الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، مبيناً أنها حق من عند الله وتصادق بعضها بعضاً، لكن وقع فيها التحريف. ويؤكد أن القرآن العظيم خاتم الكتب، مصدق لما قبله ومهيمن عليه، ناسخاً لشرائعها ومحفوظاً من التحريف، وأن العمل به وحده هو المقبول بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يبين المحور أن الكتب السابقة نُسخت بالقرآن ولم يعد العمل بها مجدياً، مع تفصيل حال اليهود والنصارى في تحريف التوراة والإنجيل مقابل حفظ الله للقرآن من أي تحريف، مستدلاً بقصة اليهودي الذي حاول تحريف القرآن فافتضح أمره فأسلم.
يستعرض المحور أمثلة عملية على تحريف اليهود والنصارى لكلمات الوحي، كتحريف "حِطَّة" إلى "حِنْطَة" و"استوى" إلى "استولى"، مع الإشارة إلى آيات قرآنية توعد الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ينسبونه إلى الله لكسب دنيوي، مبيناً أن التحريف شمل اللفظ والكتابة والكتمان.
يشير المحور إلى أن التوراة والإنجيل الحاليين يحتويان على تناقضات وأكاذيب تثبت بطلانهما، لأن الوحي الإلهي الحق لا يمكن أن يتضمن تناقضاً، ويختتم الدرس بدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة للاشتراك في القناة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فنواصل في ذكر ما يتعلق بالإيمان بالكتب. قال المصنف رحمه الله تعالى: ونعلم من هذه الكتب التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى صلى الله عليه وسلم، وهي أعظم كتب بني إسرائيل، فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، لما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء. ذكر المصنف رحمه الله أن من الكتب التي أنزلها الله عز وجل التوراة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى عليه الصلاة والسلام، وهي أعظم كتب بني إسرائيل، فيها الهدى وفيها النور لمن أخذ بها وعمل بها. وقال: الإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عيسى صلى الله عليه وسلم، وهو صدق للتوراة ومتمم لها. قال جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِيُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. الإنجيل من الكتب المنزلة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، أنزلها على عيسى عليه الصلاة والسلام، وهي تصدق بما في التوراة وبما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام، فالإنجيل يصدق التوراة، وهكذا الكتب يصدق بعضها بعضا، وآخر هذه الكتب القرآن، ويصدق الكتب السابقة لأنها كلها من عند الله. ولذلك كانت هذه الكتب يصدق بعضها بعضا لأنها من عند الله سبحانه وتعالى، كلها حق إلا ما حُرِّف من قبل النصارى واليهود، وإلا فما أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه موسى وعلى نبيه عيسى كله حق، يصدق بعضه بعضا، وهكذا الكتب الأخرى. وفيها الشرائع، في التوراة الشرائع، من أعظم هذه الشرائع الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، فيها بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلال، إلى آخر ذلك، وهذا موجود في جميع الشرائع، كما قال جل وعلا: ﴿وَلِيُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، هذا في الإنجيل، وهكذا في التوراة في أحكام ما حل الله وما حرم، وهكذا التوحيد والأمر به والنهي عن الشرك إلى آخر ذلك، الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، فيها أحكام الشرع الذي أرسل به ذلك النبي من رب العالمين جل وعلا. قال: والزبور الذي آتاه الله تعالى داود صلى الله عليه وسلم. ومن الكتب المنزلة الزبور، كما قال جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وآتينا داود زبورا، فالله عز وجل أنزل الزبور على نبيه داود عليه الصلاة والسلام، وفيها أحكام، وفيها كذلك أمره جل وعلا بعبادته وغير ذلك، لأنه ما من رسول بعثه الله جل وعلا إلا وهو