الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 23، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استهل الشيخ بحديث المرأة السوداء التي خيرها النبي ﷺ بين الشفاء والصبر على الصرع مع كفالة الجنة، فاختارت الصبر وسألت الستر، ثم بين أن الشهادة بالجنة نوعان: عامة للمؤمنين المتقين، وخاصة بأعيان نص عليهم الشرع كالعشرة المبشرين وعبد الله بن سلام وبلال رضي الله عنهم.
فصل الشيخ في أنواع الصرع إلى عضوي يعالج بالطب، وجني يعالج بالقرآن والرقية الشرعية مستدلاً بآية البقرة، وساق قصة ابن تيمية مع متلبس به جنية حيث خاطبها بالأمر بالخروج طاعة لله فضرب المصروع ضرباً شديداً لم يحسه حتى خرجت.
فصل في سرد قصة المرأة السوداء التي كانت تصرع فتتكشف عورتها بلا إرادة، فلجأت للنبي ﷺ فخيرها بين الدعاء بالشفاء أو الصبر ونيل الجنة، فاختارت الصبر وسألت فقط أن لا تتكشف، فدعا لها بذلك، وضرب ابن عباس بها مثلاً للمرأة من أهل الجنة محذراً من تفريط نساء اليوم في كشف الزينة.
اختتم الشيخ بالتأكيد على أن جزاء الصبر هو الجنة مستدلاً بالحديث النبوي، مبيناً فضل الصبر العظيم، ومختتماً بالاكتفاء بهذا الدليل والله أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، وفي باب الصبر، الحديث الحادي عشر: وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟» فقلت: بلى. قال: «هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف، فادعُ الله تعالى لي. قال: إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله تعالى أن يعافيك. فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف، فادعُ الله ألا أتكشف. فدعا لها». متفق عليه. هذا الحديث معناه أن ابن عباس جزم في الجنة لهذه المرأة السوداء، امرأة من عامة الناس لا قيمة لها في المجتمع، لا قيمة لها في المجتمع، ومع هذا فقد شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. وهذا نستفيد منه أن أهل الجنة من حيث الشهادة ينقسمون إلى قسمين: قسم نشهد لهم بالجنة بأوصافهم، فقد أخبرنا ربنا عز وجل أن الجنة أعدت للمتقين، وأعدت للمؤمنين العاملين الصالحات، فهذا على سبيل العموم نشهد به لكل مؤمن، ولكل كذلك متقٍ لله سبحانه وتعالى. لكن لا نقول: فلان وفلان في الجنة بأعيانهم، لأننا لا ندري ما يختم له، ولا ندري هل باطنه كظاهره، فهذا لا يشهد له بعينه، وإنما على سبيل العموم بالأوصاف. هذا القسم الأول. والقسم الثاني: من نشهد لهم بالجنة بأعيانهم، فلان في الجنة وفلان في الجنة. ومعتقد أهل السنة والجماعة أن أهل السنة لا يشهدون لأحد بالجنة بعينه إلا من شهد له الله عز وجل، أو شهد له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنشهد، فنشهد مثلاً أن العشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام. هؤلاء العشرة في الجنة، وجاء ذكرهم في حديث واحد. وهكذا مثل ثابت بن قيس بن شماس، أو شماس، كما في قوله تعالى: ﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة، فقال: «لستَ من أهل النار، بل من أهل الجنة». وهكذا نشهد لعبد الله بن سلام، وبلال بن رباح. هؤلاء شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأعيانهم. ومن هؤلاء هذه المرأة السوداء، كما جاء في هذا الحديث، وكما قال ابن عباس لعطاء: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟». وهذه المرأة كانت تُصرع، كانت تُصرع، أي يذهب عقلها وترمى في الأرض تُصرع. والصرع نعوذ بالله منه ينقسم إلى قسمين: صرع بسبب مرض عضوي، بسبب تشنج الأعصاب، وهذا يمكن أن يعالج من قبل الأطباء بإعطاء بعض العلاجات والعقاقير ونحو ذلك. وقسم آخر يُصرع بسبب الشياطين والجن، بأن يتسلط الجن على الإنس فيصرعه، ويدخل فيه، ويضرب به على الأرض، ويقمع عليه من شدة الصرع، ولا يحس هذا المصروع، فيتلبس به هذا الجن. وهذا النوع من الصرع علاجه بالقرآن، وبالأذكار، والرقية الشرعية، والرقية الشرعية. وصرع الجن للإنس هذا ثابت بالقرآن والسنة. قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾ [البقرة: 275]، مِنَ الْمَسِّ. والسنة: هذا الحديث يحتمل أن هذه المرأة تُصرع بسبب تشنج الأعصاب، أو بسبب المس. كذلك وردت بعض الأحاديث الأخرى في هذا المعنى، والواقع يشهد له. بل قد ذُكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك عن تلميذه، أنهم كانوا يخاطبون الجن في إنس قد تلبس به هذا الجن. وقد مرت معنا قصة شيخ الإسلام مع تلك المرأة التي كانت تُصرع، أو رجل كان يُصرع، فجعل شيخ الإسلام يقرأ عليه ويخاطبه، ويقول له: «اتق الله، اخرج»، أو يقول: «اتق الله، اخرجي»، لأن هذا الجن هو أنثى جنية تلبست بهذا الرجل، فتقول هذه المرأة: «إني أريد هذا الرجل وأحبه»، فيقول لها شيخ الإسلام: «لكنه لا يحبك، اخرجي». وهكذا يخاطبها. ثم قالت له: «إني أريد أن أحج به»، فيقول لها شيخ الإسلام: «هو لا يريد أن تحج به، اخرجي». فأبت، فجعل يقرأ عليها ويضرب الرجل ضرباً عظيماً شديداً، حتى أن يد شيخ الإسلام أوجعته من شدة الضرب. فقالت هذه الجنية: «أنا أخرج كرامة للشيخ». فقال لها شيخ الإسلام: «لا تخرجي كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله، رسوله». فلم يزل بها حتى خرجت. فلما استيقظ هذا الرجل، جاء إلى حضرة الشيخ، وقالوا له... فلما حس هذا الرجل وجد نفسه أمام شيخ الإسلام، فقال: «ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ؟» قالوا: سبحان الله، ما أحسست بالضرب الذي كان يضربك، أشد ما يكون. قال: «ما أحسست بالضرب، ولا أحسست بشيء». والواقع يشهد بذلك، ومن يعالج المرضى الممسوسين يعرف ذلك، والناس يعرفون ذلك، فالواقع يشهد له. فهذه المرأة السوداء كانت تُصرع، بغض النظر هل هو من النوع الأول أو الثاني، ولكن مع صرعها هذا كانت تتكشف، بمعنى تظهر عورتها، لأنها لا تشعر ولا تعي. فمن شدة غيرتها وحفظها وصونها لعرضها، فإن هذا الأمر أزعجها وآلمها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فطلبت منه أن يدعو الله أن يشفيها، وأن يذهب ما بها من صرع. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتِ بالخيار، إن شئتِ دعوتُ الله لك، وإن شئتِ صبرتِ، ما أدعو الله لك، صبرتِ على هذه الحال، فهو ابتلاء من الله عز وجل، ولكِ الجنة، تكوني من أهل الجنة». انظروا إلى هذا العرض، المرأة متألمة جداً من هذا الصرع، لكنها لما عُرضت عليها جنة عرضها السماوات والأرض، آثرت هذه الجنة على ما تلاقي من شدة وألم هذا الصرع، فقالت: «بل أصبر، بل أصبر يا رسول الله، أريد الجنة، أصبر على ذلك». ثم قالت: «ادعُ الله ألا أتكشف». فيبقى الصرع، لكن لا أتكشف. فدعا الله عز وجل لها ألا تتكشف فقط. فإذا نالت ما وعدها به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصارت من أهل الجنة. ولذلك كان ابن عباس يقول لعطاء: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟». وفي هذا الحديث شدة تحرّز هذه المرأة، مع أنها معذورة في هذا التكشف، أنه ليس بإرادتها، ليس بإرادتها، ومع هذا فإن هذا الشيء آلمها وأزعجها. فانظروا اليوم إلى نساء المسلمين، هي التي تتعمد كشف عورتها، تلك كشفت شيئاً من ساقيها، وتلك كشفت شيئاً من وجنتيها ووجهها، وتلك كشفت شيئاً من ساعديها وكفيها، متعمدة، بل وربما زينت يديها أو رجليها بذهب أو فضة أو نقش، وأظهرته للرجال من تلقاء نفسها. وهذه المرأة تتكشف من غير إرادتها، ومع هذا فإن هذا الأمر أزعجها، وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كي تحفظ، وكي كذلك تستر عورتها. فينبغي للمرأة أن تحافظ على عفتها، وعلى كرامتها، وأن تحفظ زينتها، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ [النور: 31]. ووجه الشاهد من هذا الحديث في فضل الصبر: صبر هذه المرأة عن ذلكم الصرع الذي تتأذى منه، رجاء أن تنال جنة الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه أن جزاء الصبر الجنة، أن جزاء الصبر الجنة، ففيه فضل عظيم للصبر، كما هو ظاهر وواضح من هذا الحديث. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.