باب الصبر من رياض الصالحين 20

باب الصبر من رياض الصالحين 20

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 20، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل الصبر والاحتساب عند فقد الأحبة

يوضح الحديث القدسي أن جزاء المؤمن الذي يصبر ويحتسب عند موت من يحب هو الجنة، مبيناً معنى الصفي وشروط الأجر. ويؤكد أن جميع أفعال الله تعالى خير وحكمة حتى في المصائب.

الحكمة الإلهية في القدر والشر الظاهري

يستعرض المقطع قصصاً توضح أن ما يبدو شراً قد يكون خيراً مقدراً، كقصة المرأة التي صبرت على الصرع وقصة الشاب الذي نجا من حادث. ويبين أن الحكمة قد تكون خاصة بالمقدر عليه أو عامة للخلق، مستدلاً بالآية الكريمة.

أمثلة عملية على الحكمة في المقدّرات

يسرد المقطع حادث سيارة سبب هداية صاحبها، ومطر أضر بمنزل فرد ونفع الأمة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ويؤكد وجوب الصبر والاحتساب والرضا بقضاء الله لأن أفعاله كلها حكمة وخير.

خاتمة وحث على الصبر

يختتم المتحدث حديثه بدعوة الجميع إلى الصبر والاحتساب في كل موطن. ثم ينهي اللقاء بالشكر لله تعالى على توفيقه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «رياض الصالحين» في باب الصبر، الحديث الثامن: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: ما لعبد المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة». رواه البخاري. ومعنى هذا الحديث: هو من الأحاديث القدسية التي يضيفها نبينا عليه الصلاة والسلام إلى ربه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: ما لعبد المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه». يعني: إذا أمدت وأخذت صفيه. والصفي هو من يصطفيه الإنسان ويختاره، فيدخل في ذلك الولد والأخ والعم والأب والأم والأخت والصديق، كل من له معزة ومحبة في قلبك فهو صفيك. فبينما أنت تحب هذا الإنسان وتتأنس به، وكذلك تأنس به، فإذا بالله عز وجل يختاره ويقبضه ويميته، فلا شك أنه يبقى لوعة الحزن وكذلك الألم في نفسك. فإذا صبرت واحتسبت - لأنه جاء في هذا الحديث ذكر الاحتساب: قال: «ثم احتسبه» - فما جزاء هذا الصبر وهذا الاحتساب؟ الجنة. ما أعظمه من جزاء، وما أعظمه من إكرام من الله سبحانه وتعالى! لكن مقيد هذا بالصبر والاحتساب، أي: أن تحتسب الأجر، وأن تحتسب كذلك الفضل من الله سبحانه وتعالى. فهذا الحديث فيه دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا، وأن الله يجازي الإنسان إذا احتسب بالجنة، إنه جزاء عظيم وكبير من الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه دليل على فضل الله وكرمه على عباده. فالملك ملك الله، والأمر أمر الله، وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل. ومع ذلك إذا قبض الله هذا الصفي، صفي الإنسان، واحتسب، فإن له هذا الجزاء العظيم، فإن له هذا الجزاء العظيم. وهذا الحديث فيه فوائد أخرى، من فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أفعال الله، وذلك في قوله: «إذا قبضت صفيه». فلا شك أن الله فعال لما يريد، ولكن يجب أن نعلم وأن نوقن أن فعل الله كله خير، لا ينسب الشر إلى الله أبداً، والشر ليس إليك. وإذا وقع الشر إنما هو يقع في المفعولات المخلوقات، ولا يقع في فعل الله ولا في قدر الله، فإن فعل الله عز وجل كله خير، وإن كان ظاهره شراً بالنسبة للمخلوق. مثالاً على سبيل المثال: إذا قدر الله على الإنسان ما يكره، فلا شك أن ما يكره الإنسان بالنسبة إليه شر. قبض هذا الصفي قد يكون يعني ظاهره شر على هذا الإنسان الذي فقد صفيه، لكن الشر في هذا القدر لا في تقدير الله، في هذا المخلوق لا في فعل الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ أنه تقدم معنا أن هذا الإنسان إذا صبر واحتسب ما هو جزاؤه؟ الجنة. طيب، أنا أسألكم الآن: أيهما خير للإنسان؟ أن يبقى له صفيه والله أعلم أهو من أهل الجنة أو لا، أو أن يقبض صفيه فيحتسب ويصبر فله الجنة؟ أيهما أفضل؟ الثاني، لا شك. إذن الثاني هذا هو خير لهذا الإنسان، هو خير لهذا الإنسان. وسياتي معنا حديث المرأة التي كانت تصرع، هذا الصرع وهذا كذلك التكشف فيه أذية لهذه المرأة، فهو شر بالنسبة لها في ظاهره. لكن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال لها؟ قال لها: «إن شئتي إن شئتي دعوت الله لك، وإن شئتي صبرتي ولك الجنة». هيا، اختار واحد من اثنين: إما يبقى هذا الشر فيك لكن لك الجنة، وإما أن أدعو الله لك والجنة الله أعلم. فلا شك أن هذه المرأة عاقلة فاختارت ماذا؟ الثاني. قالت: يا رسول الله، غير أني أتكشف، فادعُ الله ألا أتكشف. فدعا الله لها، لكن الصرع لا يزال موجود. وهكذا في هذا الحديث: فأحياناً تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه، وأحياناً في الخلق على سبيل العموم. في المقدر عليه يعني في هذا الإنسان نفسه: قدر الله عليه شر، فهذا الشر قد يكون له خير عظيم. أذكر لكم قصة هذه واقعية لشخص أعرفه حق المعرفة، كان من أهل يعني العطيان، لا يصلي، ويعني يسأل الله السلامة والعافية. فكان ذات مرة منتظر سيارة في الموقف خارج الشحر، عند عمارت بسبوع، يريد الديس. كان الوقت متأخر، فمرت سيارة، مرت سيارة، فأشار إليها فما وقفت، ما وقفت له، مشت. فلطش هذا الشاب - وهو قد توفي رحمه الله على خاتمة حسنة - فما كان من هذا الشاب إلا أن سب ولعن صاحب هذه السيارة: لماذا لم يقف له؟ ثم جاءت سيارة أخرى وأشار وركب معها. فبينما هم على مشارف العيص في الطريق، إذا السيارة الأولى التي أشار إليها قد انقلبت، وقد توفي كل من فيها. انظر: لو ركب مع هذا الشخص لكان مصيره ماذا؟ مصيرهم، ميت في عداد الأموات. إذن هذا الفعل في ظاهره شر لهذا الإنسان لأن السيارة مرت له، لكن الله عز وجل أراد به خيراً. فلما حزر السيارة وعلم أنها السيارة التي مرت عليه، ما كان منه إلا أن قذف الله الهداية في قلبه، فصار من أهل الاستقامة بهذا الموقف، صار من أهل الاستقامة، وحسنت توبته، والحمد لله، صار من أهل الخير، من أهل الاستقامة. انظروا إلى مثل هذه الأقدار التي ربما يظن الإنسان أنها شر، لكن هي في الحقيقة خير. هذا بالنسبة للحكمة الخاصة في المقدر. وهذا فيه قصص كثيرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. أحياناً الإنسان يكون غافلاً عن النعمة، غافلاً في غفلة، فيأتيه موقف ينبهه، مثل التنبيه: يصاب في ماله، أو يصاب في ولده، أو يصاب في نفسه، فيرجع ويتوب ويتذكر ويبتعد عن الغفلة. في الحقيقة هذا الشر الذي وقع له هو خير له، هو خير له، كان سبباً في استقامته أو في توبته أو في رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا قد يكون هذا المقدر الحكمة فيه نفع الخلق، وإن كان فيه شر على فرد من الأفراد، لكن فيه نفع الخلق. مثاله: نزلت مطر، تضرر منها شخص، بيته كان من الطين، كان بيته تعبان، آيل للسقوط، فسقط بيته بسبب هذا المطر. لكن هذا المطر انتفعت به أمة، أحييت به البلاد، نبت به الزرع، استفاد منه الناس، أمسكت الأرض هذا الماء، فصار نفع هذا الغيث عاماً للناس، وإن كان فيه ضرر على هذا الفرد. وقد يكون هذا الضرر خيراً أيضاً لهذا الإنسان، فربما يرحمه الناس، يبنون له بيت طيب، يقولون: هذا الشخص منكوب. حتى الدولة تفعل هذا مع بيت تعبان: تأتي مطر وتذهب بعض البيوت، يقولون: عوضوهم ببيوت طيبة. إذن هذا خير أو شر؟ لا، هذا خير، حصّل البيت جديد. فلا تعترض على أقدار الله، وعلم أن الله عز وجل هو الذي يدبر أمرك، وما تدري أين الخير لك. فإذا صبرت واحتسبت فلك أجر عظيم، ولك كذلك فضل كبير من الله سبحانه وتعالى. فهذا حديث عظيم يحثنا جميعاً على الصبر والاحتساب والرضا بما قدر الله سبحانه وتعالى، وأن نعلم أن الشر إذا وقع إنما يقع في المفعولات والمخلوقات، وأما فعل الله عز وجل فليس فيه شر. فما من فعل ولا من حكم يحكم به الله سبحانه وتعالى إلا وفيه حكمة، وفيه خير، علمه من علمه وجهله من جهله. فهذا يحثنا جميعاً على الصبر. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى شكراً.