يدعو إلى عبادة الله وإلى التوحيد: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فهذا هو الذي جاءت به الرسل وبعثت به، وأعظم ما تضمنته كتبهم دعوة الناس، من دعوة الناس إليه. قال رحمه الله: وصحف إبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾. هذه أيضا من الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على خلقه، وعلى نبيه إبراهيم وموسى، وهي الصحف، وفيها كذلك بيان أحكام شرع رب العالمين الذي أمر به أولئك الذين بعث إليهم هذان النبيان. فصحف إبراهيم وموسى من الكتب المنزلة، وفيها كذلك أحكام وأمور وأوامر، أمر الله سبحانه وتعالى بالأخذ بها وب العمل بها وبتبليغها. قال: القرآن العظيم الذي أنزله الله على نبيه محمد خاتم النبيين، خاتم النبيين، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فكان مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فنسخ الله به جميع الكتب السابقة، وتكفل بحفظه عن عبث العابثين وزيغ المحرفين. قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، لأنه سيبقى حجة على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. أما الكتب السابقة فإنها مؤقتة بأمد ينتهي بنزول ما ينسخها، ويبين ما حصل فيها من تحريف وتغيير، ولهذا لم تكن معصومة، وقد وقع فيها التحريف والزيادة والنقص. القرآن هو أعظم هذه الكتب المنزلة من عند الله جل وعلا، والقرآن ناسخ للكتب السابقة، يصدق الكتب السابقة وهو كذلك ناسخ لها، كما قال جل وعلا: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، حاكما وناسخا. هو يصدق الكتب السابقة وأيضا هو ناسخ للكتب السابقة، فبعد إنزال القرآن العمل بشرائع السابقة لا ينفع، والبقاء عليها لا ينفع، وإنما ينفع الأخذ بهذا الكتاب العظيم الذي ختم الله جل وعلا به الكتب السابقة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما يسمع بي من يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار». فمن كان على شريعة موسى، سمع برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأخذ ذلك، بلغته رسالة صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام فلم يقبلها، فلا ينفعه بقاؤه على شريعة موسى، يقول: أنا سأبقى على هذا الدين وعلى ما جاء به موسى، على التوراة، أو يقول ذلك: أنا سأبقى على الإنجيل والعمل به، ولا يأخذ بهذا القرآن، فما ينفعه العمل بهذه الكتب لأنها صارت منسوخة، والذي قال جل وعلا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فالذي لا يعمل بما جاء في كتاب الله عز وجل ويأخذ به بعد بلوغه إياه، وهكذا لا يقبل شريعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا ينفعه إيمانه بالكتب السابقة وبقاؤه على العمل بها، فلا ينفع ذلك لأنها صارت منسوخة، والمنسوخ هو الذي لا يعمل به، صار منسوخا، كان يعمل به لكن بعد ذلك ألغي، ألغي العمل به، صار العمل به لاغيا، فلا ينفع. فالقرآن ألغى الكتب السابقة ونسخها، فيجب أن يكون العمل على وفق ما جاء في كتاب الله القرآن، الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام، الإيمان به عليه الصلاة والسلام، والإيمان بما بعث به عليه الصلاة والسلام وهو القرآن، والعمل به، وعدم إنكاره أو رده أو جحده. القرآن أعظم هذه الكتب لأن الله عز وجل حفظه من التحريف والتغيير والتبديل، بخلاف الكتب السابقة، حصل فيها التحريف، وحصل فيها التغيير والتبديل، وهذا بحكمة الله عز وجل، وإلا ربنا عز وجل القادر على أن لا يجعل أحدا يستطيع أن يحرف، لكن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يوجد من يحرف التوراة أو يحرف الإنجيل، كحال اليهود والنصارى، كما قال جل وعلا: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾، ثم يحرفونه. قال جل وعلا: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾، في آية أخرى: ﴿مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. فاليهود