شرح مسائل الجاهلية  34

شرح مسائل الجاهلية 34

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 34، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

اعتقاد أهل الجاهلية وخطأهم في فهم دلالة النعم

يشرح اعتقاد أهل الجاهلية أن كثرة النعم دليل على رضا الله، ويبين خطأ هذا الاعتقاد. يشير إلى أن الله قد يعطي النعم للكافرين كما قد يسلبه عن المؤمنين.

فهم صحيح لمحبة الله ورزقه

يشرح أن إعطاء الدنيا ليس دليلا على محبة الله، وأن الدين والتوفيق لطاعة الله هو الدليل الحقيقي. يشير إلى أن الحرمان من الدنيا قد يكون ابتلاء للصالحين.

حكم الدنيا وأثرها على المسلمين

يشرح أن الدنيا لا تذم ولا تمدح بذاتها، وإنما الحكم يعتمد على من أوتيت إليه. ينبغي النظر إلى حال من أوتي الدنيا لا إلى الدنيا ذاتها.

دعاء وختم بالصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم يتبعون أحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة والعشرون، أن الحياة الدنيا غرتهم وظنوا أن عطاء الله منها يدل على رضاه، كقولهم: نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين. هذه الفقرة، إخواني في الله، وهي تعتبر من قصص أهل الجاهلية، بل أصبح ذلكم اعتقادًا يعتقده أهل الجاهلية، أنهم جعلوا الدليل على محبة الله سبحانه وتعالى ورضاه على قوم ما، إنما ذلك بالنظر إلى عطائه جل في علاه. فمن أعطاه سبحانه وتعالى النعم العديدة والكثيرة والوفيرة، فهذه دلالة على أن هذا هو المعظم عند الله جل وعلا، وأن الله قد أحب من أمثال هؤلاء، والعكس بالعكس. ومتى ما سلبت النعم من أحد ما، فهذه دلالة على عدم رضى الرب سبحانه وتعالى على هؤلاء. وهذه القاعدة إنما كانت عند الكفار لشدة تعلقهم بالدنيا. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: أن الحياة الدنيا غرتهم، فلشدة غرورهم بالدنيا واغترارهم بها، جعلوها هي الفيصل، هي الفيصل في معرفة من المحق من المبطل، ومن الذي يحبه الله، ومن ذا الذي لا يرضى الرب سبحانه وتعالى عنه. قال: فظنوا أن عطاء الله منها يدل على رضاه، أي: كون أن الله جل وعلا يعطي من شاء من خلقه من هذه الدنيا، فإن ذلك من اللزوم، ومن اللازم أن الله جل وعلا قد رضي عنهم. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بقوله تعالى على لسان الكفار: نحن أكثر أموالًا وأولادًا. وهذه من أعظم النعم التي يؤتاها العبد في هذه الدار، كثرة الأموال وكثرة الأولاد. نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين، أي: لا يعذبنا الله. هذه النتيجة التي استنتجها أهل الكفر، من أين جاءوا بها؟ جاءوا بها من تلكم المقدمة: نحن أكثر أموالًا وأولادًا، أي: بما أننا نحن على هذا المستوى من النعم ومن الرغد، إذن دلالة على أن الله جل وعلا لا يعذبنا. إذن، مفهم ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد رضي عنهم. وتحت هذه المسألة، إخواني في الله، عدة مسائل نشير إليها. المسألة الأولى، وهي المستفادة من كلام المؤلف رحمه الله تعالى، قال: أن هذه كانت عقيدة عند الكفار، عقيدة عند الكفار أن الدنيا هي الفيصل، وهي المؤشر والدلالة على معرفة أن الله جل وعلا رضي عنهم أم لم يرض عنهم. قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾، هذه عقيدة أهل الكفر. فالإنسان، جنس الإنسان، هو على هذا التصور الذي جار عليه الكفار، أن الله جل وعلا إذا أكرمه وإذا نعمه، أغدق عليه بالنعم الكثيرة، فماذا يظن؟ يظن أن هذا هو الإكرام، وأن هذا هو الرضا. إن الله يقول: إن الله إن ربي أكرمني، أي: كرامة الله جل وعلا من أين جاءت؟ لما رأى هذا الإغداق وهذا الإعطاء من الله سبحانه وتعالى. لكن إذا عثر ووجد هذا الإنسان أن الله جل وعلا عامله على خلاف ذلك، كأن قدر عليه رزقه، والتقدير بمعنى التضييق، بمعنى التضييق، ضيق عليه في الأرزاق، فيقول: ماذا؟ ربي أهانني، إهانة هذه لماذا أهنت؟ لأن الله لم يرض عني. وكيف عرفت أنك أهنت؟ بأن الله جل وعلا ضيق عليك في الرزق. فكان هذا الكافر يظن أن المقياس في معرفة أن الله رضي عنه أو أن الله لم يرض عنه، بمسألة العطاء. وللأسف أن نجد مثل هذه الأفكار الجاهلية قد تفشت عند الناس، تفشت عند الناس. فإذا ابتلي أحد بفقر، بضيق، بمدلهمة، بمصيبة، بعويصة، سرعان ما استنتج من ذلك أن الله لا يحبه. ومتى ما رأى أن الله جل وعلا أعطاه وحباه بالأرزاق والأموال والنعم، استنتج من ذلك أن الله قد أحبه. وهذا، يا عبد الله، تفكير أهل الجاهلية. الفائدة الثانية تستفاد من هذه الفقرة، أن هذا المعتقد لم يحكى عن طائفة من أهل الكفر، بل أن جميع الأمم من أهل الكفر هم على هذا المنوال، وهم على هذه العقيدة. وكيف استنتجنا العموم؟ استنتاج العموم كان من سياق الآية. فالآية في أولها قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، الآية. إذن، في مطلع الآية، قال ربنا جل وعلا: وما أرسلنا في قرية من نذير، قرية اسم نكرة، نذير اسم نكرة، والنكرات قد جاءتا في سياق النفي. وما أرسلنا، إذن، يفيد ماذا؟ العموم، أن ما من قرية أرسل إليها نذر إلا كان من أعظم ما استدلوا به على الرسل، هذه المسألة، مسألة العطاء: نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين. أي: كيف تقولون بأننا على ضلال وتوعدوننا بعذاب الله جل وعلا، وها هو الرب قد أعطانا الأموال، الأولاد، الأجسام، الأجساد، أعطانا الأرزاق؟ كيف نصدقكم أن الله سيعذبنا ونحن على هذا الخير؟ إذن، الفائدة الثانية من هذه الآية، يستفاد منها أن هذه العقيدة كانت موجودة عند الأمم، عند الأمم. كذلك، من الفائدة الثانية، تستفاد من هذه الآية، أن نعلم، يا عبد الله، أن إعطاء الدنيا ليس بضابط، ليس بضابط. هذا المعتقد الذي سار عليه أهل الجاهلية ليس بصحيح. فإن الدنيا هي ليست مقياس لمعرفة محبة الله، بل المقياس الصحيح في أن الله جل وعلا يحب فلانًا من الناس أو أقوام من الناس، أن يوفقهم إلى طاعته، أن يوفقهم إلى امتثال شرعه. هذا هو الدليل والبرهان على توفيق الله، على توفيق الله، وعلى محبة الله، وعلى رضى الله جل وعلا لهؤلاء ولهؤلاء. قال تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله»، متى تأتي محبة الله؟ تأتي بالاتباع، تأتي بالامتثال والانصياع لشرع الله سبحانه وتعالى. «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، فهذه دلالة الخيرية، دلالة الرضى من الله جل وعلا على عبد من العباد، لا أنه يعطيه شيء من حظ الدنيا، وإنما الأعظم من ذلك أن يعطيه شيء من الدين، التوفيق، السداد، الإصابة للحق. وقد جاءت الآثار الدالة على ذلك، كالحديث المشهور: «إن الله جل وعلا يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب». وهذا الحديث، والقول الصحيح من أقوال العلماء، أنه معلم ضعيف، ولو أن الطرق إليه قد تعددت، لكن العلل فيه كثيرة. وإن كان بعض من يرى التصحيح، إلا أنه في واقع الحال هو ضعيف، إلا أن المعنى صحيح، معنى صحيح. فإن الله جل وعلا الدنيا يعطيها لمن أحب ولمن لا يحب، الكافر وهو كافر، فإن الله يعطيه الدنيا. لماذا يعطيه الدنيا؟ لأن الدنيا هي أصلًا لا تساوي شيء عند الله سبحانه وتعالى. لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء. لو كانت الدنيا تخيل هذه الدنيا بما فيها من خيرات وأرزاق، لو أنها تساوي عند الله جناح بعوضة، انظر ما هو جناح البعوضة في المثقال والميزان البشري. لو كانت الدنيا لو أن الدنيا ساوت جناح بعوضة، لحرمها ربنا عن الكفار. إذا، ما معنى هذا؟ معنى أن الدنيا ما تساوي عند الله جناح بعوضة، الدنيا دنية، وسميت الدنيا دنيا، قيل لدنوها، وقيل لدناءتها، فلها المنزل الدنيا، فهي ليست رفيعة ولا عظيمة. أما العكس، أما الدين، فإن الله جل وعلا لا يعطيه إلا لمن أحب، لا يعطيه ربه سبحانه وتعالى إلا لمن أحب. فليكن هذا المقياس الصحيح، هذا المقياس الصحيح، يا عبد الله، فأنك تقيس وتعرف على أن الله جل وعلا رضي عن قوم أو لم يرض عنهم، لا تنظر في النعم، وإنما، يا عبد الله، تنظر فيما هم عليه الأقوام، الاتباع والامتثال والانصياع لأوامر الله سبحانه وتعالى. كذلك، مما يستفاد من هذه الفقرة، إخواني في الله، أن الله، أن الكفار حينما ظنوا أن عطاء الله منها يدل على رضاه، كذلك لا يفهم منهم ما فهموه، أن الله جل وعلا إذا لم يعط أحدًا من الدنيا، فإن الله قد سخط عنه. لا، لا تظن هذا، يا عبد الله، لا تظن هذا ظن الجاهلية، هذا من سوء الظن بالله سبحانه وتعالى. تجد أقوام من الناس ابتلاهم الله بالفقر، ما عرفوا الترف، ما عرفوا النعمة، ما عرفوا التمتع بحياة الدنيا، أرادوا أن يتمتعوا، أرادوا الأموال، أرادوا البنين، أرادوا الأرزاق، فما وفروا بها. هل يستنتج من ذلك أن هؤلاء لا يحبهم الله؟ لا، يا عبد الله، إياك إياك أن تظن هذا الظن بالله سبحانه وتعالى. بل إن الله سبحانه وتعالى ربما منع الدنيا عن أوليائه، منع الدنيا عن رسله. سل عبد الله عن حياة نبينا عليه الصلاة والسلام، وقارن حياته بحياتك، لعلمت أين أنت وأين هو عليه الصلاة والسلام. بلغ من الفقر مبلغًا عظيمًا، لربما جعل الحجارة في بطنه لكي يسد رمقه، وحتى لا يحس بألم الجوع. وهكذا الكثير من أولياء الله، ومن أنصار الله، ومن أحباب الله، هم كانوا على غاية من فقر وضيق. بل قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون». وإن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، ولي من أولياء الله، ومع ذلك ابتلاه ربنا جل وعلا بالفقر، ابتلاء يرى ربنا جل وعلا كيف أنت في باب الصبر والمجاهدة، كيف أنت، يا عبد الله، في إحسانك الظن بالله سبحانه وتعالى. فلا تجعل، يا عبد الله، أن الإقلال من الدنيا دلالة على أن الله لم يرض عنك، بل هذا ابتلاء يبتليك ربنا جل وعلا به. ومن هنا تأتي فائدة، إخواني في الله، على أن نعلم أن الدنيا في نفسها هي ليست مقياس، الدنيا في نفسها هي ليست مقياس. يعني قد يقول قائل: ماذا نقول في الدنيا؟ هل نذمها؟ هل نتقبلها؟ هل هي محل ممدوح؟ يقال: يا عبد الله، قبل لا تنظر إلى الدنيا، لكن انظر إلى من أعطيت إليه، لكن انظر إلى من أعطيت إليه. فإن أعطيع لكافر فهذا نذير الشؤم لأنه استدراج من الله سبحانه وتعالى. إذا أعطيت الدنيا لأهل الكفر، فإنما استدراج من الله سبحانه وتعالى، يستدرج هؤلاء ويستدرج هؤلاء، حتى يليجوا في الذنوب والمعاصي والحرمات والمحرمات، ثم تأخذهم ربنا جل وعلا بغتة، فيسومهم سوء العذاب. ويلحق بالكافر، كذلك المسلم إذا كان عاصيًا، إذا كان عاصيًا. فإذا كان مسلم عاصي، يرزقه ربنا جل وعلا الأموال الكثيرة، إلى أن هذا المسلم أخذ هذا المال وجعله في غير حله، وجعله في غير محله، جعله في شراء المحرمات، والصد عن دين الله جل وعلا، فهذا كذلك استدراج. وقد جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه عليه الصلاة والسلام ذكر أن الله جل وعلا: «إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج». هذا استدراج، على معاصيه يعطي، ربنا الأرزاق على مسلم وهو على معصية، يدخل في المعصية والأرزاق تغدق عليه، تغدق عليه. فأعلم، يا عبد الله، أن هذا ليس من محبة الله، وإنما هذا استدراج من الله. والعكس بالعكس، فإذا أعطيت الدنيا لعبد صالح، فهذه تكون نعمة، نعمة من الله سبحانه وتعالى. إذن، يا عبد الله، في أمر الدنيا، عليك أنك لا تنظر في الدنيا من حيث الحكم، ولكن تنظر لمن أعطيت له الدنيا. فإن أعطيت لعبد مسلم، لكنه عاصي، استغلها في معصية الله، أو أنها أعطيت لكافر، فأعلم أن هذا استدراج، لكن إذا أعطيت لعبد صالح، لعبد صالح، اعلم أنها من نعمة الله عليه. من هنا، إخواني في الله، ينبغي أن تفهم مثل هذه المسائل. للأسف، نجد أن بعض الناس يجعل الدنيا في كل صورها مذمومة، في كل صورها مذمومة. فإذا رأى ولو عبدًا صالحًا من عباد الله، آتاه الله مالًا، يقول: والله، مستعان، فلان غرته الدنيا. ليش؟ انظر الدنيا في يده، لا، لا تنظر في الدنيا، هذا خطأ الاستدلال، لا تنظر في الدنيا. لو أردت أن تعيب أصحاب الدنيا، فما ظنك، يا عبد الله، في سليمان عليه السلام؟ ما الذي أعطاه من الدنيا؟ أعطاه ملك الدنيا، سخر له الكائنات والحيوانات والجيوش، الأرض كلها سخرت له، أهذا يذم؟ انظر، يا عبد الله، في سيرة سلفنا الصالح، إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم من كان من كبار التجار، أعطاهم الله حظًا من الدنيا، أهؤلاء يذمون؟ بل انظر كذلك إلى علمائنا، وإلى فقهائنا، منهم من أعطاه ربنا جل وعلا المال، انظر إلى ترجمة الليث بن سعد، وغيره من هؤلاء، تجارة، أموال، عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، كان عندهم من الأموال الكثيرة، فما عيبت عليهم؟ في ماذا؟ في تراجمهم؟ إذن، للأسف، أن تجد أن بعض الناس يأخذ هذا الشق، ويرى أن الدنيا في كل صورها مذمومة، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للعبد الصالح»، نعم المال الصالح للعبد الصالح. فإذا كان عبد من عباد الله آتاه الله جل وعلا مالًا، فأصبح ينفق من هذا المال في سبيل الله، وإقامة شرع الله، والإنفاق على أبواب الخير، فهذا، يا عبد الله، الدنيا ممدوحة في حقه، ممدوحة في حقه. نعم المال، أما أنك تأتي بهذا الحكم الجائر، أن من فتحت له الدنيا، أو آتاه الله شيء من الدنيا، أنه سرعان ما ترميه بأنه حزبي، بأنه انغمس في الدنيا، أو أنه مسعور على الدنيا، أو أنه يلهث خلف الدنيا، لا، يا عبد الله، ما هكذا، إلا إذا كانت الدنيا كما قال المؤلف: غرت، إذا غرته، بلغت إلى حد الغرور، فصدته الدنيا عن طاعة الله، ترك، تقاعس عن الدين، استبدل بالإسلام الكفر، ترك الواجبات، ترك الطاعات، فعلى الحرمات والمحرمات من أجل الدنيا، فذمها. فحين تذم، إذن، قال علماء: فالدنيا في حد ذاتها لا يذم، وكذلك لا تذم، ولا تعتبر أيضًا مقياس، ولا تعتبر أيضًا مقياس من المقاييس، ومن سنن الكونية، وإنما هي على حسب من أوتيت إليه. فلربما يؤتاها عبد صالح، فتكون في حقه نعمة من نعم الله، وأن يتق الله فيها، ويشكر رب عليها، ويسددها، ويجعلها فيما يحب الله سبحانه وتعالى. أما إذا كانت هذه الدنيا، يا عبد الله، غرتك بالله سبحانه وتعالى، وجعلتك لا تقيم شرع الله، أو تلج في معاصي الله، فانتبه، يا عبد الله، فإنما ذلك استدراج. وهكذا مسائل عديدة متعلقة بهذه الفقرة، لكن حسبنا ما ذكر، وبهذا نعلم، إخواني في الله، أن المقياس الذي يذكره أهل الجاهلية، بأن المقياس في المحبة والرضى هي الدنيا، لا، يا عبد الله، لا يكون، لا بالدنيا، لا من خلال الإعطاء، ولا من خلال الإخلاء. وإنما العبرة بمن يؤتاها، فإن كان على إسلام وعلى خير، فهذه نعمة، وإن كان على غير ذلك، فهذا شر ووبال على صاحبه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.