الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن الطاعون رحمة للمؤمنين وعذاب على الكافرين، فمن مكث في بلده صابراً محتسباً عالماً بأن ما يصيبه بقضاء الله نال أجر الشهيد. ويؤكد أن الأمراض لا تقتل بذاتها بل بقدر الله، مستشهداً بحديث «لا عدوى ولا طيرة» وبفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
استشار عمر بن الخطاب المهاجرين والأنصار ومشيخة قريش في أمر الطاعون فاتفقوا على الرجوع، وأيد ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الدخول في أرض الطاعون والخروج منه فراراً. كما استدل بآيات قرآنية تؤكد أن الفرار من الموت لا يغني عن قدر الله، وأن الصبر عند نزول الوباء يورث أجر الشهيد.
يختتم المتحدث المقطع بالدعاء للجميع بالصبر والاحتساب عند الله تعالى، ويشير إلى انتهاء الحديث مع تفويض العلم لله سبحانه وتعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب الصبر، الحديث التاسع: وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد. رواه البخاري. ومعنى هذا الحديث: يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعون كان في الأمم السابقة عذاباً يرسله الله عز وجل عليهم. والطاعون: وباء، قيل: قروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق والآباط أو الأيدي أو سائر البدن، ويكون معه ورم وألم شديد. وسُمّي طاعوناً لسرعة قتله وانتشاره وعدوته. وقيل: إن الطاعون هو اسم عام لكل داء يصيب الناس ويموت الناس منه، فيشمل ذلك الأوبئة كالحميات الشديدة أو الكوليرا أو غيرها من الأمراض المنتشرة في هذه الأزمان التي تتنقل وتنتشر وتؤدي إلى الوفاة الجماعية، يموت ناس كثير بسبب هذا الداء، فهو يدخل في معنى الطاعون. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يقول: إنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين. سبحان الله! قد يقول قائل: ألم ومرض وموت، ومع هذا يكون رحمة؟ كما مر معنا في الحديث المتقدم: إن فعل الله عز وجل كله خير، كله خير. فالإنسان إذا ابتلي بشيء من هذه الأمراض فصبر واحتسب، فله أجر عظيم من تكفير السيئات ومن غيرها. وفي هذا الحديث جاء: أن من مكث في بلده، جاء مرض في البلد التي هو فيها، هذا الطاعون، فمكث، جلس في هذه البلد صابراً محتسباً. وكثيراً ما يقرن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة بين الصبر والاحتساب، الصبر والاحتساب. فمن صبر واحتسب، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له... المرض ما يقتل أحداً، ولكن إذا وقع ذلك فهو بقدر الله. ولذلك قال هنا: "يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له". كم من أمراض معدية يختلط ناس بهؤلاء المرضى ولا يصابون بشيء، لا يصابون بشيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة». ومعنى «لا عدوى»: أي بذاتها، وإنما تنتقل بمشيئة الله سبحانه وتعالى. فالمؤمن لربما يخالط المرضى، ومع هذا لا يصاب، لا يصاب بشيء من هذه الأمراض، لا يُعدي شيئاً شيئاً، لا يُعدي شيئاً. فالجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة» يعني: لا عدوى بذاتها، وإنما هي بمشيئة الله عز وجل. وما جاء في إثبات العدوى فيحمل على العدوى التي شاءها الله سبحانه وتعالى، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى الأول؟». فلذلك، النبي صلى الله عليه وسلم يقول في هذا الحديث: «يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له». ما هو أجر هذا الصبر والاحتساب؟ «إلا كان له مثل أجر الشهيد». ما هو أجر الشهيد؟ أجر كبير وعظيم، الذي قتل في سبيل الله. فالذي يصبر ويحتسب في بلده عند نزول مثل هذه الأدواء، فله أجر الشهيد، فله أجر الشهيد. وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث في ذكره في باب الصبر، في ذكر الإمام النووي له في باب الصبر: أن من صبر واحتسب نال هذا الأجر العظيم. ففيه فضل الصبر والاحتساب، فيه فضل الصبر والاحتساب. وقد جاءت أحاديث أخرى، وقد أثبتها الطب الحديث: أن البلد التي يقع فيها الطاعون، فالسنة أن لا يدخل أحد من خارجها، وأن لا يخرج أحد منها؛ الذي فيها يبقى فيها، والذي خارج منها يبقى خارجاً منها. وهذا وقع لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، خرج بالجند يريد الشام، فجاء أبو عبيدة بن الجراح وأخبره أن الشام موبوءة، وأن فيها الطاعون، فتحير عمر في أمره: هل يذهب ويواصل ويدخل الشام، أو يرجع بالجند؟ فما استطاع أن يفصل في هذا الأمر، فشاور الصحابة، شاور الصحابة. فقال: «ائتوني بالمهاجرين». فجاء المهاجرون، فاختلفوا فيما بينهم، من قائل: نرجع، ومن قائل: نقدم. فلما رأاهم قد اختلفوا، قال: «قوموا عني». قال: «ادعوا لي الأنصار». فجاء الأنصار، وسلكوا مسلك المهاجرين، اختلفوا، منهم من يقول: نقدم، ومنهم من يقول: نرجع. فقال: «قوموا عني». ثم قال: «ادعوا لي مشيخة قريش من مهاجرة الفتح». فجاءوا، فاتفقت كلمتهم على الرجوع، أنهم يرجعون. فاطمأن عمر لهذا، فرجع بالجيش. فقال أبو عبيدة لعمر: «أفراراً من قدر الله؟» فقال له عمر: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، نفر من قدر الله إلى قدر الله». ثم جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله رضي الله تعالى عنه، وكان غائباً، وكان غائباً في بعض حاجته، ما شهد هذه المشورة، فجاء، فلما سمع بما وقع، قال: «إن عندي في ذلك علماً». هكذا يقول عبد الرحمن بن عوف: «إن لي في ذلك علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إذا سمعتم به -أي الطاعون- بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه». فلما سمع عمر ذلك، حمد الله، ثم انصرف. أي أن مشورة مشيخة قريش من مهاجرة الفتح كانت صواباً، موافقة لحديث وسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد ورد إشارة إلى هذا الحكم في القرآن، في قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. فقد ذكر بعض المفسرين أنه نزل في الأرض وباء، الذين هلكوا فيها، نزل فيها وباء، فخرجوا منها خوفاً من الموت، فقال لهم الله: «موتوا»، فماتوا، ثم أحياهم، حتى يتبين لهم أنه لا مفر من الله إلا إليه. الفرار من الموت لا ينجيك منه إذا أراد الله عز وجل موتك، كما قال الله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. فالحاصل من هذا: أن من فضل الصبر، من احتسب وصبر عند نزول الأدواء والأمراض، فله أجر الشهيد، كما سمعت في هذا الحديث. فلا شك أن هذا فضل عظيم من فضائل الصبر. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصبر والاحتساب. إلى هنا، والله تعالى أعلم.