والنصارى حرفوا كتب الله عز وجل، اليهود حرفت التوراة، والنصارى حرفت الإنجيل. أما القرآن فقد حفظه الله عز وجل من التحريف والتغيير، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وهو القرآن، المراد بالذكر القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فلا يستطيع أحد أن يحرف القرآن، إذا حرف شيئا فضح وكشف أمره، ولو حرفا واحدا، لو زاد حرفا واحدا في القرآن، فقط زاد حرفا واحدا فقط، ما هي جملة ولا كلمة، لو زاد حرفا واحدا، أدخله العلماء أنه حرف، لو جاء: ﴿كَافِهَا يَا عَيْنَ صَادٍ﴾، لو قال: ﴿كَافِهَا يَا عَيْنَ رَأْ صَادٍ﴾ مثلا، زاد حرفا، سيفضح، سيعرف أن هذا فيه تحريف، مع أنه حرف واحد، لكن سيعلم أن هذه النسخة محرفة. لو كتب نسخة مثلا وقال: هذا القرآن، كتب القرآن بيده، وزاد حرفا مثلا في الحروف المقطعة أو في أي موضع من المواضع من كتاب الله عز وجل، ثم قال: هذا القرآن، هذا المصحف، هذا القرآن الذي أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، كل مسلم يقرأ القرآن سيعرف أن هذا القرآن محرف في الموضع الفلاني، في السورة الفلانية، في الآية الفلانية، زيد فيها حرف. وهذا من حفظ الله عز وجل لهذا القرآن. ولذلك ذكروا في العهد السابق من أهل، من اليهود، ممن أراد يعني أن يحرف القرآن، أراد أن يحرف القرآن، هو عمد إلى التوراة أولا وحرفها، جاء إلى القرآن، إلى التوراة وحرف فيها، وباع نسخا كثيرة، باع نسخا كثيرة من التوراة وهي محرفة، واشتريت وراجت عند الناس، ولم ينكروا منها شيئا، ثم عمد إلى الإنجيل وحرف فيه، وباع نسخا كثيرة من الإنجيل مع أنه حرف، ثم عمد إلى القرآن وحرف القرآن، حرف في القرآن، وأراد أن يبيع هذه النسخ وهي محرفة، فنسخة أول نسخة اشتريت من نسخ القرآن، علم الناس أنها محرفة، فحذر بعضهم بعضا من أن يشتروا شيئا من هذه النسخ فإنها محرفة. شخص اشترى نسخة من هذه النسخ فوجدها محرفة، فلما علم هذا اليهودي بهذا الأمر، جاء إلى هذا الوالي وأعلن إسلامه، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فاستغرب هذا الوالي، كان من الأمس يدعوه، يقول له: عليك بالدخول في هذا الدين وأنا أعطيك وأعطيك وأعطيك، وهو يرفض، واليوم يأتي بنفسه ويعلم إسلامه، ما السبب؟ فلما سأل عن سبب إسلامه، ذكر له، قال: عمدت إلى التوراة وحرفتها وبعتها وابتعت، وهكذا إلى الإنجيل، ثم جئت إلى القرآن وحرفت فيه، قال: فأول من اشترى علم أنها محرفة، ولهذا علمت أن هذا الكتاب هو الحق الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام، محمد عليه الصلاة والسلام، فأسلم. وهذا مصداق قول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. لذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: أما الكتب السابقة فإنها مؤقتة بآمد ينتهي بنزول ما ينسخها، يعني القرآن صار ناسخا لتلك الكتب، ويبين ما حصل فيها من تحريف وتغيير. والله عز وجل أخبر في هذا القرآن العظيم تحريف اليهود وتحريف النصارى، كما سمعتم في الآيات، منها قوله جل وعلا: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أخبر الله عز وجل في هذا القرآن أن الكتب السابقة قد حرفت، ودخلها التحريف والتغيير والتبديل. ومن ذلك أنهم لما قال الله عز وجل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، قالوا: حِنْطَة، قالوا: حِنْطَة، زادوا حرف النون، حِنْطَة، يعني: أعطنا حِنْطَة، يعني شعير الحبوب، والله عز وجل قال لهم: قولوا حِطَّة، يعني اطلبوا من الله عز وجل أن يحط عنكم ذنوبكم، وهم حرفوا وغيروا وبدلوا، قالوا: حِنْطَة، حبة في شعير. ولذلك قال ابن قيم رحمه الله: أمر اليهود بأن يقولوا حِطَّة فأبوا وقالوا حِنْطَة لهوانهم، وكذلك الجهمي قيل له: استوى، فأبى وزاد الحرف للإنكار، نون اليهود ولا مجهمي، هما في الميزان سيان. يعني اليهود كما قالوا نون في حِطَّة فقالوا حِنْطَة، الجهمية