الخطبة بعنوان شرح الصدور بأسباب النور، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 ربيع الآخر 1442هـ الموافق 11 ديسمبر 2020م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول المقطع مفهوم نور الله تعالى بوصفه نور السماوات والأرض، مبينًا نوعيه: الحسي الذي لا تدركه الأبصار، والمعنوي الذي يملأ قلوب الأنبياء والأصفياء بالإيمان والتوحيد والتقوى. ويؤكد أن النور المعنوي - نور الهدى والإيمان - أعظم وأجلّ من النور الحسي كشمس وقمر، مستدلًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأدعية النبي صلى الله عليه وسلم لسؤال الله النور في قلبه وجوارحه.
يؤكد المقطع أن النور الحقيقي هو نور الإيمان في القلب الذي يميز بين الحق والباطل، وأن من فُقد هذا النور فهو في ظلمات الكفر والبدعة والجهل. ويبين أن هذا النور هو الذي ينير للإنسان في قبره وعلى الصراط يوم القيامة، وأن المؤمنين يسعون بنورهم بينما يحرم المنافقون منه، داعياً إلى التوبة النصوح وطلب إتمام النور والمغفرة.
يبيّن المقطع أن النور المعنوي الحقيقي يحصل في بيوت الله بالصلاة والعلم والدعوة، وأن القرآن والسنة النبوية هما مصدرا هذا النور، كما أن الأعمال الصالحة كالجهاد في سبيل الله والشيب في الإسلام تُعد نورًا للعبد يوم القيامة، محذرًا من انتفاء الشيب لأنه نور المؤمن.
يبدأ المقطع بالدعاء لرضا الله عن الصحابة أجمعين والخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة، ثم يتلو آية تأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وتنهي عن الفحشاء والمنكر، ويختتم بتذكير المستمعين بذكر الله وشكره ليزيدهم نعمة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أرسله الله جل وعلا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أرسله الله جل وعلا بالهدى والضياء والنور، فأخرج الله جل وعلا به الناس من الظلمات إلى النور. صلوات ربي وسلامه عليه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. عباد الله، نور الله جل وعلا حسي ومعنوي، كما بيّن ابن كثير وابن القيم والسعدي رحمهم الله تعالى. فأما نوره الحسي فإنه لا يُعبَّر عنه إلا بتعبيره عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه منتهى إليه بصره من خلقه». هذا النور يا عباد الله الذي لا تستطيع الخلائق أن تتبدى له، إلا أنه جل وعلا لمّا أعطى أهل دار القرار الحياة الكاملة في دار القرار، فإنه جل وعلا يُمتّعهم ويمكّنهم من رؤيته سبحانه وتعالى. فما استنار العرش والكرسي والجنة والنار والشمس والقمر إلا بنوره سبحانه وتعالى. فمن أوصافه جل وعلا النور، فكل نور نراه فهو من آثار نوره سبحانه وتعالى في ملكوته، وهذا من آثار نوره الحسي جل وعلا. وأما النور المعنوي فهو ما نوّر الله جل وعلا به قلوب أنبيائه وأصفيائه وملائكته، فعلموا مما يتعلق بالعلم به جل وعلا ما لا يعلمه غيرهم. فمعاني الكبرياء والعظمة والجلال تملأ قلوبهم نور الهيبة والتعظيم والذل والخضوع له سبحانه وتعالى، ومعاني الجمال والبر والإحسان تملأ قلوبهم نور المحبة والتعظيم والرغبة له جل وعلا، ومعاني الألوهية تملأ قلوبهم نور العبادة والتوحيد والتحبب له جل وعلا، ونور ومعاني العلم والإحاطة تملأ قلوبهم نور المراقبة له جل وعلا. ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، الذي أرسل بالنور وبالهدى وهو السراج المنير، يقوم الليل، كما في البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فيدعو الله عز وجل بقوله: «اللهم أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، لك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي لساني نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل لي نورًا». وكان إذا خرج متوجهًا إلى المسجد كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي لحمي نورًا، في عظمي نورًا، وفي قبري نورًا». وهو الذي أرسل بالهدى والضياء والنور عليه الصلاة والسلام. امتن الله عز وجل على عباده بهذه النعمة العظيمة، النور المعنوي، لأنه أعظم من النور الحسي. امتنان الله عز وجل على عباده بالنور المعنوي: نور الإيمان، نور التوحيد، نور التقوى، نور الطاعة، نور المعروف، نور الحق، أعظم من امتنانه بالنور الحسي: من نور الشمس والقمر والكواكب وغيرها من الأنوار. لأن النور الحقيقي يا عباد الله إنما هو نور القلوب، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. إذا لم يوجد النور في القلوب فأنت في ظلمة، ولو كان في بيتك آلاف الأنوار التي تضيء لك، ولو كانت على كذا وكذا شمعة. إذا لم يوجد النور في قلبك والنور في قلبك والنور في بيتك، فاعلم أنك في ظلمة، لأن النور الحقيقي عباد الله هو نور الإيمان في القلوب، الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، والتوحيد والشرك، والسنة والبدعة، والمعروف والمنكر، والشر والخير. بماذا تميز عبد الله مرضاة رب العالمين جل وعلا عن غيرها إذا لم يوفق لهذا النور؟ كم من الناس من يتخبط في الظلمات: في ظلمات الشرك، في ظلمات البدعة، في ظلمات الجاهلية، في ظلمات التحزب، في ظلمات التعصب، لأنهم لم يوفقوا لهذا النور فيبصر مرضاة رب العالمين جل وعلا عما لا يرضيه جل وعلا. والله يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هكذا يمتن ربنا سبحانه وتعالى على عباده. فالحياة الحقيقية يا عباد الله هي بهذا النور، فمن لم يكن على هذا النور فهو ميت، ومن كان على هذا النور فهو الحي حقيقة. نحتاج إلى النور يا عباد الله في قبورنا، في تلك الحفرة المظلمة، في تلك الحفرة الموحشة، دار الوحدة، دار الدود. ما الذي ينور لنا يا عباد الله؟ هل عندنا مصابيح تنور لنا ظلمة القبر؟ إنما هو نور العمل الصالح، نور التوحيد والإيمان والسنة والتقوى، هو الذي ينور عليك عبد الله في قبرك. خرج أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه كما عند ابن حبان رحمه الله تعالى في جنازة، فلما وضع الميت في قبره قال: «إنكم اليوم في منزل -أي منزل الدنيا- تقتسبون فيه الحسنات والسيئات، وغدًا تنزلون هذا المنزل: منزل الوحدة، منزل الظلمة، منزل الدود، إلا من وسّع الله عليه». ورأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجلًا يُظلل على قبر رجل بظلة، فقال: «إنما يُظله عمله، إنما يُظله عمله». ما تنفع الظلة على القبر، تحميه؟ ماذا تحميه؟ من ماذا؟ من الشمس، من حرارة الشمس؟ لا والله، إنما الذي يُظله في قبره عمله، والذي يُظله في قبره عمله. وهذا النور، النور المعنوي، نحتاج إلى النور في مرورنا على الصراط إلى جنة الله تبارك وتعالى. فما من أحد إلا وسيمر هذا الممر، وسيسير في هذا الطريق، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. هناك توزع الأنوار، لأن الصراط مدحضة مزلة، ظلمة تحت الجسر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. هناك توزع الأنوار، فكل يُعطى بقدر ما معه من هذا النور المعنوي. فمن كان على نور عظيم من ربه فهو على نور عظيم حسي في ذلكم اليوم حين يمر على الصراط، فمنهم من يُعطى نوره إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى ترقوته، كل حسب النور الذي معه في هذه الدنيا من النور المعنوي. هناك يمتن الله عز وجل على عباد أهل الإيمان، ويذكر دعاء أهل الإيمان وطلب أهل الإيمان بإتمام هذا النور، خوفًا من انطفائه حين يرون أن أنوار المنافقين قد انطفأت وصاروا في ظلمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. هكذا يكون جواب أهل الإيمان لأهل النفاق: نعم، أنت رافقتهم في حارتهم، في مسجدهم، في بلدهم، في بيتهم، في قبيلتهم، في حسبهم، في نسبهم، لكن هل رافقتهم في هذا النور الذي كانوا عليه؟ هل كنت معهم على الحق؟ هل كنت مع قبيلتك على الحق، على التوحيد، على السنة، أم كنت معهم جسدًا لا وظاهرًا لا باطنًا؟ أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعن معهم بمنك وكرمك يا رحمن الراحمين. عباد الله، إن الله جل وعلا جعل أسبابًا في كتابه، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، لمن أراد تحصيل هذا النور المعنوي. قال عز وجل بعد أن ذكر هذه الآيات التي سمعتم من سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ما مناسبة ذكر الآية الأولى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره، ثم بعدها ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾؟ لتعلم عبد الله إن أعظم أماكن وجود هذا النور في بيوت الله سبحانه وتعالى، لا في تلك القنوات المجرمة الضالة، وفي تلك الشاشات المخربة، ولا في الأسواق، ولا في غيرها من هذه الاجتماعات. تلك اجتماعات مظلمة لا تنور القلوب، وإنما تقسيها، إلا ما رحم الله. وإنما النور يا عباد الله في بيوت الله عز وجل، في أدائك للصلوات، في طلبك للعلم، في دعوتك فيها على وفق شرع الله جل وعلا. وهكذا النور يا عباد الله في هذه الصلوات، في مثل عن نبي الله مالك الأشعري رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «والصلاة نور، الصلاة نور، نور في القلب، ونور في الوجه، ونور في الأذان، ونور في الأعين، ونور في الشعر، ونور في الأصابع، ونور في الدم، ونور في العروق، ونور في الشراييين». الصلاة تنور العبد وتنور جوارحه، فإذا وجد النور في القلب فاض ذلك النور على هذه الجوارح، فانقادت راغبة إلى الله سبحانه وتعالى، ذليلة خاضعة مستجيبة منيبة. لماذا؟ لأن النور كان في القلب فأثر على الجوارح فانقادت. كيف تنقاد هذه الجوارح؟ ولم يصل النور إلى القلب؟ وإنما تنقاد هذه الجوارح إذا وجد النور المعنوي في القلوب. النور الذي بيّنه الله في كتاب الله عز وجل، القرآن، كلامه سبحانه وتعالى المنزل، سماه الله عز وجل نورًا. قال جل وعلا: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. تمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام والعمل بها والدعوة إليها وتحكيمها وتطبيقها، فهو عليه الصلاة والسلام أرسل بالنور وهو السراج المنير عليه الصلاة والسلام. النور المعنوي لا النور الحسي، إنما هو النور المعنوي لما أرسل به من الهدى ودين الحق. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. فتمسك بهذا السراج المنير عبد الله، وبالهدى الذي كان عليه، والتمسك بسنته عليه الصلاة والسلام. وأكد عباد الله: كل عمل صالح فهو سبب لتحصيل النور. المحافظة على الطاعات، تعلم العلم الشرعي نور، الشهادة في سبيل الله نور، ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. الشيب نور يا عباد الله، لا تنتفه، لا تنتف نورك. هذا الشيب سواء كان أبيض أو كان أحمر، أما الأسود فلا، لا يكون نورًا، الأسود لا يكون نورًا بل هو ظلمة، إما أبيض أو غيره بالحناء والكتَمَى والكتب لا بالسواد فهو نور يوم القيامة. في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المؤمن يوم القيامة». وفي حديث فضالة بن عبيد عند أحمد والطبراني قال عليه الصلاة والسلام: «لا تنتفوا الشيب، فإنه يكون نورًا يوم القيامة». قال يا رسول الله: إن من الناس من ينتف شيبته، قال: «فمن شاء أن ينتف نوره فلينتف، من شاء أن ينتف نوره فلينتف». تنتف نورك يا عبد الله؟ أين عقله؟ أبقِ هذا النور، أبقِ هذا النور. شيب باللحية نور، قال عليه الصلاة والسلام: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة». من شاب شيبة في الإسلام، كثير من الشيبان يشيبون في الإسلام لكن ينتفون، بل ويحلقون. لا تحلق نورك يا عبد الله، لا تنتف نورك، فضلًا عن أن تحلق نورك. ما عليك من الناس؟ هذا نور لك يا عبد الله، تنزل به في قبرك، وأنت على هذا النور تحشر عليه يوم القيامة. اللهم صلّ على نبينا محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ورضا اللهم عن صحابة أجمعين، عن الخلفاء الأربعة: أبي بكر، عمر، عثمان، علي، وسائر العشرة، وسائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعن معهم بمنك وكرمك يا رحمن الراحمين. عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروا على النعمة يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.