شرح لمعة الاعتقاد 18

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 18، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الإيمان بالغيب وأشراط الساعة وعذاب القبر والبعث

يؤكد المقطع وجوب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الغيب كأشراط الساعة وعذاب القبر والبعث. ويستعرض أمثلة مثل الإسراء والمعراج وخروج الدجال ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها.

وجوب الإيمان بالأخبار الصحيحة والرد على المعتزلة

يقرر وجوب التسليم لكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء متواتراً أو آحاداً، ويرد على المعتزلة والعقلانيين الذين يقدمون عقولهم على الوحي. ويبين أن عدم إدراك الكيفية لا يسوغ رد الخبر الثابت كصفات الخالق وأنهار الجنة.

أهمية دراسة صفات الله وأمور الغيب في التأصيل العلمي

يشدد على ضرورة تصديق المسلم لصفات الله عز وجل وحقائق الغيب كأساس للتأصيل العلمي الراقي. ويختتم بالإشارة إلى استكمال الدرس بعد الصلاة القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا إتمام لبعض الدروس التي بقي منها بعض الفصول المهمة، ونحن نقرأ في كتاب "لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد" للإمام شيخ الإسلام أبي محمد موفق الدين بن قدامة رحمه الله، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة. بقيت بعض الفصول اليسيرة في خاتمة الكتاب، وقد سبق التنبيه على أن هذه المتون المختصرة فيها أصل العلم النافع، وما خرج عنها من المسائل والفروع قليل يسير. فمن ضبط هذه المتون واعتنى بها وتفهم معانيها وضبط مقاصدها نال العلم النافع، وصار من أهله المحققين ومن علماء السنة البارزين. فالعناية بهذه المتون على صغرها عادة العلماء، فهم لا يستكبرون عن قراءتها، ولا يأنفون من مطالعتها، ولا يجعلون العلم الخارج عنها أو لا في عنايتهم من العلم الموجود فيها. كانوا يعتنون بها دراسة وقراءة وتأملا وتدبرا، يتأملون فيها وفي مسائلها. والعلم أصله التلقي، يتلقى أهل العلم عن من سبقهم، يطلبون عنهم، وهكذا إلى زمان الصحابة رضي الله عنهم في سماع متصل ورواية ثابتة تامة. هذا أصل العلم. ويوجد أيضا القراءة والبحث والمطالعة وقراءة كتب الأئمة، فيها علوم غزيرة، إلا أن أصل العلم هو التلقي كما تقدم. فينبغي العناية بمثل هذه الكتب، العناية بمثل هذه الكتب والمتون من عادة أهل العلم، يعتنون بها ويتفهمون ألفاظها، فهي تحوي أكثر العلم، أكثر مسائل العلم. وكنا في الفصل، قال رحمه الله تعالى وغفر له: "فصل: ويجب الإيمان بكل ما جاء، بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه أو لم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا منام، فإن قريشا أنكرته وأكبرته، ولم تكن تنكر المنامات. ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه تعالى فرد عليه عينه. ومن ذلك أشراط الساعة، مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل. وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر وأمر به في كل صلاة. وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون". هذا الفصل الذي قرأنا جزءا منه فصل عظيم جليل، فيه الرد على المعتزلة، وعلى من يسمون في عصرنا مبالغة بالعقلانيين، الذين يردون بعقولهم زعم ما يجهلونه من نصوص الوحي أو ما يستشكلونه، فهم بعقولهم يردونه. فهذا الفصل ردٌ على المعتزلة وعلى أذنابهم العصرانيين العقلانيين، الذين يقدمون العقل على الوحي، فإذا خالف العقل الوحي في نظرهم وعلى مستوى عقولهم، أو استشكلوا أمرا من أمر الوحي ردوه بعقولهم. يقول المصنف رحمه الله: "فصلٌ ويجب الإيمان"، هذا أمرٌ واجب، من تركه فإما أن يكون كافراً، وإما أن يكون جاهلاً، وإما أن يكون مبتدعاً، وهو على أي حال في خطرٍ عظيم. "يجب" هذا أمرٌ ليس من الأمور التي يسع فيها الترك. "ويجب الإيمان" وهو الإقرار والتصديق والتسليم بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه. كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بإسناد صحيح ثابت فلا يجوز رده، ولا الاعتراض عليه، ولا تحريفه، والواجب الإيمان به قبولاً له وإيماناً بمحتواه وتسليماً له وتصديقاً به، لا نجحد شيئاً من ذلك ولا نرده. قال رحمه الله: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصح به النقل عنه". يخرج عن هذا القيد في قوله رحمه الله "وصح به النقل عنه" ما لم يصح إسناده، وما أنكره علماء الحديث وإن صح إسناده، وما كان شاذاً أو معللاً بعلة قادحة خفية أو جلياً، فكل ذلك خارج عن مسألتنا. يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه، سواء كان آحاداً أو مشهوراً أو عزيزاً أو متواتراً، يجب الإيمان والتسليم، يجب الإيمان والتسليم. "فيما شاهدناه" أي مما يدل على صدقه المشاهدة ورأيناه وعلمناه بالمشاهدة، كأخبار الغيب التي تنقل فيشاهدها المؤمن، كخروج نار مثلاً سنة خمسمائة وستة وسبعين في بلاد المدينة في حرتها، نار صعدت إلى السماء حتى رآها أهل الشام، فيها حديث في صحيح مسلم. مع هذا في القرن السادس شاهد الناس بأبصارهم هذه العلامة، فدلت المشاهدة على صدق الخبر، وهو صدق في نفسه، الخبر صدق في نفسه، ولكن المشاهدة عضدته وأيدته وقوته. يقول المصنف رحمه الله: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا"، من أمور الغيب التي ستكون بعد زمان، قد ندركها وقد لا ندركها، لكنها مما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن نؤمن بها ونسلم لها ونصدقها ونوقن بوقوعها، وإن لم نطلع عليها ونعلم بها، أي نشاهدها، وكانت عنا غيبا. يقول رحمه الله: "أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه" أي استوعبته عقولنا ورأينا له أمثالا ونظراء في حياة الناس، نقيس عليها ذلك الأمر الغيبي بأمر حسي. "سواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه" أمر مجهول عندنا وغير معقول في عقولنا فيما طلعنا عليه وفيما بلغنا، أو فهمناه أو جهلناه، "أو لم نطلع على حقيقة معنى". هذه الجملة عظيمة جليلة مقدمة في الفصل لما سيأتي من المسائل التي سيسردها المصنف رحمه الله تعالى، مسألة مسألة، كأمثلة لهذا الأصل الأصيل، الذي من لم يؤمن به فليس من المؤمنين ولا من المسلمين، لأنه مكذب لرسول الله، وإن كان جاهلا فينبغي أن يُعلم ويُعرَّف أن مثل هذا النقل الثابت وعلم الغيب المنصوص لا يُرد بمجرد العقل، لا يُرد بمجرد العقل. هذه القاعدة عظيمة. يقول رحمه الله: "أو لم نطلع على حقيقة معنى"، أي أُخبرنا به ووصف لنا، لكن كيف حقيقته، كيف كيفيته، كيف حقيقة صفته، لا نعلم، لا ندرك حقيقة المعنى غائبة. مثل أنهار الجنة، أُخبرنا أن في الجنة أنهارا من عسل تجري، وأنهارا من لبن، وأنهارا من خمر، كيف حقيقة هذه الأنهار، كيف حقيقة جريانها، كيف حقيقة صفة، صفة نوع العسل، كيف طعمه، كيف لونه، لا ندرك، الله أعلم. لم نطلع على حقيقة معنى. قدمنا فيما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». ما يخطر على قلبك ولا عقلك، مهما تصورت أو تفكرت أو تعقلت حقيقة تلك الصفة التي عليها الخمر أو الماء أو اللبن أو العسل أو غيرها من أمور الغيب. هذا في مخلوقات، لبن مخلوق، والعسل مخلوق، والماء مخلوق، والخمر مخلوق، فكيف بصفة الخالق جل جلاله وتقدست أسماءه؟ "أو لم نطلع على حقيقة معنى"، علم الحقيقة والكيفية من خصائص الله عز وجل، انفرد بها ربنا جل جلاله، لا يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نعلمها نحن، كما جاء في الأدلة. حقائق الصفات، صفات الله عز وجل، وحقائق أمور الغيب عند الله عز وجل. هذه مقدمة عظيمة يحتاجها المسلم اليوم في حياته، يؤمن بها، يصدق بها. ولهذا كانت دراسة هذه المتون هو أصل التأصيل العلمي الذي ينبغ به العلماء ويبلغون منازل الأوائل، حينما يجلسون فيدرسونها ويتفاهمونها ويتأملونها. وإن شاء الله تعالى بعد الصلاة نكمل هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.