الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 16، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يؤكد المقطع أن أهل الكبائر لا يكفرون بذنوبهم بل أمرهم إلى الله، وينهى عن التألي على الله بلعن عاصٍ معين مستشهداً بقصة الصحابي الملقب بالحمار، كما يبين وجوب إقامة فروض الجهاد والحج والصلاة خلف أئمة المسلمين حتى لو كانوا فجاراً، رداً على بدع الخوارج والروافض الذين يفارقون الجماعة بسبب معاصي الولاة.
يبيّن المقطع وجوب أداء الصلاة خلف الأئمة والولاة حتى لو أخطؤوا أو فسقوا، مستدلاً بأحاديث النبوي وأقوال السلف كابن عمر وابن مسعود وعثمان رضي الله عنهم، وإمام أحمد الذي عدّ تارك الجماعة خلف الفاجر مبتدعاً. ويؤكد أن ترك الصلاة أو الجهاد معهم يجرّ إلى فرقة وفتن أعظم، فالسنة الصبر على إساءتهم والصلاة معهم درءاً للشر الأكبر.
يقرر النص قاعدة شرعية وهي عدم دفع فساد صغير بفساد أكبر، فيجب فعل أخف الضررين كإقامة الصلاة والجهاد والحج مع أئمة المسلمين ولو كانوا فجاراً، لأن تركها يفضي إلى تفريق الجماعة وتعطيل الفرائض وهو شر أعظم. ويؤكد أن الجهاد موكول لولاة الأمور في كل دهر وزمان، وينكر على من يعطلونه بدعوى فساد الحكام أو انتظار الإمام المعصوم، مستدلاً بفعل ابن تيمية رحمهُ الله في قتال الروافض مع الولاة، محذراً من أن ترك الطاعة والمصادمة يجلب شروراً أعظم وتمكيناً لأعداء الدين.
يختتم المتحدث بدعاء إلى الله أن يهدي شباب الأمة ومجتمعاتها، ويوفقهم للخير ويرشدهم إلى الصراط المستقيم، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا نزال في هذا الجزء النافع المبارك، وهذه الرسالة العظيمة التي صح إسنادها، وتلقاها أهل العلم كابرا عن كابر، وهي مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة في عقائدهم قديما وحديثا، كما نقل الإجماع هذان الإمامان الجليلان: أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهما الله تعالى. ولا نزال فيها نتأمل في ألفاظها ومعانيها، وكنا وقفنا في الكلام على الكبائر. قالا رحمهما الله تعالى: "وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل". تقدم الكلام في هذه المسألة من عدة جوانب ومباحث، وأبقى أن قولهم رحمهم الله تعالى: "ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل"، فيه أن الذنب وإن أظهره صاحبه، فإننا لا نكفره بإظهاره أو المجاهرة به، ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل، أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى، ونكره المعصية وندمها، وننصح برفق ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ويشرع الهجر في مثل بعض الأحوال لبعض العصاة، يشرع الهجر هجر تأديب من غير تحديد مدة، إن ظن الهاجر أن هجر هؤلاء العصاة ينفعهم. ولا نتألى على الله عز وجل، ونقول: والله لا يغفر الله لفلان؛ فإنه يتبجح بالمعاصي أو يتفاخر بالمعاصي، فإن هذا مما جاء التحذير منه في هذه الشريعة الغراء. نكل سرائرهم إلى الله عز وجل، ونكره فعلهم، وننصحهم، ونصبر عليهم، والأصل في الدعوة الرفق. قال تعالى لموسى وهارون وهما نبيان كريمان: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. والمعاصي لها شهوتها ولذتها، فينبغي الصبر على الدعوة في مثل هذا الجانب. وأما أن نكون كما قال ذاك الرجل لأخيه وقد تعب من نصيحته: والله لا يغفر الله لك، قال الله: «من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبَطْتُ عملك». وبعض العصاة قد يجتمع مع معصيته محبة الله ورسوله، يفعل الكبيرة، وقد يكون في بعض الأحوال عنده إيمان وحب لله عز وجل ورسوله. فهذا فلان من الصحابة الملقب بالحمار، جئ به مرارا، وقد جلد في حد الخمر، حتى غضب أحد الصحابة فقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه، وقال: «لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله». هذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل والصحابي رضي الله عنه أنه يحب الله ورسوله مع كثرة شربه للمسكر، وهذا من كبائر الذنوب. فينبغي الاعتدال في هذه المسألة، لا الاعتداء بها كما فعلت الخوارج. نحن نعتدل فيها ولا نعتدي بها، فنتذرع منها إلى تكفير المسلمين. نكره المعاصي، ونحذر منها، ونبغض فاعلها بقدر معصيته. قد نهجره هجر تأديب، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا، هجرهم خمسين ليلة. قال أهل العلم: ولولا نزول القرآن لاستمر الهجر أكثر من ذلك، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات. قال رحمهم الله تعالى: "ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل". لا كما يفعل من يرى معاصيا، مصرا على المعصية، فيكفره بالإصرار. وقع هذا لبعض المعاصرين. والغضب محمود إذا انضبط بضوابط الكتاب والسنة، وليس كل غضب يحمد، إنما الغضب الذي يوافق الشرع هو الذي يحمد. ولهذا، مثل هذا الكلام هو من جنس كلام الخوارج: أن المصر كافر. هذا الكلام ليس بصحيح. نكل سرائرهم إلى الله عز وجل، ونبغض المعصية حيث كانت، وكذلك المجاهر أيضا ونحوهم، وليس في هذا تهوينا للمعاصي، بل هذا هو الاعتدال في هذه المسائل، هذا الذي جاء به الكتاب والسنة. فالمعاصي يجب إنكارها، ويجب النصح فيها، ويجب إزالتها. فمن استطاع أن يزيل المعاصي بيده فعل، ومن استطاع أن يزيلها بلسانه فعل كخطباء المساجد أو نحوهم، ومن لم يستطع فلا أقل من أن ينكر بقلبه. لحديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهذا يخرج منه الولاة ونحوهم، فالواجب شيء آخر من الصبر والنصح في السر ونحو ذلك. ولا ننزع يدا من طاعة، ولا نسفك الدماء، فإن هذا دفع مفسدة صغرى ووقوع في مفسدة كبرى، وهذا لا يجوز بإجماع أهل العلم. ثم قال رحمه الله: "ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان". ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان. هذه المسألة مسألة مهمة، تابعة لما سيأتي ولما تقدم أيضا. والمراد من طرق هذه المسألة الرد على طريقة فرقتين من الفرق الضالة المارقة، وهم: الخوارج والرافضة. والرافضة كفار، والخوارج مسلمون ضلال، ومن شابههم، فإنهم في مثل هذه الطاعة يخالفون السنة، هذا أولا، ثم يخالفون الجماعة، هذا ثانيا، فيرتكبون خطأين: خطأ من جهة السنة، وخطأ آخر من جهة الجماعة. فأخطأوا من الجهتين: من جهة السنة، ومن جهة الجماعة. فتراهم إذا رأوا ما لا يرتضونه في الإمام، أو الوالي، أو الحاكم، أو نحوهم، مما قد يكون ذنوبا أو خطايا، بادروا بشق صف الجماعة، يتميزون عن جماعة المسلمين، حتى إنهم في هذا التميز يتركون فعل الطاعة والمعروف إذا دعا إليه الإمام الذي ارتكب ذنوبا أو خطايا أو غير ذلك، يتركون الطاعة والمعروف، ثم يتطور الأمر بهم حتى يصلوا إلى سفك الدماء وركوب الفتن العظام. هذا موجود في الخوارج وفي الروافض. ولهذا جاءت السنة النبوية من النبي صلى الله عليه وسلم بسد هذه المهالك وإغلاق هذه الأبواب، وهي صغيرة قبل أن تكون كبيرة. جاءت السنة بإغلاق هذه الأبواب وسد هذه الفرج التي يغتر بها الجاهل، ويظنها من الطاعة والدين، وإنما هي مروق عن الطاعة والدين. وكما قيل: رب كلمة صارت نحلة، تبدأ بكلمة ثم تصير نحلة، عياذا بالله. ولهذا إذا أمر الولاة ونحوهم، وكانوا فجارا ظالمين غشمة، أمروا بمعروف، أو بسنة، أو بطاعة، فالواجب فعل تلك الطاعة معهم، لا مفارقتهم في تلك الطاعة، هذا الذي يجب. فمن فارقهم في تلك الطاعة فقد خالف السنة في ترك الطاعة، وفارق الجماعة فيما أمر به هؤلاء الناس، هؤلاء الولاة الذين من صفتهم الغشم والظلم والفجور ونحو ذلك. ولهذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام البخاري، في حديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأئمة الذين فيهم شيء: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». فهذا الحديث وأمثاله نص على عدم ترك الصلاة معهم لوجود الخطأ الذي يفعلون. يصلون لكم، يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا كأن فعلوا بدعة أو خالفوا سنة أو نحو ذلك، هل يضركم في صلاتكم؟ لا، لا يضركم في صلاتكم، لا يضركم في صلاتكم. يصلون لكم، أي الأمراء، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم. أيضا في صحيح الإمام مسلم، حديث عبادة بن الصامت عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت؟» يقول لأبي ذر: «إذا كنت مع قوم، إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها». قال أبو ذر: قلت: فما تأمرني؟ هذا الواجب في مثل هذه المسألة إذا حصلت هذه الخطايا والأمور أو الفتن، فالواجب أن نسأل هذا السؤال: فما تأمرني؟ هذا نهج السلف من الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، لا أن نفتي أنفسنا، أو نعجب بآرائنا، أو أن نتبع شُبَهًا في أفكارهم أو آرائهم. لا، ما تأمرنا يا رسول الله؟ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، يقول الله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾، أن يتكلم فيه كل أحد، أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول في حياته صلى الله عليه وسلم، أو إلى سنته بعد وفاته، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أي العلماء في هذا الموضع، ﴿لَعِلْمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، أي يستخرجون الحكم من النص، مما لا يستطيعه أي أحد. الاستنباط هو إخراج الماء من باطن الأرض، لا يستطيعه كل أحد، ولا يعرف مضانه كل أحد، ﴿لَعِلْمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. ثم بين الله في آخر الآية أن هذا المنهج هو فضل الله عز وجل وهو الهدى، وأن من خالف هذا المنهج فإنه على شفا ضلالة عظيم. قال الله بعدها: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهذا فضل الله ورحمته، وهذا سبيل الشيطان وسبيل أتباع الشيطان، عياذا بالله. قال: فما تأمرني؟ يعني: إذا رأيت أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو قال صلى الله عليه وسلم: يميتون الصلاة عن وقتها. قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِ، فإنها لك نافلة». صل الصلاة لوقتها. ولهذا كان أمراء بني أمية يؤخرون صلاة الجمعة إلى قبيل العصر، والجند بين الناس، فمن قام يركع زجروه وقالوا: اجلس. فكان السلف على رأيي منهم: من يصلي في موضعه في مكانه يومئ إيماء، ثم يصلي معهم الصلاة، ومنهم من يصليها معهم كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أصوب وأصح، هذا أصوب وأقرب إلى موافقة الأدلة. ولهذا نقل الإمام أحمد في رسالته أصول السنة، قد قرأناها في الدورة الماضية، كلاما عظيما في هذه المسألة، مفاده أن من ترك الصلاة مع الإمام فإنه يكون مبتدعا. هذه المسألة يبدع بها عند الإمام أحمد، وكثير من السلف يبدع بهذه المسألة: أن من ترك الجمعة والجماعة مع الإمام الفاجر فإنه مبتدع. يقول الإمام أحمد في أصول السنة: "وصلاة الجمعة والجماعة خلفه، وخلف من ولاه، جائزة باقية تامة. ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء. إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، فالسنة أن نصلي معهم. ركعتين، من أعادهما، أعاد الإمام أحمد للمسألة: من أعادهما فهو مبتدع". قال الإمام أحمد رحمه الله: "ويدين بأنها تامة، لا يكن في صدرك من ذلك شك". انتهى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغفر، وهو واضح في هذه المسألة العظيمة. لا يعيد الصلاة لأنهم أخروها. كان ابن عمر رضي الله عنه يصلي خلف الحجاج وهو ظالم سفاك للدماء، كان يصلي خلفه ولا يعيد الصلاة، ما يعيد الصلاة، يصلي خلفه. وهكذا كان السلف يصلون خلف الحجاج بن يوسف الثقفي. وكان ابن مسعود يصلي صلاة الفجر خلف الوليد بن عقبة، وكان في تلك الفترة يسكر ويشرب الخمر، ويصلون خلفه. صلى بهم مرة صلاة الفجر وهو سكران أربعا، فلما سلم قال: أزيدكم؟ أربع ركعات صلاة الفجر. وابن مسعود يصلي خلفه، فلما سلم قال: أزيدكم؟ قال ابن مسعود: ما زلنا منذ الصباح في زيادة، نحن منذ صليت منها ونحن ما شاء الله. ولم يترك ابن مسعود رضي الله عنه الصلاة. نعم، شكوا أمر الوليد إلى أخيه من أمه، أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فعزل. شاهد أنهم صلوا وراءه، ما كتب الله له، ولم ينزعوا يدا من طاعة، ولا تركوا الجماعة، ولا خالفوه. هذا الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. ولما حوصر أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، حوصر، جاء بعض الخوارج الغشمة ليصلي بالناس الفريضة، فحز على بعض الناس من ذلك شيء، فقالوا لأمير المؤمنين عثمان: يا أمير المؤمنين، إنك رجل، إنك إمام جماعة، ويصلي بنا هؤلاء. فقال عثمان رضي الله عنه كلمة عظيمة، والحديث في صحيح الأثر، في صحيح البخاري، ذكره الإمام البخاري في صحيحه. قال عثمان رضي الله عنه: «يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم». هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم في النظر إلى مثل هذا. ولهذا قال أهل السنة: إن الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، صلاته في نفسه صحيحة، وصلاتك معه صحيحة. القصد من مثل هذه الأحاديث العظيمة: ألا ندفع شرا قليلا بشر أعظم منه، هذا من عدم الفقه. حصول فرق بين المسلمين: فلان لا يصلي خلف الولاة، فلان لا يصلي خلف هؤلاء الظلمة، فيحصل فرقة في المسلمين، وهم ولاة الأمر، ويبدأ المسلمون يتمزقون ويتفرقون، وهذا يضعف شوكتهم، ويحدث الفتن في المستقبل. الصلاة معهم فيها شر، يعني لا نقول إنها خالصة من الخطأ: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». فيها شر، لكن ترك الصلاة أشر من فعل الصلاة. ترك الصلاة معهم، ترك الحج معهم، ترك إقامة الجهاد معهم، هذا أشر وأعظم. قد يحتاج الوالي الظالم إلى حماية ثغر من ثغور المسلمين في موضع من المواضع، حماية ثغر من ثغور المسلمين، فيأتي بعض المسلمين يقول: ننصر هذا الظالم، هذا الفاجر، آكل الربا، شارب الخمر، فاعل المعاصي، نعينه في دولته. سبحان الله! ترككم لهذه الطاعة خروجاً عن السنة. فإن الجهاد إذا أمر به الوالي يصير فرضا على من هو تحت ولايته، وهذا والٍ عليكم. ثم ترككم لهذا الجهاد قوة لأعداء الإسلام، فإن أعداء الإسلام يتقوون عليكم بترككم لحماية الثغور وحماية الديار. ثم أيضا فيه مفسدة أخرى، وهي أن أمركم سيؤول إلى اقتتال معه، فإنه لن يرضى فعلكم، وسيأمركم