الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المؤلف أن الله خلق للعبد مشيئة وقدرة وإرادة يختار بها الأفعال، مستدلاً بآيات قرآنية كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. ويبين أن العبد يؤدي الطاعات والمعاصي باختياره لا جبراً، وأن التكليف بما لا يطاق ينافي حكمة الله.
يستدل المؤلف بتوجيه الأوامر والنواهي إلى العباد على أن الله منحهم المشيئة والاختيار، لأن تكليف من لا قدرة له يعد عبثاً منفياً عن حكمة الله. ويؤكد أن قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ يدعم هذا الدليل.
يستدل المؤلف بمدح الله للمحسنين وذمه للمسيئين على إثبات مشيئة العبد، لأن المدح والثواب على فعل غير مختار عبث والعقوبة على فعل مضطر ظلم. ويوضح أن استحقاق المدح والثواب يقتضي أن يكون الفعل صادراً عن اختيار العبد الحر.
يختتم الشيخ الدرس معلناً مواصلة الشرح في درس قادم، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه. ثم يشكر الحضور على حضورهم ومتابعتهم.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرة، بهما يكون الفعل. والدليل على أن فعل العبد باختياره وقدرته أمور: الأمر الأول: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾. فأثبت للعبد إتياناً بمشيئته، وإعداداً بإرادته. ذكر رحمه الله تعالى أن الإيمان بمرتبة المشيئة والخلق، وأن فعل العبد واختيار العبد من خلق الله عز وجل، لا يدل هذا على أن العبد ليس له مشيئة واختيار، أو أنه إذا فعل ذلك لم يفعل ذلك بمشيئته واختياره. بل العبد يفعل بمشيئته واختياره، وإن كانت مشيئته واختياره هي من خلق الله عز وجل. بأن العبد وأفعاله مخلوقة، والإرادة التي يعمل بها جعلها مشيئة واختياراً يختار بها، وجعلها قدرة وإرادة يفعل بها الأفعال، وجعل له المشيئة والاختيار. فالعبد إذا فعل الطاعات فهو فعل ذلك باختياره وبمشيئته، فعل ذلك بتلك القدرة وتلك الإرادة التي خلقها الله جل وعلا فيه. وهكذا إذا فعل المعاصي والمحرمات فإنه فعل ذلك باختياره ومشيئته، لم يكرهه أحد على ذلك، ولم يجبر على ذلك، وإنما فعل ذلك بمشيئته واختياره. فعل هذه المعاصي والذنوب بقدرة وإرادة، تلك القدرة والإرادة التي خلقها الله جل وعلا فيه. فالله جل وعلا خلق للعبد في العبد قدرة واختياراً يفعل بهما، وجعله مشيئة واختياراً يختار بهما. خلق الله جل وعلا في العباد قدرة وإرادة يفعلون بها، وجعلهم مشيئة واختياراً يختارون بها طريق الهدى أو طريق الضلال، طريق الخير أو طريق الشر. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾. وذكر رحمه الله تعالى الأدلة التي تدل على أن الله جل وعلا جعل للعباد مشيئة واختياراً. فذكر قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال جل وعلا: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أي: كيف شئتم، بما يوافق الشرع. فقوله جل وعلا: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أي: كيف شئتم. فهذا فيه إثبات المشيئة للعباد. ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أي: كيف شئتم. إذن لكم مشيئة. إذن إتيان العباد حرثهم بمشيئتهم. إتيان العباد حرثهم بمشيئتهم، فهم يأتون حرثهم بمشيئتهم، يأتون أهلهم بمشيئتهم، لا يكرهون على ذلك، لا يكره أحد على إتيان حرثه، وإنما هو الذي يأتي حرثه بمشيئته. وهكذا في الآية الأخرى: قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾. فأثبت الله جل وعلا لهم إرادة، أثبت للعباد إرادة. هذه الإرادة هي من خلق الله جل وعلا، وهم عندهم مشيئة واختيار. أمرهم الله جل وعلا بالخروج، وجعل لهم إرادة. نعم، إذا شاءوا ذلك، وإذا شاءوا إعداد العدة لهذا الخروج، فعندهم إرادة. خلق الله جل وعلا فيهم إرادة يستطيعون بها إعداد العدة للخروج. نعم، وحصل عندهم، حصل عندهم الاختيار للخروج. فعندهم المشيئة والاختيار: إن أرادوا خرجوا بمشيئتهم واختيارهم، بماذا؟ لأنهم عندهم الإرادة، عندهم الإرادة التي خلق الله جل وعلا فيهم. نعم، يأتون الطاعات بها، أو يأتون المعاصي بها. فعندهم إرادة. فإذا أرادوا الطاعات فعلوها، فقد خلق جل وعلا فيهم الإرادة التي بها يفعلون تلك الطاعات. ولكن إذا شاءوا المعاصي والمحرمات، فعندهم إرادة خلقها الله جل وعلا فيهم، فعلوا المعاصي والمحرمات. فالإرادة خلقها الله جل وعلا في عباده، نعم، بها يفعلون الخير أو الشر. فهم الذين يفعلون ذلك باختيارهم، الخير أو الشر، ولم يكرهوا على ذلك. عندهم إرادة: إذا أراد إنسان أن يستقيم استقام، عنده إرادة جعلها الله جل وعلا فيه، إذا اختار الاستقامة. نعم، لكن إذا اختار العصيان والعياذ بالله، كذلك عنده إرادة، لأن الله جل وعلا خلق فيه الإرادة، وهو اختار الشر والعياذ بالله. فهذه الآية فيها دليل على أن العباد لهم مشيئة واختيار وقدرة وإرادة، إما يفعلون بها الخير فيمتثلون ما أمروا به، وإما والعياذ بالله يفعلون الشر فيخالفون ما أمروا به. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، عندهم إرادة إذا أرادوا الخروج. نعم، وإذا لم يريدوا ذلك، عندهم إرادة بها يقعدون ولا يخرجون. وهم باختيارهم: إن خرجوا امتثلوا، وإن قعدوا خالفوا وعصوا، فيثابون بخروجهم، ويعاقبون على قعودهم. والإرادة قد خلقها الله جل وعلا فيهم، بها يختارون ما شاءوا من خير أو شر. قال رحمه الله تعالى: الأمر الثاني: توجيه الأمر والنهي إلى العبد. ولو لم يكن له اختيار وقدرة، لكان توجيه ذلك إليه من التكليف بما لا يطاق، وهو أمر تأباه حكمة الله تعالى ورحمته، وخبره الصادق في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾. أضمن الأدلة على أن الله جل وعلا جعل العباد اختياراً ومشيئة يختارون بها، أن الله سبحانه وتعالى وجه الأوامر إلى عباده، أمرهم بأوامر، ونهاهم كذلك عن نواه. وهكذا رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمر بأمر الله بأوامر، ونهى بنهي الله عن نواهي. هذه الأوامر والنواهي وجهت إلى من؟ وجهت إلى العباد: افعل، لا تفعل. نعم، أمر بطاعة، ونهي عن معصية. وجه هذا إلى العباد، إلى خلق الله سبحانه وتعالى. فإذا كان العباد لا اختيار لهم ولا مشيئة، لا اختيار لهم ولا مشيئة يفعلون بها الطاعات أو يتركون بها المعاصي، فيكون توجيه هذه الأوامر إليهم من العبث. نعم، وليس من الحكمة أن يوجه الأمر إلى من لا يستطيع أن يعمل ذلك باختياره، أن لا يعمل ذلك باختياره وبمشيئته. إذا وجه الشخص أمراً نعم إلى أحد، وقال: افعل كذا. نعم، وذلك الشخص لا يستطيع، ليس باختياره أن يفعل، ليس باختياره أن يفعل. أو يقول له: لا تفعل كذا، وذلك الشخص ليس باختياره أن لا يفعل. نعم، فيكون توجيه الأمر إلى من لا يستطيع أن يختار ويفعل، نعم، ليس من الحكمة، وهو من العبث. وهذا ينزه الرب سبحانه وتعالى عنه. فالله جل وعلا هو الحكيم. الله جل وعلا لم يأمر العباد بأوامر وينهاهم عن نواه، نعم، وهم لا مشيئة لهم في ذلك ولا اختيار، ليست عندهم مشيئة، ولا عندهم اختيار يفعلون الطاعات أو يتركون النواهي. فلما وجهت الأوامر إلى العباد من رب العالمين جل وعلا، وهكذا النواهي، هذا يدل على أن الله جل وعلا جعلهم الاختيار، المشيئة، جعلهم الاختيار، المشيئة والقدرة، نعم، على فعل ما أمرهم الله جل وعلا به، وعلى ترك ما نهاهم الله سبحانه وتعالى عنه. أما أن توجه أمر إلى جدار: افعل كذا مثلاً. قل: يا أيها الجدار افعل كذا. نعم، تكلم أيها الجدار. ما يستطيع ذلك، ما يستطيع أن يتكلم. كيف توجه الأمر إلى جدار تقول له: تكلم؟ ما يمكن. نعم، أو افعل كذا، أو افعل كذا. هو لا يستطيع أن يفعل هذا، فيكون توجيه الأمر من العبث. دقق الجدار: يا أيها الجدار تكلم، أو يا أيها الجدار لا تتكلم. نعم، أنت وجهت الأمر إلى من؟ الآن هل إلى من له مشيئة واختيار يتكلم أو لا يتكلم؟ لا، وجهت الأمر إلى من لا مشيئة له واختيار أن يتكلم أو أن لا يتكلم. نعم. لكن إذا وجهت إلى شخص: يا فلان لا تتكلم، يا فلان لا تفعل كذا، يا فلان افعل كذا. أنت الآن وجهت الأمر إلى شخص عنده مشيئة، نعم، وعنده قدرة، وعنده اختيار أن يفعل أو لا يفعل. مثل ما إذا وجه الأمير إلى الموظف، المدير إلى الموظف، أو الأمير إلى الرعية أمراً، وأمرهم أن يفعلوا كذا، نعم، أو أن لا يفعلوا كذا. نعم، هل وجه الأمر الآن من الأمير أو من الوزير أو من المدير إلى أشخاص لا اختيار لهم في ذلك أصلاً؟ إذا قالوا: لا تفعلوا كذا، أو افعلوا كذا. لا، وإنما وجهت الأوامر إلى أناس لهم اختيار ولهم مشيئة. نعم، فمن امتثل أثيب وأجر من قبل ذلك المدير أو الوزير أو الأمير، ومن خالف عوقب. ومن غير السائقين: لا تمروا من هذه الطريق، ممنوع المرور من هذه الطريق. نعم، ممنوع، ممنوع على كل أحد أن يمر من هذه الطريق، ومن مر فهو مخالف. نعم، هذه الأوامر وجهت إلى من عندهم اختيار أن يمر أو لا يمر. فإذا مر فهو يعرف العقوبة. نعم، وإذا لم يمر، ومعنى ذلك سلم نفسه. ولله المثل الأعلى، ولله المثل الأعلى. وجه الأوامر إلى عباده والنواهي، لأنه جل وعلا جعل لهم مشيئة واختياراً. إذا لم تكن لهم المشيئة والاختيار، ما وجه الله جل وعلا لهم الأوامر والنواهي. لما؟ لأن ذلك من العبث الذي تأباه حكمة الله سبحانه وتعالى. فتوجيه الأوامر والنواهي إلى العباد دليل على أن العباد لهم المشيئة والاختيار، لهم المشيئة والاختيار. هذا مراد المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: توجيه الأمر والنهي إلى العبد، ولو لم يكن له اختيار وقدرة، لكان توجيه ذلك إليه من التكليف بما لا يطاق، وهو أمر تأباه حكمة الله تعالى ورحمته، وخبره الصادق في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾. إذا قال لعباده وأمرهم بالصلاة، وأمرهم بالصيام، وأمرهم بالطاعات، نعم، وهم لا قدرة لهم على ذلك، ولا مشيئة، ولا اختيار، فيكون هذا من التكليف بما لا تطيق النفوس. وهذا قد نفاه الله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ومعنى هذا أنه إذا أمرهم بأوامر، نعم، وهم لا قدرة لهم في ذلك ولا الاختيار، كان ذلك من تكليف النفس بما لا تطاق. وهذا نفاه الله سبحانه وتعالى. فهذا أمر واضح ودليل بين على أن الله جل وعلا جعل العباد مشيئة واختياراً، لأنه وجه إليهم الأوامر، وجه إليهم النواهي. إذا لم تكن لهم المشيئة والاختيار والإرادة والقدرة، كان توجيه هذه الأوامر والنواهي من التكليف بما لا يطاق، وهذا مما تأباه حكمة الله. هذا مراد المؤلف رحمه الله. قال: الأمر الثالث: مدح المحسن على إحسانه، وذم المسيء على إساءته، وإثابة كل منهما بما يستحق. ولولا أن الفعل يقع بإرادة العبد واختياره، لكان مدح المحسن عبثاً، وعقوبة المسيء ظلماً، وعقوبة المسيء ظلماً. والله تعالى منزه عن العبث والظلم. والله جل وعلا منزه عن العبث والظلم. هذا الأمر الثالث ذكره رحمه الله تعالى دليلاً على أن العباد لهم مشيئة واختيار. إذا فعلوا الطاعات كان ذلك بمشيئتهم واختيارهم، لم يكرهوا على ذلك، لا على فعل الطاعات، ولا على فعل المحرمات، وإنما فعلوا ذلك بمشيئتهم واختيارهم. مما يدل على هذا ما ذكر رحمه الله أن الله جل وعلا مدح المحسنين وذم المسيئين، مدح المحسنين وذم المسيئين، وأثاب كذلك الطائعين وعاقب العاصين. فإذا كان هؤلاء المحسنون إنما عملوا، عملوا تلك الطاعات وذلك الإحسان بغير مشيئة منهم واختيار، فعلوا ذلك بغير مشيئة منهم واختيار، كان الثناء عليهم والمدح لهم من العبث. لماذا؟ لأنه يكون مدحاً لشخص لم يعمل ذلك، لم يعمل ذلك باختيار منه، باختيار منه. فكيف يمدح وكيف يثنى عليه وهو لم يفعل ذلك الفعل باختياره، لم يفعل ذلك الفعل باختياره؟ فإذا مدح أو أثني عليه، يكون هذا المدح والثناء في غير محله، يكون هذا المدح والثناء في غير محله. لأن المدح والثناء إنما يوجه لمن فعل ذلك، لمن فعل ذلك الإحسان، فمدح وأثني عليه لأنه فعل ذلك باختياره. نعم. أما من لم يفعل ذلك باختياره، كيف يمدح وكيف يثنى عليه؟ نعم، إذا مثل على سبيل المثال: رجل في يده سكين، نعم، رجل في يده سكين، ودفعه شخص من خلفه، دفعة في كافر مثلاً، فقتل ذلك الكافر بتلك السكين الذي كان يحملها هذا الشخص. نعم، هل يثنى عليه، وقول: ما شاء الله، جزاك الله خيراً، نعم، قتلت هذا الكافر وأنت فعلت شيئاً عظيماً؟ نعم، ما فعل ذلك باختياره، وإنما دفع دفعاً، دفع ماذا؟ دفعاً. فتوجيه الإحسان والثناء عليه في هذا في غير محله، لأنه لم يفعل ذلك باختياره، نعم، وإنما مكرهاً واضطراراً. فالله سبحانه وتعالى إنما مدح المحسنين وأثنى عليهم في كتابه، ليس لأنهم لم يفعلوا تلك الأشياء وتلك العبادات وتلك الطاعات بمشيئتهم واختيارهم، أبداً. هذا من العبث. وإنما مدح الله سبحانه وتعالى المحسنين والمتقين وأثنى عليهم في كتابه، وهكذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في سنته، لأنهم فعلوا أموراً أمروا بها، وفعلوها باختيارهم. نعم، بجد ومجاهدة، بجد ومجاهدة. قاموا يصلون، وتحملوا عناء ذلك، تحملوا عناء ذلك، صبروا واحتملوا عليه، خرجوا من بيوتهم متوجهين إلى بيوت الله جل وعلا، وتوبؤوا، ووقفوا في الصفوف، وقرأوا، وركعوا، وسجدوا. هذا جهد منهم، فعلوا ذلك باختيار. ضبطوا الأوقات، فرغوا الأوقات لأجل الإتيان بهذه الطاعة. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. فهم جاهدوا أنفسهم، فعلوا ذلك باختيار، نعم، بمجاهدة، بصبر، لتحمل على فعل الطاعة، وعلى ترك المعاصي. ترك المعاصي، وداعي النفس الأمارة بالسوء يدعوهم إلى فعلها، بأن يقعوا في الحرام، بأن يفعلوا كذا من المعاصي. ولكنهم جاهدوا أنفسهم، وصبروا على فعل الطاعة، وعن فعل المعاصي. فهذا يدل على امتثالهم لأمر الله جل وعلا باختيارهم ومشيئتهم. فعلوا ذلك باختيارهم ومشيئتهم، فاستحقوا المدح من الله سبحانه وتعالى، والثناء على إحسانهم، وعلى تقواهم، وعلى مجاهدتهم لأنفسهم، وعلى صبرهم وتحملهم لفعل الطاعة، وترك المحرمات، وعلى أقدار الله عز وجل، وغير ذلك. كل ذلك صدر منهم بمشيئة واختيار، لم يحصل ذلك منهم بغير اضطرار منهم. حصل ذلك كله: صبروا على الطاعات، صبروا عن المعاصي والمحرمات فتركوها، صبروا على أقدار الله. كل هذا حصل منهم بغير اختيار منهم؟ كيف يثابون وكيف يثنى عليهم؟ نعم، وكيف يمدحون؟ لا، إنما مدحهم الله سبحانه وتعالى وأثنى عليهم لأنهم امتثلوا أمر الله جل وعلا بمشيئة واختيار، وتركوا معصية الله سبحانه وتعالى بمشيئتهم واختيارهم. فمدحهم الله جل وعلا وأثنى عليهم. وكذلك أولئك الذين فعلوا المحرمات، فعلوها بمشيئتهم واختيارهم. ولذلك ذمهم الله جل وعلا. إذا كانت تلك الأفعال والأعمال التي عملوها من المعاصي والمحرمات، ما كانت باختيارهم، وإنما كانت باضطرار وإكراه، ومن غير اختيار منهم، فكيف يذمون؟ إذن لا يستحقون الذم، ولا يستحقون كذلك العقوبة، إذا فعلوا أموراً لم يفعلوها باختيارهم. هذا ينزه الرب سبحانه وتعالى عنه، أن يكون قد عاقب العاصين، نعم، وذمهم على فعل أمور لم يفعلوها باختيارهم. هذا ينزه الرب جل وعلا عنه، لأنه الحكيم سبحانه وتعالى، ولأنه جل وعلا العدل. يكون هذا من الظلم الذي تنزه الرب سبحانه وتعالى عنه. ﴿يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا﴾. إذا كان عقوبة العاصين وذمهم بما فعلوا من أمور، وتلك الأمور لم تصدر منهم باختيار ومشيئة، يكون هذا فيه ظلم في حقهم. وهذا كما سمعتم منزه الرب جل وعلا عنه. فهذا أيضاً من الأدلة الواضحة البينة التي تدل على أن للعباد المشيئة والاختيار، إذا فعلوا الطاعات، أو إذا فعلوا المحرمات. بخلاف إذا كانوا مكرهين، فإنهم لا يلامون، لأنهم فعلوا بغير مشيئة واختيار، وإنما باضطرار أو إكراه. نواصل إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً.