الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع فوائد من حديث الغلام والساحر، مبيناً صبر الغلام والراهب وجليس الملك على دينهم حتى القتل ووجوب ثبات المؤمن عند الفتن. كما يوضح العلاقة الوطيدة بين الكفر والسحر ويثبت كرامات الأولياء كرمي الغلام الدابة بالحجر.
يسرد المقطع كرامات للغلام الصالح منها استجابة دعائه برجفة الجبل وغرق الجنود وتوجيهه للملك لقتله بطريقة تؤدي لإيمان الناس. ويؤكد موقف أهل السنة بإثبات الكرامات للصالحين المؤمنين المتقين فقط مستدلين بالآية الكريمة وقول ابن تيمية.
يؤكد المقطع أن الخوارق لا تثبت الولاية إلا بموافقة الكتاب والسنة، ويستعرض قصة الغلام الذي اختار الموت جهاداً ليهدي قومه. يعتبر موته شهادة وجهاداً في سبيل الله أدخل أمة في الدين.
يختتم المقطع بعبارة «إلى هنا والله تعالى أعلم» إيذاناً بانتهاء الحديث. يُذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين لتأكيد نسب الترجمة إليها.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ذكر فوائد حديث الغلام والساحر، وذكره الإمام النووي رحمه الله في باب الصبر، ووجه الشاهد منه صبر هؤلاء الثلاثة على دينهم، وهو الغلام والراهب وجليس الملك، فصبروا على القتل ولم يتراجعوا عن دينهم. فهكذا ينبغي أن يصبر المؤمن في وقت الابتلاءات وظهور الفتن، يعض على دينه بالنواجذ، ويثبت على الإسلام الذي رضيه الله لنا. فهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، عنده من قوة الإيمان ومن الثبات على هذا الدين لا تؤثر فيه شبهة، ولا دعوة من دعوات أهل الكفر والإلحاد، وإنما يثبت على دينه ويصبر، وإن كان من أقل الناس مالاً أو من أقل الناس ظهوراً وجماعة، فأهم شيء أن يسلم له دينه. ومن فوائد هذا الحديث كذلك: العلاق الوطيدة بين الكفر والسحر. فانظر إلى هذا الملك كان له ساحر، فهؤلاء الكفار استعانوا بهؤلاء السحرة. فلذلك لما كبر هذا الساحر قال للملك: «إني قد كبرت، فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر»، كأن هذا الملك لا يعيش ولا يستقر له ملكه إلا بوجود هذا الساحر. ولذلك اليهود ممن اشتهر بالسحر، وهكذا غيرهم من الكفرة، فإنهم يستعينون بالسحرة. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: فيه إثبات كرامات الأولياء، إثبات كرامات الأولياء. وهذا في عدة مواضع في هذا الحديث: الموضع الأول: في رمي الغلام الدابة التي اعترضت للناس بالحجر. إيش هذا الحجر؟ شيء لربما لا يؤثر في هذه الدابة، لكن لصلاح هذا الغلام أكرمه الله سبحانه وتعالى بهذه الكرامة، فماتت هذه الدابة ومضى الناس في طريقهم. ووجه آخر أيضاً من أوجه كرامات الأولياء في هذا الحديث، ألا وهي استجابة دعاء هذا الغلام. أخذ المرة الأولى إلى ذروة جبل، فارتجف الجبل لأنه دعا بهذا الدعاء: «اللهم اكفنيهم بما شئت»، فكفاه الله سبحانه وتعالى بأن رجف هذا الجبل حتى سقط هؤلاء الرجال الذين بعثهم الملك. وهكذا لما ذهب به في قرقور إلى البحر، قال: «اللهم اكفنيهم بما شئت»، هؤلاء الرجال، فمات أولئك الرجال وغرقوا، وأتى يمشي إلى الملك. هذه كرامة كذلك. وموضع آخر من مواضع كرامات الأولياء في هذا الحديث: لما قال هذا الغلام للملك: «إن أردت قتلي فخذ سهماً من كنانتي، واربطني على جذع، وادعُ الناس، وقل: بسم الله رب الغلام». ففعل ما قال له هذا الغلام، فلما رماه بهذا السهم ووقع في صدغه مات هذا الغلام. هذا أيضاً كرامة من كرامات الأولياء. فأهل السنة ما ينكرون الكرامات إذا ثبتت وصحت بالأسانيد الصحيحة، وممن هو مؤمن تقي. ليس معنى إثبات الكرامات أن يأتي فاجر فاسق تارك للصلاة، آكل لأموال الناس، ويقولون: فلان طار في الهواء، وفلان مشى على الماء، فهو ولي. لا، الله عز وجل يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فكل من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. ويقول الإمام الشافعي: «إذا رأيت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء، فلا تصدق دعوى ولايته حتى تعرض أعماله على الكتاب والسنة». والساحر ربما معه شياطين وجن يحملونه ويفعلون هذه الخوارق معه. لكن انظروا إلى عمله: هل هو من أهل الصلاح؟ هل هو من أهل التوحيد؟ هل هو من أهل المحافظة على الصلاة؟ هل هو من الأتقياء؟ فإن كان كذلك فنعم، هذه كرامة أكرمه الله، أكرمه الله سبحانه وتعالى بها. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: فيه أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه. فهذا الغلام مضطر، لأن قتله ليس فيه مصلحة في هذا الموضع بين أربعة أو ثلاثة من الرجال، فأراد أن يكون قتله في مجمع من الناس حتى يدخل الناس في الدين الحق، في عبادة الله سبحانه وتعالى. فلذلك اختار هذه القتلة، كما جاء في آخر الحديث. كما جاء في آخر الحديث. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «لأن هذا جهاد في سبيل الله»، يعني فعل هذا الغلام واختيار هذه القتلة. قال: «هذا جهاد في سبيل الله». آمنت أمة، آمنت بسبب هذا الغلام، وقتل هذا الغلام أمة، وهو لم يفتقد شيئاً، لم يخسر شيئاً. لماذا قال؟ لأنه مات وسيموت، آجلاً وعاجلاً، الموت لا بد منه. لكن هذه الموتة هي من خيرة الموت، إذ بسببه دخلت أمة في دين الله سبحانه وتعالى. فهذا من الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وبهذا انتهينا من هذا الحديث. الدرس القادم ننتقل إلى حديث آخر. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.