فترفضون، فتنكرون، فتسجنون، فتقاتلون، فتقاتلون، فتسفك دماء المسلمين. هذا الشر أعظم من الصلاة معه، أو الحج معه، أو الجهاد معه. لهذا لا ندفع شرا قليلا بشر أكبر، هذا من عدم الفقه. ولا ندفع فسادا صغيرا بفساد أكبر، ولا ندفع ضررا خفيفا بضرر أكبر. الواجب دفع... لا ندفع أخف الضررين بأعظمهما، إنما ندفع أعظم الضررين ونفعل أخفهما، لا مانع في مثل هذا الحال كما هو معلوم. فتفويت الجماعة شر، تفويت الجماعة فيه شر، وهو أعظم من قضية الصلاة معهم جماعة. تفويت الجمعة فيه شر، لكن فعلها أقل شرا، أقل شرا وأقل مفسدة. هذا إذا كان تركك للجهاد، وتركك للحج، وتركك للطاعة، وتركك للصلاة، يتحقق منه دفع لهذا الشر والفجور. فإن كان الفجور يبقى والمعاصي تبقى كما هي، وإنما اعتزلت، فأي خير وجدت؟ ما الذي حققت؟ وما الذي دفعته من الشر؟ الشر باقٍ. فهذا لا شك أنه يعني من ضعف العقول. فالتخلف إذا كان لا يدفع شرا فالمصلحة الشرعية في عدم التخلف. هذا يفهمه أهل العقول السوية. المصلحة الشرعية إذا لم يحصل في التخلف دفع الفجور وقلة الشرور، فالمصلحة الشرعية في فعل تلك الصلاة ونحوها معه. يقول المؤلفان رحمهما الله تعالى: "ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان". ولهذا جرب المجربون، وكما قيل: شباب الأمس ذاق الويلات، فكانت النتيجة أن يصرحوا في هذه الأزمان، فيقولوا: جربنا المصادمة مع الدول والحكام، فلم نجدها تجدي شيئا. جربنا التعبئة، تعبئة الشباب وتحريض الشباب، فما وجدناها إلا تزيد في الشرور، وتمكن المنكرات، وتعظم بها الكفرات، وتضعف دول المسلمين، وتزداد سلطة أعداء الدين على الدين، ويظهر الليبراليون، ويظهر العلمانيون، ويظهر الإلحاد أعظم مما كان. فما وجدنا أي مصلحة ترجى من مثل تلك المصادمة. وهم في الحقيقة خالفوا السنة في ترك الطاعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة الجماعة، ولو أخرجها الإمام عن أول وقتها، أو وسطه، أو كاد أن يخرجها، أو أماتها، تصلي معه. هذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا سائر العبادات من الصيام والصلاة والزكاة والحج والجهاد ونحوها، لأنها طاعة لله. أيضا فيه تفريق للجماعة، وهذه مفسدة أخرى عظيمة. فهم خرجوا من البابين: من أهل السنة خرجوا، ومن أهل الجماعة أيضا خرجوا. ونقيم فرض الجهاد... والرافض في هذا الباب من أضل الأمم، وأبخسهم حظا، وأضعفهم عقلا. الرافض، فإنهم يرون أن لا جهاد إلا مع الإمام المعصوم، والإمام المعصوم معدوم. سبحان الله! قالوا: دخل السرداب سنة 260 للهجرة، أو قريبا منها، دخل السرداب، ونحن ننتظر خروجه، فإذا خرج جاهدنا معه، فإذا لم يخرج لم نقاتل معه. ويأتي بعضهم فيضع على غار في سامراء خيلا وسرجا للخيل، ويجلسون، يجلس أحدهم، يدفع له مال فيجلس، يلادي: يا مولانا أخرج، يا مولانا أخرج، يا مولانا أخرج، يا مولانا أخرج. فهم من أعظم الناس حمقا، من أعظم الناس حمقا. نسأل الله العافية والسلامة. فالجهاد ماضٍ مع الأئمة، أبرارا كانوا أو فجارا، لا يترك الجهاد في سبيل الله، لا يترك الجهاد في سبيل الله. والجهاد من خصائص ولاة الأمور، كما يقول الفقهاء. يقول الفقهاء: والجهاد موكول بالإمام. لا يأتي طائفة وتزعم أنها تجاهد، هذا من خصائص ولاة الأمور. إعلان جهاد الطلب ونحوه، هذا من خصائص ولاة الأمور. في جهاد الطلب، تقدم في أصول السنة الكلام على نوعي الجهاد: جهاد الطلب، والجهاد الدفع. وجهاد الدفع فرض عين على من حصل لهم البلاء، فيجب عليهم أن يدفعوا عن أنفسهم. تعطيل فريضة الجهاد شره عظيم، لا يعود على المسلمين بخير. الجهاد باقٍ في الأمة. ولهذا الليبراليون في هذا الزمان، والعلمانيون، أو العالمانيون كما يصوب بعض الناس، من ضلالهم وكفراتهم، إنكار شعيرة الجهاد في سبيل الله. جهاد الطلب ينكرونه، ويقولون: إنما جاء النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام بجهاد الدفع، لا بجهاد الطلب. وهذا أمر عظيم وضلال مبين، نسأل الله العافية والسلامة. بل جهاد الطلب من فرائض الأئمة، يجب على الوالي والحاكم والإمام أن يهيئ الأجواء بتعبئة الجند وتسليحهم وتطوير السلاح، وأيضا شراء المعدات وتدريب المجندين وإغنائهم بالمال. يجب على ولي الأمر هذا، من فرائض ما يجب على ولي أمر المسلمين، لأنه لا تقوم شوكة الإسلام إلا بالطلب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، هكذا أمر الله سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. هذا فرض ولاة الأمور، يجب عليهم أن لا يتهاونوا في أمر الجيوش وإعدادها وتعبئتها وتحصينها عقيدة وسلوكا وغير ذلك. هذا من واجبات ولاة الأمور. هذا كما يقول الأئمة في هذا الباب. يقولان رحمهما الله تعالى: "ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان". قد يقول قائل: هذا الكلام في دولة بني أمية، نعم. هذا الكلام في دولة بني العباس، نعم. لكن اليوم لا، هذا لا ينطبق اليوم. هذا أيضا من الضلال ومن التلبيس، هذا أيضا من الضلال والتلبيس. فما قيل بالأمس يقال في اليوم، ما قيل في الأمس يقال في اليوم. وجنس المعاصي قديم، وجنس الأخطاء قديم. ولهذا يقول هذان الإمامان: "ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان"، في كل دهر وزمان. ليست المسألة خاصة بزمن الصحابة، أو بزمن التابعين، أو بزمن الأئمة المهديين، أو بنحو ذلك، بل في سائر الأزمان. ولهذا قاتل شيخ الإسلام ابن تيمية في جبل كسروان مع الأشاعرة، كان الولاة فيهم مذهب الأشاعرة، وقاتل مع أولياء الأمور الرافضة في معركة جبل كسروان. وكان جبلا في ناحية الشام يتحصن فيه الروافض، ويؤذون المسلمين بين الفينة والفينة. فكان من مناقب ابن تيمية رحمه الله أن قاتل هؤلاء الروافض، وشجع الولاة، وقال: لا يستقيم لكم أمر، ولا يمكن أن تدفعوا الفرنج وغيرهم حتى تقاتلوا هؤلاء، فابدأوا بهم قبل أن تبدأوا بغيرهم. وتحركت جيوش الإسلام إلى جبل كسروان، وحصلت المعارك، وهزم الرافضة شر هزيمة. ويذكر ابن تيمية أن الرافضة أعظم خدم لليهود، وأنه إذا تسلط الرافضة... إذا تسلط اليهود والنصارى على العراق، فإنه سيكون الرافضة أعظم عين لهم. وهذا الذي جرى وحصل في المعارك التي حصلت في السنوات الماضية، حتى إن بعض وزراء إيران يقول: لولا إيران ما دخل الأمريكان، الأمريكان العراق ولا أفغانستان. وهو صادق في ذلك، وهو كذوب، صادق في ذلك، وإن كان من أهل الفجور وعظائم الأمور. هذا الذي قاله أئمة من قبل. ولهذا يعني يجب أن نجعل المجتمع مجتمعا متماسكا، ونكون من أهل الفقه والعلم، فلا ندفع شرا قليلا بشر أكبر، ولا نعالج فسادا صغيرا بفساد أعظم، ولا ندفع ضررا بأضر منه وأكبر. بل الواجب أن ننظر في المصالح، أن ننظر في مصالح أهل الإسلام، ننظر في مصالحهم وما ينفع بلاد المسلمين، ولا أن يبقى الخير في الجملة خير من أن يذهب الخير، ولأن يبقى الإسلام عزيزا خير من أن يتسلط أعداؤه عليه، فيكون عياذا بالله تحت وطأة أعداء الدين. ولكن أين من يفهم هذا الكلام حق الفهم، ويدرك مقاصد الشريعة، يدرك مقاصد الشريعة في هذه الأمور؟ فنسأل الله جل وعلا أن يهدي شبابنا، ويهدي مجتمعاتنا، ويوفقنا إلى الخير، ويهدينا إلى سواء السبيل، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.