قالوا في استوى: استولى، هذا من التحريف الذي وقع فيه اليهود، شابهم في ذلك الجهمية، حرفوا لفظ استوى إلى استولى. قال رحمه الله تعالى: وقوله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾. هذه الآية كذلك فيها بيان أن أهل الكتاب حرفوا، كتبوا أشياء بأيديهم ونسبوها إلى رب العالمين جل وعلا، وأنها من كلام الله عز وجل، لأجل الدنيا، لأجل أن يشتروا بذلك ثمنا قليلا وحظا زائلا، فهذا أيضا مما أخبر الله سبحانه وتعالى به عن أهل الكتاب، وأنهم وقعوا في التحريف والتغيير والتبديل، وكتابة أمور هي ليست من كلام الله عز وجل الذي أنزله على موسى أو أنزله على عيسى عليهم الصلاة والسلام، فتوعدهم الله سبحانه وتعالى بهذا الوعيد العظيم. قال: وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾. وهذا أيضا فيه بيان أنهم أخفوا أشياء، وكتبوا أمورا، ونسبوها إلى كلام الله عز وجل، ودعوا الناس إليها، وهي ليست من كلام الله جل وعلا، فحصل منهم التغيير والتبديل والتحريف، والكتم لما جاء في كتاب الله جل وعلا، التوراة أو الإنجيل، فالحق كتموه، والباطل كتبوه وأظهروه للناس، وأبدوه للناس، ودعوا الناس إليه، وقالوا لهم: هذا هو الذي أنزل، مما أنزل على موسى أو مما أنزل على عيسى عليهم الصلاة والسلام. هذا أيضا مما بيانه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، مما وقع فيه اليهود والنصارى من تحريف لكتاب الله جل وعلا. وقال: وقال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وهذا فيه بيان ما وقع فيه للكتاب من تحريف وتغيير، ودعوة الناس إلى الباطل، ونسبة الأمور التي كتبوها من عند أنفسهم إلى رب العالمين جل وعلا، وكلها باطل، بين الله سبحانه وتعالى بطلانها في كتابه العزيز، وبين كذبهم، وكذبوا على الله جل وعلا، وقالوا على الله سبحانه وتعالى زورا وبهتانا وكذبا، فحصل منهم اللو بألسنتهم، والكتاب بأيديهم، حصل منهم تغيير والتبديل، ليس باللسان فقط، وإنما بالكتابة وباللفظ بالأقوال، فحرصوا في الدعوة إلى الباطل، وإلى دعوة الناس إلى ما لم ينزله الله سبحانه وتعالى، كل ذلك باطل، ولذلك كذبهم الله سبحانه وتعالى، وبين بطلان ما قالوه، وأنه لا يكون ذلك من عند الله، كيف يكون من عند الله، وفيه أن يدعو البشر الناس إلى عبادة نفسه؟ أبدا، الذي يبعث الله سبحانه وتعالى إليه، أو يوحى إليه جل وعلا كتابا، لا يكون في هذا الكتاب دعوة هذا الذي أنزل إليه الكتاب، دعوة الناس إلى عبادته، وأن يكون البشر عبادا له، أبدا. هذا من أعظم وأظهر الباطل، أن يأتي إنسان يقول: أنا عندي كتاب من عند الله عز وجل أنزله علي، وفي هذا الكتاب أن تكونوا عبادا لي، تعبدوني من دون الله عز وجل، هل هذا ممكن أن يكون هذا من عند الله ومنزل من عند الله عز وجل، وفيه هذا، وفي هذا الذي أنزل، أمر هذا الذي بعث إليه الناس بعبادته من دون الله؟ يكفي هذا أنه من أبطل الباطل. فمما يدل على كذب اليهود والنصارى، الذي بينه الله عز وجل في كتابه، مناقضة ما دعا إليه هؤلاء اليهود والنصارى في تلك الكتب التي حرفوها، ودعوا الناس إليها، وأنها من كلام الله عز وجل. من تأملها ونظر إليها، سيجد أنها تخالف أصولا لا يختلف فيها أحد، تخالف الفطرة التي فطر الإنسان عليها. ولذلك من نظر في كتب اليهود والنصارى المحرفة، علم أنها باطلة، ما فيها شيء مستقيم أبدا. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، لا شك، ما دام أنه من عند غير الله، لا بد أن يوجد فيه الاختلاف، ولا بد أن يوجد فيه التناقض. ولذلك كتب التوراة، كتب الإنجيل، التي حرفت، كلها يناقض بعضها بعضا، لا يستقيم أمرها أبدا، فيها الاختلاف، وفيها التناقض، وفيها الكذب، وفيها البهتان، وفيها الزور، مما يدل على أن ما جاء من عند الله هو الحق الذي لا يمكن أن يكون فيه التناقض أو الاختلاف أو غير ذلك. نواصل إن شاء الله في درس لاحق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة.