الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشارح بتوضيح أن اللذات الدنيوية لا تدوم للإنسان وأن تحصيلها هو في الحقيقة فقدان لها بسبب زوالها. يستدل بآية قرآنية تشبه الدنيا بالزرع الذي يعجب الناس ثم ييبس.
يوضح أن نعيم الدنيا لا يدوم للإنسان، إما بذهاب النعمة أو بذهاب الإنسان نفسه، ويشبه الله الدنيا بزهرة تذبل وتنتهي، محذرًا من الانشغال بعمارة الدنيا عن الآخرة.
النص يحذر من الإفراط في حب الدنيا والانشغال بعمارتها على حساب الآخرة، مشيرًا إلى أن عمر الإنسان محدود، ويجب استغلاله في طاعة الله، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
يختتم المجلس على أمل الاستمرار في مجلس آخر، مع الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو الفتح البستي رحمه الله في منظومته «عنوان الحكم»: «وكل وجدان حظ لا ثبات له، فإن معناه في التحقيق بقدان». قال الشارح -حفِظه الله-: كل وجدان يقال: وجد يجد وجدانا. شيء يبحث عنه الإنسان فيجده يحصله، فتحصيله للشيء الذي يبحث عنه يقال عنه وجدان. فكل وجدان، أي كل تحصيل للحظوظ والأطماع والرغبات وما يريده الإنسان، أي مما يحب أن يدركه وأن يبلغه وأن يتحصل عليه، سواء كان ذلك من مال أو دور أو مركوب أو زوجة أو غير ذلك. قال: «كل وجدان حظ لا ثبات له»، أي لا يثبت معك ولا يبقى ولا يدوم؛ فإن معناه في التحقيق فقدان؛ لأنك وإن حصلت وقتا ما وفترة معينة لن يدوم لك ولن يبقى معك. يعني هذا الذي وجدته وحرصت على الحصول عليه فلن يثبت معك؛ هذه الأموال ستذهب، وهذه الدور ستفارقها، وهؤلاء الزوجات ستفارقهن. فإذا كان الأمر كذلك، فما كان على مثل هذا الحال والوصف مما يتحصل عليه الإنسان ولا يثبت معه ولا يدوم ولا يستمر، فهو في الحقيقة فقدان؛ يعني لم يجد شيئا ينتفع به انتفاعا يستمر معه. قال: أي كل تحصيل لحظ من الحظوظ ومطلب من المطالب من صفته أنه لا ثبات له؛ يعني لا يبقى معك ولا يدوم لك؛ فإن معناه في التحقيق فقدان. وكما قال القائل: «لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بالدكار الموت والهرم». هذا البيت فيه معنى من معاني هذا البيت؛ أن كل نعيم مما تطيب له الأنفس وترغب النفوس في إدراكه وتحصيله، لكن ينغص ذلك مفارقة هذا النعيم؛ مفارقة هذا النعيم وذلك بالموت والرحيل من هذه الحياة؛ فحينئذ لا يطيب هذا العيش؛ لا يطيب هذا العيش بسبب الذكار الموت والهرم. وهذا فيه معنى من معاني هذا البيت: «وكل وجدان حظ لا ثبات له، فإن معناه في التحقيق فقدانه». قال: وكأنه يشير بذلك إلى مثل هذه الدنيا في كل المكتسبات التي يحصلها الإنسان أو ينالها من أمور الدنيا البحتة. وقد قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. الله عز وجل مثل الدنيا بمثل الغيث؛ المطر الذي ينزل على الأرض فيعجب الكفار نباته؛ الكفار: أي الزرع، ويسمى الزارع كافر؛ لأنه يكفر