الدرس في شرح المنظومة البيقونية 9، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعريف الحديث المتروك والحديث الموضوع، حيث يُعرّف المتروك بأنه حديث يرويه راوٍ شديد الضعف، والموضوع بأنه الكذب المختلق على النبي صلى الله عليه وسلم. يُشرح أيضًا أقسام الحديث الموضوع.
يشرح هذا الفصل منظومة البيقوني في مصطلح الحديث، ويبين أهميتها وعدد أبياتها، ويقدم تعليقات مختصرة عليها. يُعد الشارح هذه المنظومة جوهرًا معرفيًا ثمينًا في علوم الحديث.
يُعرّف هذا الفصل كتاب الباعث الحثيث بأنه تعليقات العلامة أحمد شاكر على مختصر علوم الحديث للحافظ ابن كثير، ويُبيّن أهميته كشرح وتعليق على مختصر ابن كثير في علوم الحديث.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال البيقوني رحمه الله تعالى: «متروك ما واحد منهم فرد، متروكه ما واحد بهم فرد، وأجمع لضعفه فهو كالرد». قوله رحمه الله تعالى: «متروك» أي الحديث المتروك، قال: «ما واحد بهم فرد» أي أن ينفرد برواية الحديث المتروك راوي، قال: «وأجمع لضعفه» ومراده بأجمع لضعفه، لا يريد أنه يجب أن يجمع الرواة على أن ذلك الراوي ضعيف، ولكن المقصود أن راوي الحديث المتروك ممن يكون قد اشتد ضعفه، إما لأنه كثير المناكير بحيث صارت أكثر مروياته كذلك، أو شديد الغفلة بحيث أنه لا يميز حديثه من حديث غيره، أو كثير الوهم كذلك بحيث يغلب عليه ذلك. ومن أهل العلم من يجعل كذلك راوي الحديث المتروك من كان متهمًا، أو كان معروفًا بسرقة الحديث. سرقة الحديث أن يسمع الراوي حديثًا أو أحاديث بأسانيده معلومة ومتن معلوم، فيأخذ تلك الأسانيد فيلفقها لأحاديث أخرى. هذا يسمى سرقة تلك الأسانيد ولفق لها أحاديث من عنده. فالشاهد أن مثل هذا يسمى حديثه متروكًا. ومدار المتروك أن يكون راويه شديد الضعف. فمتى وجدنا في حديث راويه عرف بأنه شديد الضعف، فهو حديث متروك. قال: «والكذب المختلق المصنوع على النبي فذلك الموضوع». الكذب المختلق المصنوع، ومعنى المختلق هو أن يختلقه الراوي من رأسه، والمصنوع يصنعه هو من عمل نفسه ويضيفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فذلك الموضوع»، فالحديث الموضوع هو الحديث المختلق المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والأصل في ذلك أن يكون راويه كذابًا أو وضاعًا. ومعنى الوضاع: يضع الحديث الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمثل هذا الراوي يقال فيه: كذاب، ويقال في حديثه بأنه موضوع. وقد يوصف حديث بأنه موضوع ولا يكون راويه تعمد الكذب، وذلك إما لسهو أو لغفلة أو ما شابه ذلك. لذا قال بعض أهل العلم بأن الحديث الموضوع على قسمين. الحديث الموضوع باعتبار إسناده، وهو ما كان فيه راوي وضاع أو كذاب. يعني إذا رأينا في حديث ما في إسناده راوي كذاب أو وصف بأنه وضاع، ولو كان المتن قد جاء في الصحيحين مثله ونحوه، نقول في هذا الحديث الذي رواه ذلك الوضاع بأنه موضوع. والقسم الثاني: أن يحكم على الحديث بالوضع بسبب نكارة المتن ومخالفته لقواعد الشريعة. يعني يأتي مثل الحديث على سبيل المثال يقول: بأن عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله عز وجل قد خفف على هذه الأمة الصلاة ففرض عليها ثلاث صلوات، مثلًا. واضح أن هذا حديث موضوع، ولو كان ظاهر إسناده ثقات. فيكون الوضع هنا باعتبار المتن. وهناك أحاديث كثيرة، والعلماء رحمهم الله ألفوا في هذا كتب الموضوعات. كبير الجوزي له كتاب اسمه «الموضوعات»، وغيره له كتاب «تنزيل الشريعة من أحاديث الباطلة والموضوعات». وكذلك غيرهم من العلماء رحمه الله تعالى. ومن آخرهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى في سلسلته الضعيفة والموضوعة، يذكر الحديث الضعيف وكذلك الموضوع. الشاهد من هذا أن الحديث الموضوع قد نحكم عليه بأنه موضوع بسبب راويه الكذاب أو الوضاع، وقد نحكم عليه بأنه موضوع ولو لم نقف على إسناده، بسبب نكارة المتن ومخالفته لقواعد الشريعة أو ما شابه ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وقد أتت كالجوهر المكنون، سميتها منظومة البيقوني». أي: وقد أتت هذه المنظومة على صغر حجمها كالجوهر المكنون، أي في جمالها وحسنها كالجوهر الذي هو مكنون ومحفوظ عليها. قال: «سميتها منظومة البيقوني»، ومنه علم أن هذه المنظومة لهذا الناظم. قال: «فوق الثلاثين بأربع أتت أقسامها، تمت بخير ختمت». أي أن عدد أبيات هذه المنظومة فوق الثلاثين بأربع، ثم قال: «أقسامها تمت بخير ختمت»، أي ختمت بالخير كما أنها ابتدأت بالحمد لله رب العالمين، وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا نكون قد انتهينا من التعليقات اليسيرة المختصرة على هذه المنظومة. وأما بسط الكلام وذكر الاعتراضات والانتقادات وذكر الأمثلة وما شابه ذلك سيأتي معنا بإذن الله عز وجل في كتب أكبر من هذا. وفي الأسبوع القادم نبدأ في «الباعث الحثيث والصوافي مختصر علوم الحديث» للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. وأما «الباعث الحثيث» فهو اسم لكتاب وتعليقات العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى على مختصر علوم الحديث للحافظ ابن كثير.