الإنسان بين الأجل والأمل

الخطبة بعنوان الإنسان بين الأجل والأمل، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 جمادى الآخر 1442هـ الموافق 22 يناير 2021م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تصوير النبي ﷺ للإنسان بين الأجل المحتوم والأمل البعيد

يصف الخطبة كيف رسم النبي ﷺ مربعًا يمثل الأجل المحاط بالإنسان، وخطًا خارجًا يمثل أمله البعيد، وخطوطًا صغيرة للأعراض، مبينًا أن الموت لا مفر منه وأن الأجل يأتي لا يتأخر. وتدعو إلى تذكر الموت والاستعداد له بدلاً من الفرار منه.

قرب الأجل وبُعد الأمل وخطر الاغترار بالأماني الدنيوية

يبيّن المقطع أن آجال البشر قصيرة بين الستين والسبعين، بينما أمانيهم تمتد لآلاف السنين، ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال على أن الأجل يخطف الإنسان قبل تحقيق أمله. ويحذر من أن الأماني الكاذبة تجرّ إلى التفريط في الواجبات واتباع المحرمات، وهي صفة المنافقين والكافرين الذين غرّتهم الدنيا حتى جاءهم أمر الله.

خطر طول الأمل والتعلق بالدنيا عند الكبر

يحذر الخطيب من ازدياد الأماني والطموحات الدنيوية مع تقدم العمر، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن حب الدنيا وطول الأمل في قلب الكبير. ويذكر بأن الأمراض والأعراض تحيط بالإنسان من كل جانب لتذكره بأجله، داعياً إلى تقصير الأمل والتوجه للعمل للآخرة.

الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر

يذكر الخطيب آية تأمر بالعدل والإحسان وبرّ ذوي القربى، وتنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، داعياً المصلين لذكر الله وشكره ليزيدهم من فضله. مؤكداً أن ذكر الله أكبر وأن الله يعلم ما يصنعون.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مربعًا، وخط وسط هذا المربع خطًا في الوسط خارجًا منه، وخط أسفل الخط الذي في الوسط خطوطًا صغارًا، ثم أشار إلى الخط الذي في وسط المربع فقال: «هذا الإنسان»، وأشار إلى الخط المربع فقال: «وهذا الأجل قد أحاط به من جميع جنباته»، ثم أشار إلى الخط الذي هو خارج من الوسط فقال: «وهذا أمله»، ثم أشار إلى الخطوط الصغار التي أسفل الخط الذي في وسط المربع فقال: «وهذه الأعراض، إن فاته هذا نهشه هذا، وإن فاته هذا نهشه هذا». هذا التصوير الفني البديع العظيم ممن أوتي جوامع الكلم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فيه بيان لحقيقة هذا الإنسان في هذه الدنيا، وإنه بين الأجل والأمل، والأمل فأجله محتوم وأمله بعيد عن ذلك الأجل. فيه بيان، فيا أيها الإنسان، إذا أردت أن تعلم حقيقتك في هذه الدنيا فهي في هذا التصوير الفني البديع. انظر إلى نفسك أيها الإنسان، فإن كذلك الخط الذي خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط المربع قد حاط بك هذا المربع بأضلاعه المتساوية، الذي هو أجلك المحتوم الذي لا مفر ولا مهرب منه. أين ستهرب من هذا الأجل؟ فعن يمينك خط، وعن شمالك خط، وأمامك خط، ومن خلفك خط، فلا مفر ولا مهرب من هذا الأجل. يا أيها الإنسان، قل: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون. أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة. ويقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هنا. قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. كم يا أيها الإنسان تهرب من سماع ذكر الموت، وتتغامم، ويصيبك الهم إذا سمعت محدثًا يحدث عن الموت، وذاكرًا يذكر بالموت. لكن هيهات هيهات، مهما أعرضت ومهما تغاممت، فإن الموت مدركك ولاقيك، وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تحيد، أي تفر وتميل وتعرب وتهرب. فالأجل يا عباد الله إذا جاء فلا يؤخر، إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. كما يطلبك الرزق يا عبد الله، يطلبك الأجل. وذلك الأمل يا عبد الله هو أملك. أيها الإنسان، انظر كيف خط النبي صلى الله عليه وسلم الأمل خطًا خارجًا من المربع، وقال: «وهذا أمله». الأمل بعيد يا عباد الله، بينك وبين الأمل الأجل المحتوم، الخارم لهذا الأمل. كم من الناس من يؤمل الآمال الكثيرة والأماني التي تحتاج إلى آجال عظيمة، يحتاج إلى أن يعيش لأجل تحقيق هذه الآمال وهذه الأماني إلى آلاف السنين، وهيهات هيهات أن تعيش أيها الإنسان آلاف السنين أو مئات السنين. فأعمار الأمة بين الستين والسبعين، وقليل من يتجاوز ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ولذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال الدالة على أن الأجل قريب إليك أيها الإنسان من الأمل ومن هذه الأماني. تبت عند وكيع في الزهد، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل، من حديث جابر بن زياد رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعواد، ثم غرس عودًا بجانبه، ثم مشى قليلًا وغرس العود الثاني، ثم مشى قليلًا وغرس العود الثالث، فقالوا: أتدري ما هذا؟ قال: «الله ورسوله أعلم». قال: «هذا مثل ابن آدم وأجله وأمله، نفسه تتوق إلى أمله فيخترمه أجله دون أمله». أيسبق الأجل ذلك الأمل الذي تتوق إليه النفس وتتطلع إليه لتحقيقه وتحصيله؟ وفي حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى حصاتين، رمى حصاة ثم أخرى، ثم قال: «هذا الإنسان وهذا أجله، هذا الإنسان وهذا أجله»، أي أنه قريب إلى الأجل من ذلك الأمل الذي يؤمله وتلك الأماني التي يتمناها. وفي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كما عند النسائي وغيره، وأصححه العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض يده إلى قفاه، قبض يده إلى قفاه، ثم قال: «هذا الإنسان وهذا أجله»، ثم بسط يده فقال: «وثم أمله، وثم أمله، وثم أمله، وثم أمله»، آمال حالا بين الإنسان وتحقيقها وتحصيلها الأجل المحتوم. ألا يا أيها الإنسان، احذر من الأماني والأماني والاغترار بهذه الدنيا وزخارفها. الأماني التي جعلتك تاركًا للصلوات أو مقصرًا في أدائها أو مضيعًا لها، تاركًا للواجبات والأمانات والمسؤوليات، جاعلتك قاطعًا للأرحام، آكلًا للمحرمات. إنها الأماني التي تدفعك: كيف سيكون عندك بيت إذا لم تعمل بالحرام وتحتال وتغش؟ كيف تكون عندك السيارة تركبها وأنت تتورع عن أكل الأموال وتحصيلها من أي باب؟ كيف يكون لك كذا من المسؤوليات ومن المناصب ومن الجاه والشهادات وأنت متورع عن أكل المال من أي وجه؟ إنها الأماني، وإنه الغرور الذي غرك يا عبد الله. الأماني يا عباد الله هذه التي هي سبب للتقصير والتفريط في حق الله جل وعلا وحق العباد، ليست من صفات أهل الإيمان، وإنما هي من صفات أهل النفاق ومن صفات الكافرين. قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقال سبحانه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. هؤلاء الكفار وأولاء المنافقون قرتهم هذه الدنيا وأمانيها وزخارفها وشهواتها. فالله عز وجل توعدهم، وآمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يذرهم يأكلون ويتمتعون، وتلهيهم هذه الآمال وهذه الأماني. للأسف يا عباد الله، أن الإنسان وأن المسلم كان مما ينبغي عليه أنه إذا كبر سنه قصر أمله في هذه الدنيا، وقلت طموحاته، ضعفت أمانيه، وزادت الآمال والأماني فيما عند الله سبحانه وتعالى. لكن للأسف يا عباد الله نجد كثيرًا من الناس كلما زادت أعمارهم زادت أمانيهم، وزادت طموحاتهم، لا زال يتطلع إلى المشاريع الطويلة العريضة، لا زال يهرول وراء هذه الدنيا. وقد رأيت والله بعيني، قد رأيت بعيني أناسًا من كبار التجار يرثى لحالهم في مشيهم وتعبهم، يجرون وراء الدنيا، تقول: سبحان الله، هذا هو الفقير حقًا، لماذا يتعب نفسه؟ ماذا يريد أكثر مما عنده؟ يكفيه لو عاش عشرة آلاف سنة، ربما هذا المال سيكفيه، ولكنها الأماني والغرور والآمال. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول كما عند البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال قلب الكبير شابًا على حب اثنتين: حب الدنيا، وطول الأمل». حب الدنيا وطول الأمل، آمال يؤمنونها وقد شابت لحاهم، وقد شابت رؤوسهم، وقد احدودبت ظهورهم، وقد ضعفت أبصارهم وضعفت عظامهم، ولكن لم يتعظوا بهذه الآيات وبهذه العظات. والله المستعان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، والصحابة الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله، والخطوط الصغار التي خطها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل الخط الذي في الوسط، أي التي أسفلك أنت أيها الإنسان، هو ذلك الخط الذي في وسط المربع. خط رسول الله عليه الصلاة والسلام تحتك وأسفلك خطوطًا صغارًا، ما هي هذه الخطوط الصغار؟ قال عليه الصلاة والسلام: «وهذه الأعراض، إن فاته هذا نهشه هذا، وإن فاته هذا نهشه هذا». فأنت يا عبد الله محاط بالأجل من جميع جهاتك وجناباتك، محاط بالأعراض. إذا سلمت من الزكام لم تسلم من الحمى، وإذا سلمت من الحمى لن تسلم من كذا، إذا سلمت من السكر لن تسلم من الضغط، إذا سلمت من الضغط لن تسلم من كذا وكذا من الأعراض التي تنهش فيك وتفتك، وتفت عظامك وبصرك وسمعك، تفت فؤادك الأيام فتًا، وتنحت جسمك الساعات نحتًا، وتدعوك المنون دعاء صدق. ألا يا صاح، أنت أريد، أنت أنت أريد، كما قال ابن الوردي رحمه الله في لاميته: «قصر الآمال في الدنيا تفز، فدليل العقل تقصير الأمل». فأنت يا عبد الله تبتلى في هذه الدنيا بهذه الأعراض، ولن تسلم منها، وهي تذكرك بأجلك المحتوم. فهل تتذكر وهل تتعظ بهذه الأمراض؟ كم من الأمراض اليوم يا عباد الله الفتاكة التي انتشرت، لكن أين المتعظون بها وأين المعتبرون بها؟ يا عباد الله، فالله الله يا عباد الله، ينبغي أن نجعل آمالنا فيما عند الله سبحانه وتعالى، أما هذه الدنيا فلا تستحق يا عبد الله أن تؤمل فيها آمالًا تشغلك عن عبادتك لربك، تشغلك عن قناعتك فيما أحل الله لك، تشغلك عما أوجب الله عليك. فهذه عباد الله خطر عظيم، أي الآمال والأماني. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقنعنا بما آتانا من حلال، ويسأله سبحانه وتعالى يجعلنا من المؤملين فيما عنده جل وعلا. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. بارك اللهم على نبينا محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن العشرة المبشرين بالجنة، وسائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.