الحب في الأرض؛ أي يغطيه ويستره. يعجب الكفار نباته؛ لما يرى هذا الزرع عند طلوعه وبداية إثماره؛ فهو يرغب في حصاده والحصول عليه. قال: «ثم يهيج فتراه مصفرا»؛ يهيج: أي يبس، يصبح يابسا وأصبح هشيما مصفرا بعد أن كان خضرا رطبا. «ثم يكون حطاما»؛ أي هالكا لا منفعة فيه. وهكذا حال هذه الدنيا؛ فالإنسان يغتر بها بزهرتها ونظارتها وحلاوة ما فيها، ثم تذهب ويرحل عنها ويفارق ما فيها؛ فيعلم أنها لا شيء. قال: فإذا كل ما يحصله العبد ويجده مما لا ثبات له ولا بقاء ولا دوام له؛ ما محصل الإنسان في هذه الدنيا من نعيمها هل يبقى معه؟ وهل يستمر؟ إن بقي هو، أن هذا النعيم فلن يبقى هو؛ لو أن عنده القصور وعنده أحسن المركوبات وأجمل النساء والأموال من الذهب والفضة؛ إن بقيت هذه الأمور هل سيبقى هو؟ الجواب: لا؛ لن يبقى؛ لابد أن سيفارقها في يوم من الأيام. وكذلك هذه الأمور قد تذهب وتزول؛ فهي غير ثابتة ولا باقية؛ فحينئذ لا يحصل له كمال النعيم. قال: «فإنه في التحقيق فقدان»؛ أي باعتبار أن هذا الذي سيؤول إليه أمره؛ أي أنه سيفقده إما بذهاب هذه النعم وإما بذهاب هو أو مفارقته لها. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. تأمل -سبحان الله- قوله: «زهرة الحياة الدنيا»؛ يعني كل ما عندهم وكل ما حصلوه اختصر في هذا المثل الكاشف لحقيقة الأمر: زهرة؛ زهرة الحياة الدنيا. والزهرة -كما لا يخفى- تكون لها النظارة في وقت ما، ثم سرعان ما تذبل وتنتهي. فهو مثل عجيب جدا معروف؛ الزهرة عندما تظهر في وقت الربيع تكون في غاية من الجمال والنظارة والحسن؛ يستمتع الإنسان برؤيتها وربما بشم ريحها؛ لكن إذا بدأت بالموت فتذبل وتنتهي ويذهب ما فيها من نظارة. هكذا حال الدنيا؛ الله عز وجل شبه الدنيا بالزهرة التي -يعني- يرغب فيها ويغتر بها فترة من الزمن، ثم تذبل وتنتهي؛ وهكذا الدنيا تذبل وتنتهي. قال الناظم: «يا عامرا لخراب الدهر مجتهدا، بالله هل لخراب العمر عمران». قال: «يا عامرا لخراب الدار»؛ وفي بعض النسخ: «الدهر مجتهدا»؛ يعني في هذه الدنيا الفانية منشغلا؛ يعني منشغلا بعمارات، منصرفا عن عمارة الآخرة؛ فأصبح اهتمامك منصبا على عمارة هذه الدنيا. فالناظم يخاطب من شغلته الدنيا عن الآخرة؛ من شغلته الدنيا عن الآخرة؛ فأصبح يعمل لدنياه وينسى آخرته؛ يحرص على عمارة الدنيا ونيل الراحة فيها والوصول -رحمه الله- إلى ما ترغب إليه نفسه، ولو كان ذلك على حساب آخرته وحساب دينه. فهذا الخطاب يوجه إليه؛ أما من عمر دنياه وعمر آخرته؛ فلا عيب عليه في ذلك؛ ليس عليه في ذلك ماذا نقصا أو كذلك مؤاخذة؛ أهم شيء أنه يحرص على عمارة الآخرة؛ فلو أعمر معها الدنيا واستعان بذلك على عمارة الآخرة؛ فهذا مما يمدح ولا يذم. الله عز وجل مدح أهل الأموال الذين أنفقوا أموالا في طاعة الله وسارعوا بها إلى عمارة آخرتهم. قال جل وعلا: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. هذا