيح بين الأئمة أن هذا من كلام شريك، فإنه هو الذي خلط في هذا الحديث. فشريك بن عبد الله النخعي كما قلنا كان حافظاً، لكن أيضاً عنده أخطاء، لكن لما تولى القضاء ساء حفظه، ساء حفظه، وكان يحدث بأشياء على التوهم. طيب، قال: حفص بن غياث النخعي قاضي الكوفة، قال أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضى، فمن كتب عنه من كتاب فهو صالح، وإلا فهو كذا وكذا. وإني أثرت فيه دعوة ابن عجلان، فقال: لا أماتك الله حتى يبتليك في الدنيا والآخرة. فقالوا: ابتلاه الله عز وجل في الدنيا بالفالج، والفالج معناه الجلطة، وابتلاه الله عز وجل في الآخرة بالقضاء، أن القضاء يعتبر ليس من أمر الآخرة، معناه أنه من يوم القيامة، لكن يؤثر على الشخص في الآخرة، يؤثر على الشخص في الآخرة. فلذلك فحفص بن غياث كان من الحفاظ، من أصحاب الأعمش، لكن لما ولي القضاء اشتغل بالقضاء، وحصل له بعض الأوهام في بعض الأحاديث، لكن ليس هو مثل شريك بن عبد الله النخعي، فهو أقوى منه. قالوا: قد يرد ما يقتضي ترجيح المتأخر من مرويات الراوي على المتقدم منها، ومن ذلك ما رواه الحسن بن علي الحلواني عن عفان بن مسلم أنه قال: كان همام بن يحيى بن دينار الأزدي مولاهم، العودي، لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف، فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد ذلك فنظر في كتبه، فقال: يا عفان، كنا نخطئ كثيراً، فنستغفر الله. قال الحافظ ابن حجر: هذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سمع منه قديماً، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل. وهذا الذي جعل يحيى بن سعيد القطان في بداية الأمر لا يروي عن همام، ويضعف حديثه، لأنه كان يحدث من حفظه فكان يخطئ. فلذلك لما كان عفان عند يحيى بن سعيد، كان يقول له: همام كان يخطئ، وكان عفان يحاول أن يحيى يقبل رواية همام، ويحيى بن سعيد لا يقبلها ويردها، ويقول: إنه يهم. حتى جاء معاذ بن هشام، معاذ بن هشام بن عبد الله الدستوائي، فقال له يحيى بن سعيد: عندك كتاب أبيك؟ قال: نعم، فأعطاه إياه، فنظر في كتاب هشام، ونظر في كتاب همام، فرآهما لا يختلفان، فقال لعفان: فكان همام صحيح الحديث في آخره. والظاهر أن هذا كله بسبب أن عفان كان يروي من حفظه فكان يخطئ، وقد اعترف على نفسه رحمه الله، وقد اعترف على نفسه رحمه الله. وكان أهل البصرة من أشد الناس توقياً في أحاديث المشافهة، فتجدهم يرجعون إلى كتبهم لذا خولهم. ولهذا كان عفان يقول له: يخالفك فلان، يخالفك فلان. أيضاً يقول لحماد: يخالفك فلان، فقال حماد: ما كنت أبالي بأحد يخالفني إلا ما كان من شعبة، فإن كان شعبة خالفني رجعت إلى حديثه. وقال: إذا خالفني شعبة أرجع إليه وأتهم نفسي. وكذلك جاء عنه أيضاً أنه كان يقول، أو كان بعض أصحابه يقول: كان حماد بن زيد إذا ذكر له فلان يخالفك لا يبالي، إلا إذا ذكر له ابن عيينة، فإذا ذكر له ابن عيينة فإنه يهابه. فلذلك تجد بعض العلماء يرجعون أصحاب مشايخهم، فبعضهم يرجع وبعضهم لا يرجع. وممن ذكروا أنه لا يرجع ويصر على خطأ، وهو الذي أداه إلى أن العلماء ضعفوه: عاصم بن علي الواسطي. فعاصم بن علي الواسطي كان حافظاً كبيراً من أهل واسط، وكانت في واسط في مسجد الجامع حلقتان: حلقة يزيد بن هارون، وحلقة عاصم بن علي. وحتى أنه لما جاء إلى البصرة، أي عاصم، اجتمع أناس كثيرون من أهل البصرة، حتى يقال أنه اجتمع أكثر من مئة ألف، وكان يحدث في الساحات، معناه ما يحدثون في المسائل الصغيرة، فكان يحدثون في الساحات. فقال بعض من حضر ذلك المجلس: حتى أنه لا يستطاع أن يعد أو أن يحصى المستملين من كثرتهم، المستملين بعد، مثلاً مجموعة من الناس يجعلون مستملي يبلغ الصوت، فكثر، فكثر هؤلاء المستملون لكثرة الناس. لكنه كان مما أخرج عليه أنه كان يصر على خطأ بل ويعاند، فكان جاءه عفان وبعض أهل البصرة، فكانوا يقولون له: قد خالفك، فقال: من الذي خالفني؟ فيقولون له مثلاً: أبو عوانة، فيقول: ذاك، ذاك الوضاح، وجاء في نسخة من تاريخ بغداد: ذاك الوضاح، والظاهر أنه ذاك الوضاح العبد. وقيل له أيضاً: يخالفك شعبة، فقال: ذاك المسكين، أنا من أدخلته على خالد، على خالد الحداء. وكلما ذكروا له عالماً نبذه بأشياء من هذا، وهذا بسبب الكبر والتيه. فلذلك جازاه الله عز وجل، مع حفظه الكثير، إلا أن الناس تركوا حديثه، إلا الإمام أحمد لم يترك حديثه، وذكره في المسند، وكان يحسن الظن به. وأما أكثر العلماء فقد تركوه وتركوا حديثه، بل الراجح في حديثه أنه ضعيف لأنه يهم ويصر على الخطأ، وهؤلاء ممن ذكرهم شعبة أنهم يضعفون حديثهم. طيب، قال: باب تضعيف رواية الراوي من حفظه وتوثيق روايته من كتابه. ومن أمثلته: يونس بن يزيد الأيلي. قال أبو زرعة: كان صاحب كتاب، فإذا حدث من حفظه لم يكن عنده شيء، إذ لم يكن عنده حفظ، وإنما ضبط كتابه عن الزهري، ضبط كتابه عن الزهري، لهذا تجد روايته عن غير الزهري فيها تخليط. وكذلك حفظه أيضاً، وصفه بعض العلماء أنه سيء الحفظ. قال وكيع: ذكرت يونس بن يزيد الأيلي في الحديث فرأيته سيء الحفظ، وقد كان الإمام محمد أيضاً يتكلم في حفظه، فحفظه فيه شيء، ليس بذاك الحافظ، عنده سوء حفظ، لكن كتابه صحيح، لكن كتابه صحيح. وهذا تجد كثير من العلماء من يذكر أيضاً في أبي معاوية، كتابه عن الأعمش صحيح، وكذلك في محمد بن جعفر، كتابه عن شعبة صحيح. وبعضهم أيضاً يذكر في ابن لهيعة أن كتابه صحيح، فمن روى من كتابه كعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وقتيبة بن سعيد، وكذلك عبد الله بن مسلم القعنبي، وعبد الله بن يزيد المقرئ، هؤلاء كتبوا من كتابه، أخذوا حديثه من كتابه، ليس ما أخذوه مشافهة، لكن أخذوا من الكتاب وكتبوا. فهؤلاء قال العلماء: أن حديثهم لا بأس به لأنهم أخذوا من كتاب ابن لهيعة. وبعض العلماء كيحيى بن سعيد وابن المديني وغيرهم يقولون: أن كتابه فيه خطأ، الخطأ أيضاً في الكتاب نفسه، الخطأ والوهم في الكتاب، وهذا الظاهر لأن رواياته تجدها منكرة، حتى أحياناً من رواية العبادلة تجد بعض الروايات منكرة، وهذا يدل على أن كتابه أيضاً فيه أخطاء. قال سويد بن سعيد الحدثاني: قال أبو زرعة: أما كتبه فصحيحة، كنت أتتبع أصوله وأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا. وسويد رجل عابد، أصابته غفلة الصالحين، أصابته غفلة الصالحين، فكان يحدث بالتوهم، ولهذا غضب منه يحيى بن معين كثيراً، حتى قال: لو أن لي فرساً ورمحاً لغزوت سويداً. وهذا بسبب أنه يأتي بالحديث بالتوهم، يأتي بالحديث بالتوهم. وأما كتبه فهي الصحاح، الكتب التي كتبها. لهذا لما قيل لمسلم: كيف تروي عن سويد بن سعيد وأنت تعرف أنه يهم؟ فقال: من أين لي صحيفة حفص بن ميسرة؟ إن صحيفة حفص بن ميسرة صحيفة صحيحة، وقد رواها جمع من العلماء، ومما رواها سويد، ومسلم رحمه الله لم ير أو لم يلتق بأحد من روى هذه النسخة إلا سويد بن سعيد، فقال: من أين لي نسخة حفص بن ميسرة؟ فلذلك وهذا يوافق كلام أبي زرعة أن كتبه صحيحة، فمن أخذ من كتابه أو أخذ الصحيفة التي كانت معه فحديثه صحيح. لهذا لم يتكلم أحد على أحاديث مسلم الصحيحة التي رواها من طريق سويد بن سعيد، وهو لم يروي إلا صحيفة حفص بن ميسرة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى.