باب الصبر من رياض الصالحين 24

باب الصبر من رياض الصالحين 24

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 24، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

صبر الأنبياء على أذى أقوامهم ودعاؤهم بالمغفرة

يروي عبد الله بن مسعود أن نبياً ضُرب وأُدمي فمسح الدم عن وجهه ودعا لقومه بالمغفرة لجهلهم، ويبين الشارح أن قصص الأنبياء تُذكر لتقوية الصبر والحلم في الدعوة. الاقتداء بصبرهم يُعدّ منهجاً للدعاة في مواجهة الأذى.

صبر النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه لقومه عند الأذى

سلى الله نبيه بآيات تذكر صبر الرسل السابقين، وبرز موقف النبي عند سفك دمه حيث مسح الدم ودعا لقومه بالمغفرة لعلمهم. هذا الموقف يجسد غاية الصبر والرحمة في الدعوة.

صبر الداعية على الأذى وفضل الصبر على الدعوة

طريق الدعوة ملازم للابتلاء والأذى، وصبر الداعية واستمراره دليل صدقه وإخلاصه وهدفه هداية الخلق إلى الجنة. الصبر يرفع الدرجات ويكفر السيئات ويجعل الداعي من أتباع الأنبياء كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصبر، الحديث الثاني عشر: وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". متفق عليه. ومعنى هذا الحديث: أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يخبرنا بهذا الأسلوب الذي فيه ضبط للخبر والحديث، فكأنه يقول: إنني ضابط ومتقن لنقل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم لما يخبرنا عن الأمم السابقة، سواء كان عن الأنبياء أو عن أقوامهم، إنما يخبر بذلك من أجل أخذ العبرة والعظة. فقد قال الله عز وجل بعدما ذكر جملة من الأنبياء: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: 90]، فبهداهم اقتده. فالعبرة من ذكر هذه الأخبار عمن سبق من أجل أخذ العبرة والعظة والقدوة الحسنة. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخبر عن نبي من الأنبياء ممن سبقه، ضربه قومه. لماذا ضربوه؟ هل أخذ أموالهم؟ هل انتهك أعراضهم؟ هل سفك دماءهم؟ لا والله، وحاشى لأنبياء الله ورسله أن يفعلوا هذه الأفعال. وإنما ضربه قومه لأنه دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، دعاهم إلى الحق، دعاهم إلى الهدى، فعارضوه وكذبوه. وهذا فيه دليل، وهو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث في هذا الباب: أن ورثة الأنبياء ينالهم ما نال الأنبياء. فالأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه أوذوا، أوذوا بالقول والفعل، وربما بلغ الأمر إلى قتلهم، ومع هذا صبروا وتحملوا في سبيل نشر دين الله سبحانه وتعالى. وقد سلى ربنا نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام: 34]، وقوله: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأنعام: 35]، فلا تكونن من الجاهلين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه: هذا كما يقول الشيخ العثيمين رحمه الله غاية ما يكون من الصبر، غاية ما يكون من الصبر. لأن الإنسان لو ضرب على شيء من أمور الدنيا لاستشاط غضباً وانتقم ممن ضرب، وربما صارع من ضرب وقاوم من ضرب. وهذا يدميه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه، بل ويدعو لهم، يدعو لهم بالمغفرة. وهذا فيه رحمة الأنبياء بأقوامهم، يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، فإنهم لا يعلمون. انظر: لا يعلمون ما عليه هذا النبي من الحق ومن اليقين ومن الهدى، فلجهلهم ولعنادهم كان هذا الرد منهم تجاه هذا النبي. فهذا فيه أن هذه الطريق وهذه الدعوة لا يجدها الداعي مفروشة بالورود ولا مكللة بالزهور، بل لا بد فيها من الابتلاء، لا بد فيها من الأذى، سواء كان هذا الأذى باللسان، فيرميك بعض الجهلة وبعض كذلك المعارضين لدعوتك إما بالكذب وإما بالجهل وإما بالسرقة وإما بالتلصص، وإما وإما. فهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رموه بالكذب، ورموه بالجنون، ورموه بالسحر، وغير ذلك مما ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث: أن المؤمن يصبر، لا سيما الداعي إلى الله عز وجل، مهما بلغ به الأذى من قبل من يدعوهم، سواء كان باللسان أو بالفعل. قد ترمى بالحجارة، وهذا قد يقع في بعض المواضع أو في بعض المواطن أو في بعض المجتمعات، وقد تسجن، وقد كذلك تضرب من أجل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا الحديث يدعو ورثة الأنبياء خصوصاً إلى الصبر وإلى الرحمة. ماذا يريد الداعي إلى الله عز وجل حين يتعرض لأذى الناس؟ يريد هداية الخلق، يريد أن يدخل الناس في جنة الله سبحانه وتعالى، يريد أن يكون الناس على الخير وعلى الهداية. هذا الذي يقصده وهذا الذي يدعو إليه، فلذلك لأنه يرجو ما عند الله سبحانه وتعالى يصبر. وهذا من علامة الصادق، الصادق في دعوته، لا تثنيه هذه الارتياءات ولا هذه كذلك الأمور التي يلاقيها من المعارضين لدعوته، لا تثنيه هذه الأشياء عن المضي وعن الاستمرار في دعوته. وليقرأ في سيرة الأنبياء، وفي سيرة من بعدهم من العلماء والدعاة إلى الله عز وجل: منهم من قتل، ومنهم من طرد، ومنهم من سجن، ومنهم ومنهم، ومع هذا ثبتوا واستمروا في دعوة الناس إلى الخير. فهذا الحديث فيه الصبر على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الطريق رفعة لصاحبه، فإنه سبب برفعة درجاته وتكفير سيئاته، وهكذا سبب لرضى الله سبحانه وتعالى عنه، وهو سالف طريق الأنبياء والمرسلين. قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ [يوسف: 108]. فالدعاة إلى الله عز وجل هم أتباع الأنبياء والمرسلين. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.