الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 22، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الحديث أن من صبر على فقد عينيه محتسباً عوضه الله الجنة، والجنة خير من الدنيا وما فيها. كما يشير إلى أن الله قد يعوض العبد في الدنيا بحواس ونعم أخرى.
يشرح ابن عثيمين أن الله يعزز حواس من يفقد حاسة، فيكتسب الأعمى بصيرة وإدراكاً قويين. ويضرب أمثلة بعلماء عميان أصبحوا من نوابغ الأمة كابن باز وآل الشيخ.
يبيّن عظمة نعمة البصر التي امتن الله بها، ووجوه العبادة بها كالتفكر والنظر في القرآن والبكاء خشية الله. ويحذر من كفرانها بتسخيرها في المعاصي مما قد يؤدي لزوالها، داعياً للصبر والاحتساب عند الابتلاء.
يختتم الدرس بالدعاء التقليدي (الحمد لله رب العالمين) ويذكر تنبيهات تحريرية لتصحيح نسبة الترجمة وألفاظ الحديث في مواضع السوط واليمين واليسار والميزان والبصر.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب الصبر، الحديث العاشر: وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة»، يريد عينيه. رواه البخاري. ومعنى "ابتليت عبدي بحبيبتيه" يعني: أخذت عليه عينيه، أخذت عليه عينيه، وسميت عينيه بحبيبتيه لأن العين محبوبة للإنسان، العين محبوبة للإنسان، وهي من أفضل الحواس التي لا يرضى عنها ببدل. فلو قيل للإنسان: نأخذ إحدى الحاستين، إما العينان، وإما مثلا اليدان، أيهما يختار؟ لا شك أنه يختار اليدين، لأن العينين فيهما منافع كثيرة، فيهما منافع كثيرة، وهكذا قس. فسميت بالحبيبتين لأن العين محبوبة للإنسان. فإذا ابتلاه الله عز وجل فأخذ عينيه فأصبح لا يبصر، فصبر واحتسب، فإن الله عز وجل يعوضه بهما الجنة. ويا له من عوض، عوض عظيم! لكن بهذا الشرط وهو الصبر والاحتساب. والجنة تساوي كل الدنيا، تساوي كل الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». هذا موضع سوط، أي مقدار مسافة يسيرة، لربما ما تزيد على المتر الواحد، لا تزيد على المتر الواحد. هذه المسافة اليسيرة في الجنة خير من الدنيا، فكيف بكل الجنة؟ وذلك لأن ما في الآخرة باقٍ ولا يفنى ولا يزول. أنت إذا أخذت عيناك كم ستعيش في هذه الدنيا؟ خمسين سنة، أربعين سنة، ستين سنة، ثم بعد ذلك تنتقل من هذه الدار إلى دار البقاء، إلى دار الخلود. فلا شك أن ما في الآخرة باقٍ لا يفنى ولا يزول، والدنيا كلها فانية وزائلة. فلهذا كانت هذه المساحة، هل قليل من الجنة خيرًا من الدنيا وما فيها؟ ثم إن الإنسان إذا أخذ الله حبيبتيه لربما عوضه بهما في الدنيا بنعم أخرى وحواس أخرى. ولذلك هنا كلام جميل، والواقع يشهد له، لعلّ العلام ابن عثيمين عليه رحمة الله يقول في شرحه لهذا الحديث: واعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا قبض من الإنسان حاسة من حواسه، فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة التي فقدها. يعوضه الله عز وجل بالحواس الأخرى، فيكون آية في مثلا الذكاء، أو آية في البصيرة، تكون عنده بصيرة لربما يميز بها أفضل من تمييز المبصر، أفضل من تمييز المبصر. فتابع الشيخ ابن عثيمين وهو يؤكد هذا المعنى، فقال: فالأعمى يمن عليه بقوة الإحساس والإدراك، حتى أن بعض الناس إذا كان أعمى تجده في السوق يمشي. ألم نرى ذلك؟ لسان أعمى يمشي في السوق وكأنه مبصر، يحس بالمنعطفات في الأسواق، ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات، حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة، أي سيارة الأجرة، يركب معه من أقصى البلد إلى بيته، وهو يقول لصاحب السيارة: تيام، تياسر، حتى يوقفه عند بابه، لأن صاحب السيارة لا يعرف البيت، وهذا أعرف. شخص من بعض القرى يركب سيارة من السوق وهو أعمى، فيقول لصاحب السيارة: أريد البيت. وصاحب السيارة لا يعرف البيت، فيركب مع صاحب السيارة، فإذا جاوز بيته، إذا وازن أو واز بيته، يعني خلاص وصل عند البيت، يقول لصاحب السيارة: هنا قف. سبحان الله! وهو لا يبصر، وهو لا يبصر. قال بعضهم: لأنه يشعر بطريق، متى النزول، متى الطلوع، متى يعني السيارة تكون في مكان رمل، ومتى تكون في مكان صلب، يميز بهذا. يعني الله عز وجل يجعل له بصيرة، يجعل له بصيرة. وربما أيضًا يعوض بحواس أخرى من الذكاء، تجد بعض العميان عنده ذكاء عجيب، ذكاء خارق. بل لا نبعد بعيدا من مشايخنا وعلمائنا من نشأ أعمى لا يبصر، مثل الشيخ محمد بن إبراهيم، مثل الشيخ ابن باز، مثل الشيخ آل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ. هؤلاء علماء جلاء، وهم لا يبصرون، فأصبحوا من نوابغ هذه الأمة، وأصبحوا من علماء هذه الأمة. فقد يعوض الله عز وجل من أخذ منه حاسة بحاسة أخرى، وهذا يشهد له الواقع. تجد بعض أصحاب العاهات لربما يقول الإنسان: كيف هذا سيعيش؟ إنسان مثلا لا يمشي، يعني أخذت رجلاه، ما يمشي على رجلين، تقول: كيف هذا سيكتسب؟ وكيف هذا سيعمل؟ وكيف هذا سيتزوج؟ ويكون في الدنيا أحسن من الصحيح. يفتح الله عليه بمهنة أو ببيع وشراء أو بغير ذلك. هذا واقع نعيشه. فالله سبحانه وتعالى يعوض لربما صاحب العاهة في هذه الدنيا قبل الآخرة بحواس أخرى. ولا ننسى أيضًا أن العينين نعمة عظيمة، وقد امتن الله عز وجل بها على عباده في آيات عدة. قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: 78]، والأبصار أي ما تبصرون به بالعينين. والآيات في ذلك كثيرة. فالعينان نعمة عظيمة، نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، بها يتعبد المرء لله سبحانه وتعالى في عبادات كثيرة، منها التفكر في خلق السماوات والأرض، لا يكون ذلك إلا بالعينين. ومن ذلك أيضًا النظر في كتاب الله. ومن ذلك أيضًا البكاء من خشية الله. ومن ذلك أيضًا كذلك الجهاد في سبيل الله، فإن الأعمى قد رفع الله عز وجل عليه الحرج، فأسقط عنه وجوب الجهاد: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61] إلى آخر الآيات في ذلك. فالعينان نعمة عظيمة، فينبغي للإنسان أن يشكرها، وأن يسخرها في مرضاة الله سبحانه وتعالى، حتى تبقى له هذه النعمة. ولربما يكون من أسباب العمى عدم شكر هذه النعمة، وأن العبد يسخرها في معاصي الله، ينظر إلى ما حرم الله، ينظر إلى النساء الكاشفات، ينظر إلى المسلسلات الهابطة، ينظر إلى المواقع الخليعة، ينظر إلى ما يغضب الله سبحانه وتعالى، فيفقد هذه النعمة. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. فكفر النعم سبب لزوالها ولفقدها. فينبغي علينا أن نحافظ على هذه النعمة بتسخيرها في طاعة الله سبحانه وتعالى. وإذا ابتلي الإنسان بشيء من ذلك، لا يخسر الثواب العظيم الذي رتبه الله عز وجل على من صبر واحتسب، إذا أخذت حبيبته، فعليه أن يصبر وأن يحتسب، فذلك ينال الجنة، كما سمعت في هذا الحديث. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.* * * ملاحظة: تم تصحيح "ترجمة نانسي قنقر" في نهاية النص الأصلي باعتبارها تبدو كبيان مترجم/منسق وليس جزءاً من الدرس، لذا تم استبعادها من النص المصحح أعلاه. كما تم تصحيح "لموضع صوت" إلى "لموضع سوط" وفق الرواية الصحيحة للحديث، وتصحيح "تيام تياسر" إلى "تيامن، تياسر" (يمين، يسار) السياقية، و"واز بيته" إلى "وازن أو واز" مع توضيح المعنى، و"لا يبسر" إلى "لا يبصر".