شرح أصول السنة للرازيين 31

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 31، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر وسبّهم

يبيّن المقطع أن من أبرز علامات أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر لأجل عقيدتهم ومنهجهم، ويسمونهم حشوية استخفافاً بهم مستشهداً بأقوال أئمة ونماذج تاريخية. ويؤكد أن اتهام أهل السنة بسب العلماء شبهة قديمة باطلة.

افتراءات المبتدعة على أهل السنة ومشروعية هجرانهم

يسلط المقطع الضوء على أساليب المبتدعة في نسب الكذب والسب إلى مخالفيهم لنفر العوام، ويؤكد إجماع السلف على وجوب هجران أهل البدع إن أصروا على ضلالهم. ويستدل بهجر النبي صلى الله عليه وسلم للثلاثة وفعل عمر بن الخطاب مع صبيغ.

أحكام هجر أهل البدع ومنهج السلف في الرد عليهم

يبيّن المقطع ضوابط هجر أهل البدع مراعية موازين القوة والضعف، وينقل عن أئمة السلف النهي عن مجالسة أهل الكلام والرد بالمنطق مشدداً على الرد بالسنة والآثار. ويشير إلى أن أهل البدع لا يفلحون إلا بما وافقوا فيه السنة.

موقف أهل البدع من الكتاب والسنة وإسناد العقيدة السلفية

يصف المقطع كيف يخالف أهل البدع كتاب الله بالاحتجاج ببعض آياته ورد ما خالف أهواءهم، ويسرد إسناد العقيدة السلفية حيث يصرح كل راوٍ بالتزامه بها حياةً ومماتاً. ويختم بأهمية دراسة كتب السلف لمعرفة السلفية الصحيحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا زلنا في هذا الجزء النافع: عقيدة أصول السنة للإمامين العظيمين أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله تعالى وغفر له. ونحن في خاتمتها، فيما ختم به الإمام الجليل ابن أبي حاتم هذا الجزء. وكنا أمس في الكلام على علامة أهل البدع، وذكر الإمام الجليل ابن أبي حاتم عن أبيه أن علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. تقدم الكلام أن الوقيعة في أهل الأثر لأجل عقيدتهم، لا لأجل أشخاصهم، فالخلاف خلاف عقائد. يخرج عن هذا ما إذا وقع شخص في شخص لا لأجل عقيدته، فهذا ليس من هذا الباب. وكثير من خصومات الناس يقع فيها وقعة بين فرد وفرد، أو قبيلة وقبيلة، أو طائفة وطائفة، فليس هذا مما نحن فيه. لكن ما نحن فيه، وما يقرره هذا الإمام الجليل، هو الوقيعة في أهل الأثر لأجل عقيدتهم ولأجل منهجهم. فمثل هذا لا يكون إلا من المبتدع، لا يقع في أهل الأثر لأجل عقيدتهم ولأجل منهجهم الذي ورثوه عن من سبق إلا مبتدع زائغ مفتون، نسأل الله أن يكفي أهل الإسلام شره، وأن يهديه أو يرد كيده في نحره. قال رحمه الله تعالى: وسمعت أبي يقول: وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. هذه علامة ظاهرة في أهل البدع. قال: وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية، يريدون إبطال الأثر. من أول من نطق بهذه الكلمة كلمة حشوية؟ هؤلاء حشوية المبتدع الضال عمر بن عبيد، فإنه ذكر عنده عبد الله بن عمر في مقالة نقلت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فقال عمر بن عبيد المعتزلي: كان ابن عمر حشوية، كان ابن عمر حشوية. أراد نسبته إلى الحشو، وهم العوام الذين لا يفهمون ولا يعقلون، أراد نسبته إلى حشو الناس أي عوامهم الذين لا يعقلون ولا يفهمون فهما تاما في أمور الدين. كان ابن عمر حشوية، هكذا قال. وقال الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث، أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيع الحاكم رحمه الله، قال بعد أن ذكر الطعن في أهل السنة: قال رحمه الله: وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا، كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة، ويسميهم الحشوية. هكذا يقول الإمام أبو عبد الله محمد بن البيع الحاكم النيسابوري، أحد أئمة الإسلام المعروف، وتوفى سنة خمس وأربعمائة للهجرة، في كتابه النافع معرفة علوم الحديث في أوله. قال رحمه الله: وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا. كان الحاكم من العلماء ذوي الرحلة، حتى قيل إن له نحو ألفي شيخ، حاكم له نحو ألفي شيخ روى عنهم، سمع منهم، حدثوه، طلب العلم عندهم، فهو يقول: وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا، كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة. والطائفة المنصورة عنده هم أهل الحديث والأثر، هؤلاء هم المعنيون في أحاديث الطائفة المنصورة: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، وهم على ذلك حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك أي ثابتون، مع كثرة من يسبهم، وكثرة من يحتقرهم، وكثرة من يطعن فيهم ويقع فيهم لأجل عقيدتهم ولأجل منهجهم الذي نهجوه عن من سلف من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فهو يطعن فيهم. قال رحمه الله: الطعن في أهل الأثر كثير. ذكرنا أمس أنهم أزكى الناس عقولا وأعظم الناس فهما، لأنهم اهتدوا بهدي الله، قال تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواه﴾، فالله لاهتدائهم بهديه سبحانه وتعالى الذي أمر به زكى الله عقولهم، وزكى أفهامهم، وزكى بصائرهم، فتجدهم أذكى الناس وأورع الناس وأتقى الناس. وما من حسنة يتمدح بها أهل الباطل إلا رأيتها في أهل الحديث وأهل السنة بأعظم ظهور وأكثر تمكنا. هكذا ذكر الأئمة، وهذا هو الموجود إلى زماننا. ومع هذا فهم يحتقرون أهل السنة، ولا يضرون إلا أنفسهم. من نماذج الاحتقار ما كان عليه بعض رؤوس المعتزلة كعمر بن عبيد. أنا ذكرته مرة وأخطأت في ذكر عمر بن عبيد، وخلطت بينه وبين أحمد بن أبي دؤاد عند الكلام على مسألة خلق القرآن. عمر بن عبيد قبل في زمني تلامذة الحسن، وهو الذي مدح من قبل بعض الولاء: كلكم يطلب صيد، كلكم يمشي يرويد، غير عمر بن عبيد. نبهني أخونا أبو عبد الله جزاه الله خيرا. فعمر بن عبيد كان يطعن في أهل العلم قديما، حتى سمع يوما واصل بن عطاء يخطب ويتكلم، فلما أنهى كلامه قال: ألا تسمعون، ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين في هذا إلا خرقة حيض ملقاة. ما كلام الحسن وابن سيرين في هذا، في كلام واصل بن عطاء، إلا خرقة حيض ملقاة. وكان أهل البدع قديما يصفون أهل السنة، قال رجل من زعماء أهل البدع يريد أن يفضل علم الكلام على الفقه: قال إن علم الشافعي وأبا حنيفة، إن علم الشافعي وأبي حنيفة لا يخرج عن سراويل، عن سراويل امرأة، لا يخرج عن سراويل امرأة. وهذا موجود في هذا الزمان، تجدوا ناسا يقولون: هؤلاء علماء حيض ونفاس. الدعوى نفس الدعوى، أتواصوا به؟ فسبحان الله، هذا موجود في كتب الأوائل. فهم يحتقرون أهل العلم، هؤلاء علماء حيض وعلماء نفاس، لا يفقهون الواقع. ومن مثل هذه الضلالات خرجت الضلالات العظيمة، نسأل الله العافية والسلامة. أهل البدع لهم علامات كثيرة، لهم علامات كثيرة. ومن تلك الشبهات التي يثيرونها أن يقولوا: هؤلاء يسبون العلماء. هذا الكلام قديم، إذا أراد بعض الناس أن يصف خصمه وينفر العامة عنه قال: هؤلاء يسبون، يسبون العلماء. هذا كلام قديم، فقد بيّنه الإمام الجليل الكبير أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي، الإمام الكبير المعروف، المتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة للهجرة، أي قبل نحو ألف عام من اليوم، يقول في كتابه رسالة إلى أهل زبيد، فالرد على من أنكر الحرف والصور: يقول: ومنها، أي من البوائق التي يرتكبها الأشاعرة في زمنه، يقول: ومنها ما ارتكبه أهل الوقت منهم خصوصا من كان منهم من المغاربة، وهو أن كل من يخالفهم نسبوه إلى سب العلماء. هكذا يقولون قبل ألف عام في أهل الحديث والأثر: هؤلاء يسبون، هؤلاء سبابة، هؤلاء يسبون العلماء. وإذا قلت: ماذا سبوا وما قالوا؟ هل لعن؟ هل قدحوا في الأعراض؟ يقولون: قالوا فلان قال العلماء مخطئ في كذا، ولا يجوز القول بكذا. تجد مسائل علمية قد قررها أئمة الإسلام وفقهاؤه في المذاهب كلها، المذاهب كلها على ما يقوله هؤلاء الذين تصفونهم بأنهم يسبون. يقول السجزي رحمه الله: ومنها ما ارتكبه أهل الوقت منهم خصوصا من كان من المغاربة، أي من الأشاعرة المغاربة، وهو أن كل من يخالفهم نسبوه إلى سب العلماء لينفروا، لينفروا العوام عنهم، وقرفوه بأقاويل لا يقول بها، أي اخترعوا عليه أقوالا: هذا يقول بكذا، هذا يقول بكذا. وهذا الافتراء قديم، كما قال بعض الشعراء: قديم إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا مني، وما علموا من صالح دفنوا، صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به، وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا. هذا موجود في الصحاح في مادة أذن: إن يأذنوا الخير يقول آخر يخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا ابتكر. هذا حال كثير من أهل الأهواء، نسأل الله العافية والسلامة. ولا يضرون أهل الحق شيئا، فإن الزغل يذهب والباطل يزول، ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾، والله حكم عدل لا ينصر كاذبا بل يفضحه يوما من الأيام، لا بد أن يفضح الكاذب في كلامه يوما من الأيام. يقول رحمه الله تعالى: ومنها ما ارتكبه أهل الوقت منهم خصوصا من كان من المغاربة، وهو أن كل من يخالفهم نسبوه إلى سب العلماء لينفروا العوام عنه، وقرفوه بأقاويل لا يقول بها ولا يعتقدها بهتا منهم وكذبا، لأن البهتان والكذب لا قبح له في العقل عندهم، أشار إلى مسألة التحسين والتقبيح العقلي. هذا السلاح قديم: احتقار أهل الأثر، سبهم، رميهم بما ليس فيهم. هؤلاء يطعنون في العلماء، هؤلاء يسبون الناس، هؤلاء يقولون كذا. فإذا وقف عاقل وقال: ما قالوا؟ ما هو السب الذي قالوا؟ في من سبوا؟ سبوا ما كلامهم؟ أدرك القائل العاقل أن الأمر محض تشنيع وافتراء. وأهل السنة لا يضرهم من هذا شيء، لا يضرهم من هذا شيء أبدا. قال رحمه الله تعالى: وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة، وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة. ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء. هذه مسألة عظيمة، حتى إن العلماء يستعظمونها، يستعظمونها غاية الاستعظام، يستعظمونها ويعلمون أنها من الكلام العظيم. ولهذا سمعت الوالد الشيخ العلامة المحقق المجاهد ربيع بن هادي حفظه الله تعالى وعافاه، عند قراءة الرسالة عليه، عند قول المؤلف: وعلامة أهل البدع الوقيعة بأهل الأثر، جلس الشيخ يكبر مرارا في هذا الموضع، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. فجلس يكرر التكبير في هذا الموضع العظيم. هذه الجملة: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وفي قول المؤلف: الرافضة رفضوا الإسلام، قال ما حرفه: الرافضة اليوم لو رآهم الأئمة كانوا يقولون فيهم أشد من هذا، لا سيما بعد الخميني. انتهى كلام. هكذا سمعته وكتبت عنه في قراءة الرسالة عليه: الرافضة اليوم لو رآهم الأئمة كانوا يقولون فيهم أشد من هذا، لا سيما بعد الخميني. قال رحمه الله: ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء. تقدم الكلام على هذا، وأن هذا غير ممكن أن يوصفوا بالنقيضين، لا بد أن يثبت أحد النقيضين ويرتفع الآخر، أما أن يجتمع النقيضان في شخص واحد في زمن واحد فهذا لا يكون أبدا، لا يكون أبدا. قال أبو محمد: وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، يغلغان في ذلك أشد التغليظ. هذا مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة. يغلغان في ذلك، أي أمر هجران أهل البدع. وهذا إذا كان أهل السنة أقوياء ظاهرين ولهم الشوكة، فيجب هجران أهل البدع. فكل من ابتدع ننصحه، فإن قبل النصيحة وإلا هجر حتى يتوب إلى الله عز وجل. ولهذا أصل في السنة، وله أصل أيضا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فأما في السنة فهجران نبي الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب الله عليهم ليتوبوا، ﴿إنهم به رؤوف رحيم﴾، تاب عليهم ليتوبوا. فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة. من أصول هذه المسألة أيضا قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾، فأمر بالإعراض عن من يخوض في آيات الله عز وجل، فيهجر ويعرض عنه حتى يتوب إلى الله عز وجل ويرجع وينيب إلى رب العباد سبحانه وتعالى، يرجع ويتيب ويتوب. من أدلة المسألة أيضا قول الله عز وجل في حديث عائشة رضي الله عنها: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، حديثه في صحيح مسلم وغيره: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك، أو فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». قال النووي وغيره من أهل العلم: في هذا دليل على هجران أهل البدع والضلالة حتى يتوب، لأن الله عز وجل قال: ﴿وإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه﴾، قال الله عز وجل في آية آل عمران: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾. فأمر الله عز وجل باجتناب من يتبعون المتشابهة ويتركون المحكمة، وهذا هو طريقة أهل الزيغ وأهل البدع والأهواء، يتركون المحكمات الظاهرات الواضحات ويأخذون المتشابهات، فهؤلاء يجب الحذر منهم ويجب البعد عنهم، كما قال الله عز وجل: ﴿فلا تجلسوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾، ﴿إنكم إذن مثلهم﴾، فنهى الله عز وجل عن الجلوس معهم. قال رحمه الله تعالى: قال أبو محمد: وهذا الأصل أجمع عليه سلف الأمة من زمن الصحابة رضي الله عنهم. هجر عمر صبيغا وأمر بهجره سنة، بعد أن ضربه، حتى بعد سنة أظهر التوبة، بعد سنة من توبته أذن عمر للناس أن يجالسوه. فلما خرجت الخوارج قال بعض الناس لصبيغ: إن هذا الوقت وقتك، قال: لقد شفاني الله بدرة عمر، لقد شفاني الله بدرة عمر. هجره عمر سنة بعد أن تاب، بعد أن تاب وأعلن التوبة، هجره أمير المؤمنين عمر سنة كاملة، أمر الناس أن لا يكلموه