مدح لأهل الأموال الذين بذلوا أموالهم في طاعة الله سبحانه وتعالى، وفي نيل رضى الله جل وعلا. إذا لكان الإنسان عنده المال ما يعمر به دنياه ويستعين به على عمارة الآخرة؛ هذا لا يذم؛ لكن الذي يذم الذي يحرص على عمارة الدنيا وينسى آخرته؛ وينسى آخرته؛ هذا الذي توجه إليه هذه النصيحة. قال: فيقول ناصحا من كانت هذه حاله: «يا عامرا لخراب الدار أو الدهر مجتهدا»؛ يعني في عمارة هذه الدنيا التي مآلها إلى الخراب ونهايتها إلى الفناء. «بالله هل لخراب العمر عمران»؛ أي أنك باشتغالك بعمارة الدنيا وفي الوقت نفسه منصرفا عن عمارة الآخرة؛ أنت في حقيقة الأمر تعمل على خراب عمرك؛ تبني دنياك وتخرب عمرك. فيقول منبها: «هل لخراب العمر عمران»؛ يعني هل من يعمل على خراب عمره هل له في الحقيقة يعمر أو يهدم؟ وإذا عمر وإذا هدم عمره هل لهذا العمر من عمر آخر يعمره ويصلحه؟ الجواب: لا؛ إذا ذهب هذا العمر وضع؛ فلن يعود؛ فلن يعود. فهو يقول: انتبه أن تضيع حياتك وأن تضيع عمرك في نيل حطام الدنيا وملذاتها؛ فإن العمر إذا ضاع لن يعمر مرة أخرى. «بالله هل لخراب العمر عمران»؛ الجواب: لا؛ ليس لخراب العمر عمران. فعمر الإنسان واحد؛ عمر الإنسان واحد؛ إما أن يستغله في طاعة الله وفيما يقربه إلى الله، وإما أن يضيع عليه في حطام الدنيا وملذاتها وشهواتها؛ إلا أن يتدارك الإنسان ما بقي من عمره؛ إن فرط في شيء من عمره ثم تذكر ونبه؛ فيستغل ما بقي من عمره؛ عسى يكون في ذلك خيرا له. وأما أن يضيع العمر كله في الحرص على الدنيا ونسيان الآخرة؛ فهذا لا شك أنها خسارة عظيمة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه؛ فآثر ما يبقى على ما يفنى». من أحب دنياه أضر بآخرته؛ الذي يتعلق بالدنيا ويحب هذه الدنيا سيضر بآخرته؛ لأنه سيعمل للدنيا على حساب الآخرة؛ سيعمل للدنيا على حساب الآخرة؛ فهو مستعد أن يترك الفرائض والواجبات من أجل الدنيا؛ على حساب الآخرة؛ ومستعد أن يرتكب المحرمات من أجل دنياه ومحبته لها؛ وهو بهذا يضر بآخرته؛ يضر بآخرته. من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه؛ وهذا لا بأس أن الإنسان يضر بدنياه على حساب صلاح الآخرة؛ على حساب صلاح الآخر؛ يعني قد يفوته شيء من أمور الدنيا وملذاتها؛ من مسكن حسن أو مركب حسن أو نيل مال؛ لكنه في المقابل هو حريص على طاعة الله وحريص على إصلاح الآخرة؛ فهو بهذا يضر بدنياه؛ يضر بدنياه؛ تفوت كثير من ملذات الدنيا ومن شهواتها ومن رغبات الناس فيها؛ ويصبر في المقابل أنه يعمر الآخرة ويصلح الآخرة؛ هذا هو العاقل الفطن الذي يكون حريصا على إصلاح آخرته؛ ولو كان ذلك على حساب ماذا الإضرار بدنياه. لكن الغافل والجاهل الذي يحرص على إعمار دنياه على حساب خراب آخرته. طيب نقف هنا ونكمل إن شاء الله في مجلس آخر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.