شرح أصول السنة للإمام أحمد 8

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الإيمان برؤية الله يوم القيامة: أدلة القرآن والسنة المتواترة

يوضح المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة الثابتة بأن المؤمنين سيرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة عياناً ك رؤية القمر ليلة البدر. يستند الدليل إلى آية ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ وأحاديث متواترة رواها نحو ثلاثين صحابياً.

تفصيل حال الرؤية في الآخرة وتمييزها عن الدنيا

يؤكد المقطع أن الرؤية ممتنعة في الدنيا لعجز الأبصار البشرية بينما تتحقق في الآخرة لتغير حال الجوارح وكمالها. يبين أن إثبات الرؤية يستلزم إثبات العلو لله جل وعلا مخالفةً لعقيدة الأشاعرة في هذا الباب.

رد شبهات النافين وتوضيح طبيعة التشبيه بالقمر

يقرر المؤلف إثبات الرؤية مستدلاً بالمتواتر ويرد على المعتزلة النافين لها، مستشهداً بقول الإمام الشافعي المستدل بآية حجب الكفار على ثبوت رؤية المؤمنين. يوضح أن التشبيه بالقمر إنما هو تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي.

حجب الكفار عن الرؤية ونعيم المؤمنين بها

يوضح المقطع أن الكفار هم من يُحجبون عن رؤية الله يوم القيامة استناداً إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. يختم بالتأكيد على أن المؤمنين ليسوا محجوبين، داعياً الله أن يرزق الرؤية ولا يحجب عن نعيمها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في أصول السنة لإمام أهل السنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: «والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأحاديث الصحاح». هذه مسألة من عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي أن المؤمنين يوم القيامة يرون ربهم جل جلاله، يرونه بأبصارهم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾. «ناضرة» الضاد الأولى ذات البطن، والضاد الثانية ذات العصاء، يسمونها المشالة. ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، فهذه الآية تدل على أن أهل الجنة تكون وجوههم يوم القيامة حسنة من نضرة النعيم الذي يعيشونه. ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴾ أي حسنة ذات بهجة، ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ أي بأبصارها؛ لأن الفعل عُدِّيَ بـ «إلى» إلى ربها، عُدِّيَ بـ «إلى» ثم ذكر بعده معموله «ناظرة». فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد ثبت من حديث أبي هريرة، وفي الباب حديث جرير بن عبد الله، وفي الباب حديث أبي سعيد الخدري، وفي الباب عن نحو ثلاثين صحابياً، كلهم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. ففي حديث أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «هل نرى ربنا يوم القيامة؟ هل نرى ربنا يوم القيامة؟» قال: «وهل تضامون في رؤية القمر ليلة أربع عشرة؟» قالوا: لا، ليس دونه سحاب. «هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فكذلك ترون ربكم». وفي حديث جرير: «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر ليلة البدر». هذه بعض الأحاديث في الباب، عن نحو ثلاثين صحابياً، كلهم ينقل أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم، يرون ربهم بأبصارهم. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. الأحاديث... يقول الإمام أحمد: «والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأحاديث الصحاح». الأحاديث في باب رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة أحاديث متواترة، لهذا قال الناظم: «مما تواتر حديث من كذب *** ومن بنى لله بيتا واحتسب ورؤية هذا الذي نحن فيه *** شفاعة والحوض ومسح خفين وهذه بعض». فهذه جملة من الأحاديث المتواترة التي تواتر نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم طبقة عن طبقة، وهكذا. فهذا حديث الرؤية يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين نفراً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر لا تضامون، لا تضامون في رؤيته، في رؤيته». هذه عقيدة أهل السنة، ولهذا يقول الإمام أحمد: «من رد حديث جرير فاتهمه على الإسلام أو فقد كفر». حديث جرير: «إنكم سترون ربكم عياناً». لفظ «عياناً» فيه تنازل، «كما ترون القمر لا تضامون» أو «تضارون» في رؤيته، أي لا تزاحمون فيزحم بعضكم بعضاً فتعجزون عن الرؤية، أو «تضامون» أي «تضارون» أي تحجب عنكم الرؤية بسبب. فهي رؤية أبصار، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. فيها أحاديث كثيرة: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما»، ويأتي المؤمنون لرؤية الجبار جل جلاله. أحاديث الباب كثيرة في هذا الباب، باب رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا. أما في الدنيا فإن الرؤية ممتنعة، رؤية المؤمنين في الدنيا لربهم ممتنعة، وذلك لأن أبصارهم لا تحتمل أن يروا ربهم. ولهذا أيضاً رؤية الملائكة بصفاتها قد يموت الإنسان إذا رأى الملك بصفته، ولهذا لم يرَ أحد الملك بصفته إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، أعانه الله. يقول الله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا ﴾، لأنه لا يحتملون رؤية الملك بخلقته، لا دل في ذلك كثير. يقول الله عز وجل في موسى وقد كلمه ربه: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾، إذن هذا فيه إثبات صفة الكلام، كلمه ربه. ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ أي في الدنيا، فأجابه الله جل وعلا: ﴿ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾، ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ أي ظهر، ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ﴾، في بعض الروايات: «ساخ الجبل» أي ذاب الجبل في الأرض، ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. فهذا يدل على أن رؤية الناس لربهم في الدنيا بأبصارهم ممتنعة لأنهم لا يقدرون عليه، وفي هذا دليل على أنهم يوم القيامة يرونه بأبصارهم لاختلاف الحال، فحال أهل الجنة ليس كحال أهل الدنيا في جوارحهم وعقولهم وأبصارهم، فهم يتراؤون الغرف من على الكوكب الدري، فحال الدنيا ليس كحال الآخرة. وهذا إثبات الرؤية، يقول أهل السنة: دليل على إثبات العلو، لأنه لا تكون رؤية إلا في جهة، هكذا يقول أهل السنة والجماعة، خلافاً للأشاعرة. قال رحمه الله: «والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم». يحتاج أن ينظر في اللفظة: «كما روي» أو «كما ثبت»؟ لعلها في المخطوط «كما ثبت»، لأن الحديث إذا شك في ضعفه فإنه لا يقال جاء بألفاظ الجزم «جاء» وإنما يروى بألفاظ التضعيف: «روي»، «قيل»، ونحو ذلك. فهذا اللفظ لعله مصحف، لأن الأحاديث متواترة، أو يحتمل أنه من الشيء النادر الذي يخالف الأصل ولا يخرم القاعدة لندرته. «كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحاح». قلنا: رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين نفساً من الصحابة رضي الله عنهم، وأشهرها حديث جرير بن عبد الله، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري، وغيرها من أحاديث الباب. هذا ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة. ثم حصل الخلاف: هل رأى مخلوق الرب؟ وهذا في نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهي من المسائل الخلافية التي سيأتي الكلام عليها غداً إن شاء الله تعالى. الشاهد أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر، قال أهل العلم: هذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرء بالمرء، تشبيه للرؤية بالرؤية، أي أن الرؤية حق وصدق ويقين لا شك فيها، كما أن رؤيتكم هذا الشاهد رؤية برؤية، كما أن رؤيتكم للقمر وللشمس ليس دونها سحاب حق لا شك فيها، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي. لا زلنا في هذا الباب، ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا رؤيته جل وعلا، فإن الله قال عن الكفار: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾، قال الإمام الشافعي: «فإذا حجب أعداءه لزم من ذلك ألا يحجب أولياءه». هكذا يقول الشافعي رحمه الله: إذا حجب أعداءه، إذا كان من عقوبة الكفار أنهم لا يرون الله، فبان بهذا أن من ثواب المؤمنين أنهم يرون الله، وإلا لاستوى الكفار والمؤمنون في العقوبة، وهذا واضح. ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ لا يرونه، إذا كان الكفار محجوبين فمعناه أن المؤمنين غير محجوبين عن رؤية الله عز وجل، وإلا لكانوا هم والكفار محجوبين، ولقال القائل: «كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وكذلك المؤمنون محجوبون» على عقيدة المعتزلة. المعتزلون ينفون الرؤية، يقولون: الله لا يرى، هكذا يقول المعتزلي. فيقال: قد جعلتم الكفار والمؤمنين سواء في الحجب، قد جعلتم الكفار والمؤمنين سواء في الحجب، والله جل وعلا خص الكفار بالحجب دون المؤمنين لتغاير الحكم بينهما، فقال: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ أَيِ الْكُفَّارَ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ أَيِ عَن رُّؤْيَتِهِ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾، فبان أن المؤمنين غير محجوبين. الكلام على الرؤية كثير، هذا وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا رؤيته وأن لا يحجبنا عن هذا النعيم العظيم. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.