ولا يخاطبوه ولا يجالسوه ولا يماشوه سنة كاملة، حتى تأكد من توبته، تأكد من توبته، وكان يتتبع المتشابه، كان يتتبع المتشابه. قاله محمد: وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، يغلظان في ذلك أشد التغليظ، أي يشددان في هذا الأمر، لأن فتح الباب مع رؤوس المبتدعة يؤدي إلى ولوج الشبه على أهل السنة، فما من مبطل إلا وله شبه، والناس يتفاوتون في الإدراكات. جاء رجل إلى ابن سيرين، قال: أريد أن أكلمك بكلمة، قال: لا، قال: أقرأ عليك آية، قال: لا ولا نصف آية، وأشار بإبهامه ووضعه على خنصره ثم حرك يده هكذا، قال: ولا نصف آية. فقيل له: يا إمام، قال: إني أخشى أن يحرفها في القراءة فيقع في قلبي شيء. قال العلماء كالذهبي وغيره: السلامة لا يعادلها شيء، السلامة لا يعادلها شيء. ولهذا باب هجران أهل البدع باق إلى يوم القيامة، إذا نصح ولم يرجع واستمر على اتباعه للشبهات فالواجب هجرانه هجرة مطلقة حتى يتوب. لكن هذا مقيد بحال قوة أهل السنة، وبحال غلبتهم، وبحال ضعف البدع. أما إذا كان المجتمع مجتمعا فيه البدعة ظاهرة وقوية فالأمر في ذلك أخف، الأمر في ذلك أخف. ولهذا سئل الإمام أحمد كما في مسائل إسحاق بن منصور للكوسج، سئل الإمام أحمد رحمه الله، قال إسحاق بن منصور لأبي عبد الله: من قال القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية، أي احجره وابتعد منه، ولا ترد عليه السلام، وإن مرض لا تعده، ابتعد منه، ألحق به كل بلية. قال إسحاق: قلت فيظهر العداوة لهم أم يداريهم؟ ويعني إسحاق أهل خراسان. يظهر العداوة لهم أم يداريهم؟ قال الإمام أحمد رحمه الله: أهل خراسان لا يقوون بهم، أهل خراسان لا يقوون بهم، أي أن أهل خراسان أهل سنة ضعفاء، فلا يتوسعون في الهجر، لو هجر الرؤوس كان كافيا. وبهذا كان يفتي علامة اليمن الإمام العلامة أبو عبد الرحمن الزاهد مقبل بن هادي رحمه الله، كان يقول: إنما يهجر الرؤوس، إنما يهجر الرؤوس، وأما الأتباع فينصحون، الأتباع ينصحون، أما الرؤوس فينبغي هجرهم. هكذا كان يقول رحمه الله تعالى وغفر له. وهذا مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة في كل زمان. أمر الهجر ونحوه يعود إلى المصلحة، يعود إلى المصلحة، ويعود أيضا إلى حال هذا المبتدع، فينظر فيه إلى أحوال الناس، ينظر فيه إلى مجتمعاتهم، ينظر فيه إلى قوة المسلمين وقوة أهل السنة، وينظر فيه إلى ضعفهم، ينظر فيه بين القادر عليه وبين العاجز عنه لضعفه، ينظر فيه بين قلة المبتدع الظالم وبين كثرة أهل البدع وقوتهم، يختلف الحكم كذلك. أهل البدع درجات، ليس حكمهم حكما واحدا، فهم رتب ودرجات، منهم من هو غليظ البدعة، ومنهم من هو دون ذلك، فأمرهم متفاو، متفاو. قال رحمه الله تعالى: وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار، أي ينكران الرد على مناهج أهل الكلام، وإنما الرد على أهل البدع يكون بالسنة، فإذا رد أهل السنة فيردون بالسنة، أما أن يردوا بطريقة علم المنطق وبطرائق الجدل المنطقي فهذا ذمه السلف، لأنه نوع خوض فيما نهي عنه وفيما أمر بترك الخوض فيه. وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار، أي في غير منهج أهل السنة والجماعة. ولهذا من ناظر أهل البدع فلا بد أن يناظرهم على أصول السنة لا على أصولهم. وينهيان قال رحمه الله تعالى: وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين. كذلك أيضا مما اتفق عليه أئمة السلف: النهي عن مجالسة أهل البدع والجلوس معهم، فإن الإنسان يتأثر بهم ولابد. فإذا كان الإنسان إذا جالس بعيرا تأثر بأخلاقه، وإذا جالس غنما تأثر بأخلاقها، فتجد من يجالس الإبل قد تشرب أخلاقها، وتجد من جالس الغنم قد تأثر بطباعها، فكيف وهي لا تتكلم ولا تحاور ولا تناظر؟ فكيف بالجلوس مع إنسان يتكلم وربما يحسن إليك فتتأثر بإحسانه؟ ولهذا نهى السلف عن الجلوس مع أهل البدع والكلام. قال رحمه الله تعالى وغفر لنا، قال رحمه الله تعالى وغفر لنا ولسائر علمائنا المسلمين: وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين، ويقولان: لا يفلح صاحب كلام أبدا. هكذا قالوا، وقال به الشافعي وغيره من الأئمة: لا يفلح صاحب كلام أبدا. كذلك أهل البدع لا يفلحون ولا يتحقق لهم كبير مقصود لهم. ومن عجب أن من مدح ممن تلبس ببدع، لكونه ألف في فن من الفنون، أو كونه رد على مخالف أغلظ منه، فإنما يمدحون ويرتفعون بما أخذوه من أهل السنة. هذا ينبغي أن يعلم، فأهل الأهواء قد يرتفع بعضهم، لا يرتفعون ببدعهم أبدا، وإنما يعمل قدرهم بما تمسكوا به من السنة وردوه على أهل البدع من البدعة، فإذا انتصروا للسنة عظمت مكانتهم، وإن كانوا فيهم من البدع ما فيهم. وهذا يبين لنا ما يحصل من بعض أهل العلم من كونهم يتلبسون ببعض البدع، ومع هذا تجد لهم قدم صدق في الأمة، هؤلاء لهم مخالفات ولكنهم لهم حسنات أجادوا فيها، مخالفاتهم وقعوا فيها عن تقليد، ليس عن تعصب، كالحافظ ابن حجر يمدح لأنه رفع راية السنة، خدم السنة، فبسبب خدمة السنة رفع وارتفع، وعبض لا بسبب تعويل الصفات ورد الآثار التي وقع فيها تقليدا لمن سبقه من المشايخ. وهكذا لا يتمك النووي، وكابن حزم، وغيرهم من الأمة، وقعوا فيها أشياء ومخالفات، لكنهم لم يتعصبوا لها هذا أولا، ولم يعقدوا سوق الولاء والبراء دونها هذا ثانيا، وكانوا مقلدين فيها لغيرهم هذا ثالثا، ولم يتعصبوا لها كما تقدم فيما سبق، ينقلونها نقلا كما ينقلون ما يقفون عليه من الأقوال، وليست أصولهم أصول أهل البدع حاشاهم، بل أصولهم التمسك بالكتاب. من أصولهم أنهم يتمسكون بالسنة ويعظمون عقيدة أهل السنة والجماعة. أما أهل البدع فإنهم، نسأل الله العافية، كما يقول الإمام أحمد في أهل البدع: عقدوا ألوية البدع، عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم. هكذا قال الإمام أحمد رحمه الله في أول رسالته وجزئه، فالرد على الجهمية والزنادقة الذي هو من كتبه العظيمة، يقول في أهل البدع: عقدوا ألوية البدع، فهم رفعوا راية البدع وعظموا راية البدع، من لا يعظم راية البدع ولا يعقد اللواء، اللواء هو العلم الذي يرفع ويقود بعده ويكون بعده الجيش وتحصل دونه المعام، هؤلاء لم يفعلوا هذا، عقدوا ألوية البدع، هذه العلامة الأولى. وأطلقوا عقال الفتنة، ولاء وبراء وتحزيبا وفتنة، فهم يطلقون عقال الفتنة. هكذا يقول الإمام أحمد، هذا كناية عن شدة خوضهم في الفتنة، العقال يربط به البعير حتى لا ينطلق ويهرم، ﴿إن القرآن أشد تفلتا من الإبل في عقلها﴾، فيربط البعير فإذا ما أطلق البعير وضرب شرد. أطلقوا عقال الفتنة، أي أنهم يخوضون فيما ابتدعوه ويفتنون به الناس ويشغلون به الناس، ولاء وبراء، هذه العلامة الثانية. يقول الإمام رحمه الله: فهم مختلفون في الكتاب، تارة يحتجون بالكتاب وتارة يردون الكتاب، مخالفون للكتاب، يؤتى لهم بالحجج والبينات التي تخالف ما هم عليه فيردونها، كما قال الله عز وجل مثلا في صفة بعض الحكام في سورة النساء: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا﴾، إلى قوله في الآيات في نفس الصفحة: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾. كثير من الناس اليوم ابتلوا بحكام المسلمين، يعتقدون أنهم آمنوا، يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، هذا حالهم، لكنهم لا يكملون الآيات في قوله سبحانه: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم﴾، أين الإعراض عنهم؟ هذه الآية لا يعملون بها، ﴿فأعرض عنهم﴾، يقول ابن كثير: لا تشتغل بهم فضلا عن أن تجعل المنابر سبيلا إلى تهييج الناس عليهم، ﴿فأعرض عنهم﴾، قال الله: ﴿وعظهم﴾، والموعظة تكون باللطف، كيف بمن يسيء في استخدام العبارات ويأتي بالأمور التي توجب الفرقة؟ ﴿فأعرض عنهم وعظهم﴾، قال الله بعدها: ﴿وقل لهم في أنفسهم﴾، أي بينك وبينهم، أين الناس الذين أشعلوا نيران الفتن بسبب أن بعض الولاة يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت؟ أين هؤلاء من العمل بالقرآن الكريم؟ فهم مخالفون الكتاب، وإن أخذوا بأول الآيات لا يأخذون بالآيات كلها، عياذا بالله. يقول الإمام أحمد: مجمعون على مفارقة الكتاب، إذا خالف الكتاب أهواءهم أجمعوا على رده وعدم قبوله، إذا خالف الكتاب أهواءهم، كما قال بعض أهل الأهواء: كل آية تخالف قول إمامنا فهي منسوخة، لا يعملون به، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله، أي بغير علم، في صفاته وأسمائه بغير علم، يخوضون فيها بالجهل، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون به جهال الناس بما يشبهون به عليهم. هكذا يقول الإمام أحمد في صفة أهل البدع، هؤلاء هم أهل البدع، أما غيرهم ممن يقع في زلة ويقع في مسألة فهذا ليس من هؤلاء، ويحذر من زلته وينبه على خطأه. قال رحمه الله: وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين، ويقولان: لا يفلح صاحب كلام أبدا. قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، الإمام المشهور: وبه أقول أنا، هكذا في الرواية، أي أعتقد هذه العقيدة وألقى الله بها وأعيش عليها وأموت عليها. وقال أبو علي بن حبيش المقرئ: وبه أقول، هذا أحد الأئمة، تقدم الكلام على إسناد الرواية الكتاب، وأن إسناده مسلسل بالأئمة المحدثين والقراء. قال أبو علي بن حبيش المقرئ: وبه أقول، أي أعتقد هذه العقيدة وأقول بها وأدين الله بها وأعيش وأحيى عليها وأموت عليها. قال شيخنا ابن المظفر: وبه أقول كذلك، أي أحيى على هذه العقيدة وأموت عليها وأدعو إليها. وقال شيخنا، يعني المصنف، يعني ابن عسا، يعني الإمام أبو القاسم اللالكائي، الإمام اللالكائي صاحب كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وبه نقول، فهذا مسلسل أيضا في الرواية، كل راو يقول: وبه أقول، ونحن في مثل هذا اليوم نقول: وبه أيضا نقول ونعتقد، وعلى هذا المعتقد نحيا وعليه نموت ونلقى الله عز وجل. فنسأل الله عز وجل أن يرحم هؤلاء الأئمة ويجزيهم خير الجزاء، ويجزيهم خير الجزاء. مما قاله أيضا العلامة المجاهد المحقق الشيخ، الشيخ أبو محمد ربيع بن هادي: قال في ختام الرسالة: الذي لا يدرس هذه الكتب، الذي لا يدرس هذه الكتب ولا يدرسها لا يعرف السلفية، هكذا قال لي: الذي لا يدرس هذه الكتب ولا يدرسها لا يعرف السلفية. فنسأل الله أن يرحم علماءنا ويحفظ مشايخنا جميعا، ويختم للجميع بالحسنة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.