الدرس في شرح مسائل الجاهلية 66، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
التعصب للمذهب هو خصلة من خصال أهل الجاهلية، مذموم في الشرع لأنه يؤدي إلى دفع الحق وعدم قبوله. التعصب له معنى لغوي واصطلاحي ويتجلى في صور مختلفة.
التعصب المذهبي والحزبي يؤدي إلى الفرقة والقتال، وهو مذموم شرعاً. يجب على المسلمين التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وترك التعصب لأي مذهب أو حزب.
يجب على المسلم التحرر من التعصب المذهبي والحزبي واتباع كتاب الله وسنة رسوله في تقييم الأفكار والأشخاص. التعصب يؤدي إلى رفض الحق وعدم قبول النقد.
يحذر المسلم من الوقوع في التعصب بأي صورة، ويسأل الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. التعصب ممقوت بكل صوره.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة والخمسون: التعصب للمذهب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. هذه الفقرة ذهب جماعة من الشراح إلى جعلها ووضعها مع الفقرة السابقة في سياق واحد، إشارة منهم إلى أنها بمعنى واحد كالفقرة الواحدة، كما فعل ذلك الآلوسي رحمه الله تعالى، جمعهما وعدهما فقرة واحدة، أي هذه الفقرة مع ما مضى، وهو الإقرار بالحق ليتوصل به إلى دفعه. وسأتي على علاقة هذا بذاك. قوله رحمه الله تعالى: "أن من خصال أهل الجاهلية" قال: "التعصب للمذهب"، والمذهب يراد به الدين والملة، الدين والملة. فمن عادة أهل الجاهلية من الملة الكافرة، من يهودية ونصرانية، أو كانوا من مشركي العرب، أن من سمتهم أنهم يتعصبون لمذهبهم. والتعصب -يقول علماء اللغة- مأخوذ من العصب، أصل كلمة التعصب مأخوذ من الشد، يقولون: عصب الشيء، أي شده. وهذا حتى عندنا في اللغة الدارجة: أعصب، أي شدد، فعصب الشيء بمعنى شده. ومنه سميت العصابة عصابة، وكل ما يعصب به الرأس عصابة. لماذا تسمى بعصابة؟ عصابة، عصابة، لأنها يعصب بها الرأس ويشد، يشد. فكان فيه معنى الشد، كان فيه معنى الشد. وهذا يعرف بعضهم العصبية بأنها التحمس للرأي والمدافعة عنه، التحمس للرأي والمدافعة عنه. فإذا من خصال أهل الجاهلية أنهم يتعصبون لمذهبهم، عندهم شد في هذا الباب، لا يخرجون عنه بمقدار أملهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾". ذهب بعض الشراح، كما ذكر ذلك الشوكاني في "فتح القدير"، أن هذا كان في وصف اليهود، كان في وصف اليهود أنهم فيما بينهم يتمالون على هذا، كان السادة يقولون للأتباع: احذروا من هذا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، هذا القيد عندكم إيمان، فليكن إيمانك على من أنت تحته، أي لا تستسلم لغيركم، وهذا هو عين التعصب، وهذا هو عين التعصب. ومن هنا قلنا: الرابط بين الفقرة السابقة وبين هذه أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر أن من خصال أهل الجاهلية أنهم يقروا بالحق حيلة ليتوصلوا به إلى دفعه، فلماذا يدفعون الحق؟ يدفعون الحق تعصبًا. وللعلاقة بين هذا وبين ذلك، لهذا جمعها جمع بينهم من جمع من الشراح. فإذا هذا العلاقة بين السبب والمسبب، فجعلوا أن من أسباب دفع الحق التعصب، فالتعصب السبب من أعظم أسباب دفع الحق. ولهذا ما يأتي التعصب إلا مذموم شرعًا، لا يجوز لأحد. وهذه الخصلة إن وجدت في أهل الكفر ولا زالت فيهم أنهم يتعصبون لمذهبهم، يتعصبون لدينهم على باطل، كذلك سرى هذا الخلق الذميم إلى أهل الإسلام، تجد أن التعصب قد فشى وظهر فيهم ظهورًا عظيمًا. والتعصب -إخواني في الله- يأتي على صور عديدة، يأتي على صور عديدة: تعصب للأفكار، تعصب للآراء، تعصب للذوات، تعصب للأشخاص، تعصب للأراضي والأوطان، كل ذلك من صور التعصب الذي ذمه الشرع. قال عليه الصلاة والسلام: "من قتل تحت راية عمية، يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية". الرجل يقاتل مع قومه، لماذا القتال؟ هل لدين الله؟ لا، لشرع الله؟ لا، للذود عن محارم الله؟ لا، ليس له قصد في ذلك، ليس قصده شرعيًا، وإنما قصده عصبية، يسير مع قومه ويقاتل لأجل قومه، فهو منهم وإليهم، هذا عصبية. فإن مات على هذه القتال، فألا يرجو من ذلك الثواب من الله، إذا ما قاتل وجه الله، وما أراد الثواب من الله، إنما أراد من أجل قومه، إذن فليأخذ الأجر منهم. والعجيب -إخواني في الله- أن نجد من أمثال هذه الأفكار المنكوسة في هذه الأزمان، تجد أن رجلًا ما يقاتل لا لله ولا لأجل دين الله، يقاتل حمية، يقاتل عصبية، يقاتل وطنية، وبعد ذلك إذا قتل سمي بشهيد في سبيل الله. إذا جاءت الشهادة في سبيل الله، هو أصله من بداية أمره ما أدخل الله في نيته أصلًا، فكيف بعد ذلك حشر من زمرة الشهداء؟ فليتق الله أناس هذا حالهم. فمن قاتل عصبية، وقتل عصبية تحت راية عمية فقتلة جاهلية، قتلة جاهلية. وهذا يدلك -إخواني في الله- على خطورة العصبية، ولا يجوز لأحد أن يتعصب لأحد. فقال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فكان اليهود على من يقول: بأي سبب أنزل بهم، ومن قال بالعموم ويدخل في ذلك في كل ملة كافرة، أنهم يتواصون فيما بينهم أنهم لا يؤمنون إلا لمن كان من دينهم، أما من الخارج فلا، لا تؤمن. وهذا يوجد كذلك كما قلنا في حال بعض من ينتسب إلى الإسلام، أنه يبتلى كحال بعض الفرق الضالة من الأشاعرة والجهمية والماتريدية والخوارج، أنهم على هذا الحال يتمالون أن لا يكون إيمان إلا منهم وإليهم، وأنه لا يجوز أن تسمع لهؤلاء ولا لهؤلاء، تعصبًا لأقوالهم، تعصبًا لساداتهم. ولا يخفى ما وقع بين الناس وبين الفقهاء من التعصب للمذاهب الأربعة، التعصب للمذاهب الأربعة، المذاهب الرؤساء، فقههم قد برئوا من التعصب: الشافعي، والمالكي، وأبو حنيفة، رحمهم الله تعالى، وأحمد، كلهم قد صرح بملء الفم أنه لا يرتضي بالتعصب دينًا، ولا يرجو من أحد أن يتعصب به أو أن يستمسك برأيه، وإنما العصمة بكتاب الله وبالسنة، برسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن تجد الأتباع، تجد الخلف الذين جاءوا بعد ذلك أنهم جعلوا هذه المذاهب صورة من صور التعصب، لا أحد يجوز أن يخرج من مذهبه إلى ذاك المذهب، كأنهم يتعاملون فيما بينهم كتعامل أهل الكتاب، يتعاملون فيما بينهم كتعامل بعضهم مع أهل الكتاب. فألا ربما جاء الأحناف وعاملوا الشافعية على أنه نصارى، بل وأنه كذلك نجس. وهذه عبارة موجودة، وليس هذا مقام ذكر هذه العبارات. أنه كان بعضهم ربما يتوقف في الزواج من الشافعية، لماذا توقف؟ لأنه قد نزل منزلة أهل الكتاب، عندما توقف في أمرها. وبعضهم قال: هذا موجود في كتب الفقهاء من التعصب الممقوت. يقول بعضهم: أن الشخص إذا عنده عجين وعجن به عجين عندهم ماء، وهذا ماء نجس، فقام واستخدم هذا الماء النجس في عجن عجين، فماذا يفعل بهذا العجين؟ قال: إما يرمى به، هذا حل، إما يرمى به أو يعطى لبهائم أو يعطى لشافعي. انظر هذا موجود -إخواني في الله- شدة مقت، تعصب مذموم. ولهذا لا هوادة عنده ولا غرابة نجد من من ينكر التعصب وصل إلى هذا الحد، بل وقع قتال، وقع قتال بين قرى، لماذا؟ لا لشيء إلا لأن هذا من أتباع المذهب، وذاك مذهب آخر، سلت السيوف وأزهقت الأرواح من أجل هذه العصبية المقيتة. حتى وأظن أن ذكرنا ذلك من نظر إلى بعض الصور القديمة للحرم، كان هناك أربع منابر، أربع محاريب، لماذا؟ لمن هذه المحاريب الأربعة؟ لكل مذهب صاحب هذا المذهب يصلون خلف إمامهم، ولو يصلي خلف ذاك، وهذا يصلي مع أتباعه، وذاك يصلي وهكذا، الصلوات فرقت بينهم، كل ذلك من أجل التعصب، التعصب الممقوت، بلغ إلى حد الاستهجان وإلى حد كذلك السخرية والطعن في الأعراض وإلى غير ذلك. فلا يجوز -عبد الله- التعصب، سواء كان لمذهب فقهي أو كذلك لطريقة دعوية، طريقة دعوية ابتلاك الله جل وعلا بشيم الجماعات من طرق الحزبية، فابتلاك الله بها. ولهذا ترى من أتباع الفرق الحزبية التحذير: إياك أن تخرج عن جماعتنا، إياك أن تستمع إلى ذاك العالم الفلاني، لا تستمع إلى ابن باز، ولا للألباني، ولا ابن عثيمين، ولا مقبل من هؤلاء الوادعي، إياك لا تستمع من هؤلاء، ترى كفرًا، فجرًا، خونة من علماء الأمة. لماذا يحذر من هؤلاء؟ الحزبية، هذا عين التعصب. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فلا يجوز، ينبغي للمسلم -إخواني في الله- أن يتحرر من التعصب، التحرر الرديء في الدنيا والآخرة، التعصب رديء، بل من خصال أهل الجاهلية. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، من كان من جماعتكم فاستمع إليه واقبل عليه، ومن لم يكن من جماعتكم فلا يحضر، ولا يستمع، ولا ينصد، ولا يحفى به، ولا يجالس. طب من الذي فعل هذا الذي يحذر منه؟ ما مصائبه؟ ما هي عظائمه؟ إن كان له عظائم، لا لشيء، لكن هذا ليس من جماعتنا، أف من الحزبية. فاحذر -يا عبد الله- من هذا التعصب، احذر، سواء كان تعصبًا للأفكار، تعصبًا للمذاهب، تعصبًا لجماعة، أو تعصبًا حتى لشخص، لا تتعصب لشخص ما، ما من إنسان من البشر إلا وهو عرضة للخطأ والصواب، كل ابن آدم خطاء، إلا من عصمه الله جل وعلا، العصمة لكتاب الله ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. تجد من الناس من يتعصب لآل أتباعه، كما تفعل الغلاة الباطنية، المتصوفة، أنهم يعظمون السادة ويعظمون المشايخ تعظيمًا عظيمًا، لدرجة أن الواحد منهم لا يمكنه أن يستدرك على شيخه، لا يجوز أبدًا أن يستدرك على شيخه، حتى لقنوا في عقائدهم أن من قال لشيخه: لماذا لم تفعل؟ لمن قال لشيخه: لم؟ فقط استفسر: لماذا لم يفلح؟ لم تكتب لك الفلاح؟ لماذا؟ لأنك تطاولت على شيخك. وهل هذا التطاول أنك تستفسر؟ وهل شيخ هذا الشيخ الذي أنا تحت رايته وتحت فكره هل هو معصوم حتى لا يسأل ولا يستدرك؟ فضلًا عن ذلك عمن رفع مقام المشايخ والسادة إلى عصمة مقام الأنبياء، منهم من جعلهم فوق مرتبة الأنبياء، كما تفعل الروافض: إن لأئمتنا منزلة، منزلة لا يصلها ملك مقرب ولا نبي مرسل، إن لأئمتنا منزلة لا يصلها ملك مقرب ولا نبي مرسل. وأحد المتصوفة يقول من الباطنية: خضنا بحرًا، هو يزعم أنه من أولياء الله، خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله. فبعض الناس -إخواني- قد يتجرأ، وهذه صفاقة ووقاحة، أنه يعطي لمشايخه ولكبرائه وزعمائه المنزلة التي لا يستحقها إلا أهل العصمة من الأنبياء والرسل. هذا قد صرحوا به، لكن بعض الناس قد يستحي ولا يتجرأ على ذلك، لكن يدخل في التعصب حين يأتي من يأتي ويلمح عن نفسه أو عن غيره أنه لا يخطئ أبدًا، أنه لا يخطئ أبدًا، هذا عصبية، تعصب للذوات، تعصب للأشخاص. قد يتجرأ الواحد منهم، وقد سمعنا هذا، يتجرأ الواحد منهم على تخطئة الرسول عليه الصلاة والسلام، النبي -صلى الله عليه وسلم- أخطأ، يقولها بملء الفم، البارد أخطأ، وهو يدعي التحقيق والبحث في المسائل العلمية، لكن هو هو إذا قيل له: أنت أخطأت، تقول: حاشا، ما خذلني ربي يومًا من الدهر، عجيب، ما خذلت وما أخطأت أبدًا، ونبيك تقول: أخطأ، إذا من أنت أعلم مقامًا من نبيك عليه الصلاة والسلام؟ هذا التعصب -إخواني في الله- فاحذر -يا عبد الله- التعصب الممقوت. إنما عليك إن كان في باب الأفكار أن توضع في ميزان الشرع، إن كان أشخاص يوضعون في ميزان الشرع، فما كان صواب يقر عليه، وما كان خطأ فلا يقر عليه، يقال: الخطأ خطأ، إن كان فكر، إن كان مذهب، إن كان مسلك، إن كان شخص، إن كان ذات، إن كان فكر، إن كان جماعة، كل شخص ماذا يكون ميزانه؟ كتاب الله جل وعلا وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام. فقوله رحمه الله تعالى: "التعصب للمذهب"، قلنا: هذا من خصال أهل الجاهلية. واستدلال مؤلفنا رحمه الله تعالى واضح في هذا الباب في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. وهذه الفقرة قد -كما يقول شراح- أنها تتبع ما قبلها، فيكون من أسباب دفع الحق الذي كان عند الكفار هو التعصب لدينهم والتعصب لمذهبهم. والمسلم -إخواني في الله- يحذر كل الحذر من أن يقع في التعصب بأي صورة من صوره، فإن التعصب بكل صوره ممقوت. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.