الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يعذب الملك الغلام فيدل على الراهب، فيُعرض على الراهب وجليس الملك ترك دينهما فيأبيان فيُنشَر كلٌ بالمنشار حتى الموت. ثم يُؤخذ الغلام إلى قمة جبل ليرمى منه إن لم يرتد عن دينه.
دعا الغلام ربه «اللهم اكفنيهم بما شئت» فهز الجبل وسقط أصحابه، ثم مشى إلى الملك وأخبره أن الله كفاه. حاول الملك قتله بإلقائه في البحر فدعا الغلام مجدداً فانقلبت السفينة وغرق من فيها.
أمر الغلام الملك بقتله علناً بقوس وسهم باسم الله ليؤمن الناس، ففعل الملك ومات الغلام فآمن الناس برب الغلام. خاف الملك من انتشار الإيمان فحفر الأخدود وأضرم النيران ليعذب من لا يرتد، وامتحن الله المؤمنين وأنطق رضيعاً ليشجع أمه.
يختم المتحدث قصة الصبي الذي أنطقه الله في سن مبكرة، مؤكداً قدرة الله على النطق في أي عمر. يشير إلى أن الفوائد المستفادة من القصة ستُذكر في درس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في باب الصبر في كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله. ووقفنا عند الحديث السادس من الأحاديث التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب، وهو حديث صهيب الرومي رضي الله عنه: قصة الغلام والساحر. ووقفنا عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأخذه فلم يزل أخذا جليس الملك حتى دل على الغلام». فجيء بالغلام إلى الملك، فقال له الملك: «أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمهة والأبرصة، وتفعل وتفعل». فقال الغلام: «إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى». فأخذه فلم يزل يعذبه؛ لأن هذا الملك يدعو الناس إلى ألوهيته وربوبيته، فكيف يأتي هذا الغلام ويعارض الملك في ذلك، ويقول أن له رباً غيره، أن له رباً غيره؟ فأخذ يعذب هذا الغلام حتى دل على الراهب الذي يعلمه، الذي يعلم الغلام. والراهب كذلك على عقيدة صحيحة، فهو يعتقد أن الإله الحق هو الله سبحانه وتعالى. فدل الغلام على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: «ارجع عن دينك». فأبى. ما معنى «ارجع عن دينك»؟ يعني: اترك عبادة الله، واعتقد في هذا الملك؛ لأنه هو الرب وهو الإله. «ارجع عن دينك»، فأبى. رفض هذا الراهب، فدعي بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه، أي وسط رأسه. والمنشار معروف: ما ينشر به ويقطع به. فشقه حتى وقع شقه، جعله نصفين، ينشره وهو حي، حتى جعل نصفاً في هذه الجهة ونصفاً في الجهة الأخرى. ثم جيء بجليس الملك، هذا الجليس الذي قال له الغلام بعدما دعا الله يشفيه: «إن الله هو الإله الحق». فأتي بهذا الجليس، فقيل له: «ارجع عن دينك»، فأبى. هكذا يفعل الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب: لا تساوم من أجل دينها. فهذا كذلك الجليس أبى أن يرجع عن دينه، فأبى. فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقه، مثل ما فعل بالراهب. ثم جيء بالغلام، فقيل له: «ارجع عن دينك»، فأبى. أبى أن يرجع عن دينه، فدفعه الملك إلى نفر، أي إلى مجموعة من جنده، من أصحابه، فقال: «اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل»، أي اجعلوه أعلى الجبل، اصعدوا به أعلى الجبل. «فإذا بلغتم ذروته» يعني أعلى ما في هذا الجبل، والذروة هي المكان الذي هو أعلى الشيء. «فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه». قولوا له: ارجع عن دينك، فإن رجع خلاص صار مثلكم، وإن أبى ارموا به من أعلى الجبل، دفوه، اجعلوه ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله، لا شك أنه سيلقى حتفه، سيموت. قال: فذهبوا به، فصعدوا به الجبل. فقال الغلام داعياً ربه: «اللهم اكفنيهم بما شئت». لم يحدد نوع هذه الكفاية، وإنما قال: «بما شئت». قال: فرجف بهم الجبل، تحرك الجبل. والله عز وجل هو الذي خلق هذا الجبل، والله سبحانه وتعالى هو الذي يأمر هذا الجبل بما شاء. بما شاء النبي صلى الله عليه وسلم لما كان على الجبل هو وأبو بكر وعمر وعثمان، فاهتز الجبل، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان». نعم، فهذا الغلام دعا الله عز وجل، فرجف الجبل، فسقطوا، سقط هؤلاء النفر الذين أتوا معه. وجاء يمشي إلى الملك، جاء هذا الغلام إلى الملك، فاستعجب الملك، فقال له الملك: «ما فعل أصحابك؟ أين أصحابك؟» فقال الغلام: «كفانيهم الله تعالى»، ليؤكد له أن الإله الحق هو الله، ليس هذا الملك. فقال له: «كفاني الله سبحانه وتعالى»، أو «كفانيهم الله تعالى». قال: فدفعه إلى نفر من أصحابه. حاول الملك طريقة أخرى، طريقة أخرى يقتل بها هذا الغلام، يقتل بها هذا الغلام. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: «اذهبوا به، فاحملوه في قرقور»، وهو نوع من أنواع السفن، قارب. قال له: «قرقور»، قال: «وتوسطوا به البحر»، ادخلوا بهذا القارب إلى وسط البحر. «فإن رجع عن دينه، وإلا فقذفوه»، ارموا به في وسط البحر. ماذا سيكون بعد هذا؟ يتوقع أن هذا الغلام يغرق ويموت. قال: فذهبوا به، فقال الغلام: «اللهم اكفنيهم بما شئت». قال: فانكفأت بهم السفينة، أي يعني انحرفت بهم السفينة، فغرقوا، غرق هؤلاء النفر الذين معه، وجاء يمشي إلى الملك. الله أكبر! من الذي خلق هذا البحر؟ إنه الله. أليس ربنا سبحانه وتعالى قال لنبيه موسى عليه السلام لما قال موسى، لما قال قوم موسى له والبحر أمامهم، فرعون وجنودهم خلفهم: «إنا لمدركون»؟ قال: «كلا، إن معي ربي سيهدين». فأوحى الله عز وجل إلى موسى: «أن اضرب بعصاك البحر»، فانفلق. الله هو الذي خلق هذه المخلوقات، هو الذي يتصرف فيها، يجعل هذا البحر يابساً، وكذلك يأمر هذا البحر أن يغرق فلاناً وأن ينجي فلاناً، يجعل ما يحرق برداً وسلاماً كما جعل النار على إبراهيم عليه السلام. فالله على كل شيء قدير. ف جاء هذا الغلام يمشي إلى الملك، فقال له الملك: «ما فعل أصحابك؟» استعجب. فقال هذا الغلام: «كفانيهم الله تعالى». فقال هذا الغلام للملك: «إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به». وهذا الملك يريد التخلص من هذا الغلام، فقال هذا الملك للغلام: «ما هو؟ إيش هذا الشيء الذي إذا فعلته قتلتك؟ ما هو؟» قال: «تجمع الناس في صعيد واحد»، يعني في أرض كبيرة لا بناء فيها ولا شجر، صعيد، «وتصلبني على جذع»، تأتي بجذع وتربطني فيه، «ثم خذ سهماً من كنانتي»، يعني من موضع وضع السهام في الكنانة، قال: «ثم ضع السهم في كبد القوس»، جعل السهم هذا في وسط القوس، «ثم قل قبل أن ترميني به: قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني». قل هكذا بس، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني. فالملك يريد التخلص من هذا الشيء، ومن تبعة أمر كان هذا الغلام يخطط له، وهو أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً. فالناس إذا رأوا هذه العلامة وهذه الآية، علموا صدق هذا الغلام، وأن ربه هو غير هذا الملك، غير هذا الملك. ففعل الملك ما أمره به الغلام، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: «بسم الله رب الغلام»، ثم رماه، فوقع في صدغه، والصدغ هو ما يكون أسفل الأذن. قال: فوضع الغلام يده في صدغه، فمات. مات الغلام، فقال الناس: «آمنا برب الغلام». هذا الذي يريده هذا الغلام، دخل الناس في دين الله عز وجل، وتركوا عبادة هذا الملك. فقال، أو فأتي الملك، فقيل له، يعني جاء الحاشي عند الملك وقيل له: «أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك». ولماذا قتل الراهب، ولماذا قتل جليسه؟ لأنهم آمنوا بالله، فهو يخشى أن يزداد المؤمنون بالله ويترك ربوبيته وألوهيته، أي ألوهية هذا الملك. فالذي كان يخشاه والذي كان يحذره وقع به، فالآن أمة من الناس آمنت بالله عز وجل، قد آمن الناس. قالوا له: «أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس». فأمر بالأخدود، والأخدود هي الشقوق التي تكون في الأرض. شق شقوقاً في الأرض، قال: «بأفواه السِّككِ»، يعني في منافذ ومداخل الطرق، أفواه السِّككِ يعني مداخل الطرق. فخُدَّت، أي حفرت، وأضرم فيها النيران، أشعلت فيها النيران، وقال: «من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها»، أو قيل له: «اقتحم». هيا، كل الناس إما أن تسقط في هذه الأخدود المشتعل بالنار، وإما أن تسلم منها شريطة أن ترجع عن دينك وتؤله هذا الملك. قال: ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها صغير، رضيع، ما يتكلم. فتقاعست أن تقع فيها، تقاعست يعني تكاسلت، وأوشكت أن تتردد. قال الشراح: رأفة ورحمة بولدها، ليس بنفسها ولكن بولدها، هذا الصبي. فمن حكمة الله عز وجل أن أنطق الله سبحانه وتعالى هذا الصبي، وهو من الأربعة الذين تكلموا في المهد، تكلموا في المهد. فقال هذا الغلام: «يا أمة»، أي يا أمي، هذه لغة في نداء الأم، «يا أمة، اصبري، فإنك على الحق». الله أكبر! طفل، صبي صغير، أنطقه الله عز وجل الذي خلقه، فهو قادر على أن ينطقه ولو في هذا السن الذي في الغالب، أو الذي لا يتكلم فيه الصبي. فهذا هو إجمال ما جاء في هذه القصة، وفيها فوائد كثيرة. وانتهى الوقت، نؤجل هذه الفوائد في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى شكراً.