الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 17، الدرس السابع عشر:( عكوف القلب والبدن ). ألقاها
الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل وتتضمن محبته وذكره وإجلاله. هذا المفهوم يشبه اعتكاف البدن في المسجد.
الاعتكاف الحقيقي هو عكوف القلب على طاعة الله، بينما عكوف القلب على التماثيل يشمل عبادة الأصنام والصور الذهنية. قوم إبراهيم اعتكفوا على الأصنام بينما اعتكف إبراهيم على طاعة ربه.
حكم الصفرة والكدرة بعد الحيض يعتمد على اتصالها بالحيض أو وقوعها بعد الطهر. كما أن بعض المسابقات الرمضانية تعتبر من الميسر المحرم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. فدرسنا في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا بعنوان عكوف القلب والبدن. وناسب هذا الدرس أننا بإذن الله جل وعلا سنبدأ من هذه الليلة بدخول أول ليلة من ليالي العشر، وكثير ممن وفقه الله ويسر الله له أمره سيكون من المعتكفين. فأحببنا أن يكون الكلام في درسنا هذا على سر من أسرار الاعتكاف، وعلى نكتة من نكت الاعتكاف، وعلى شيء من خفايا وأسرار الاعتكاف. وهذا من كلام الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، يبين في هذا الكلام الذي سيأتي بإذن الله جل وعلا حقيقة الاعتكاف. قال رحمه الله تعالى: «الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه». يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: الإنابة حقيقتها وأصلها هي عكوف القلب على الله عز وجل. وقد تقدم معنا في كلمة أمس معنى الاعتكاف لغة وشرعًا، وأنه لزوم الإنسان المسجد بقصد التعبد والتقرب إلى الله جل وعلا. فيقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: حقيقة الإنابة ما هي؟ يقول رحمه الله: «هي عكوف القلب أي انحباس القلب وبقاء القلب ولزوم القلب على ماذا؟ قال: على الله عز وجل». قال: «كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه المعتكف، لا يحل له أن يفارق المسجد إلا لحاجة لا بد منها». فكذلك حقيقة اعتكاف القلب أن يكون القلب معتكفًا على ربه جل وعلا لا يفارقه. قال رحمه الله: «وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله». فهذا هو حقيقة هذا الأمر. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وحقيقة ذلك عكوف القلب على ماذا؟ قال: على محبته أي على محبة الله جل وعلا، وعلى ذكره على ذكر الله جل وعلا، وعلى إجلاله أي على إجلال الله جل وعلا وتعظيمه». هذا هو حقيقة الإنابة وهذا هو حقيقة عكوف القلب. قال رحمه الله: «ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة». يقول إمام ابن القيم رحمه الله تعالى: من لم يشغل نفسه وقلبه وجوارحه بالعكوف على طاعة الله جل وعلا انشغلت تلكم الجوارح وانشغل ذلك القلب بما سواه، بما سوى الله جل وعلا. وحقيقة ذلك كما قال رحمه الله تعالى: الاعتكاف على التماثيل. وهذا حقيقة ما حصل بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وبين قومه. إبراهيم اعتكف على طاعة ربه وإجلاله وتعظيمه وذكره وعلى محبته، إلى غير ذلك من معاني العبودية والإخلاص. وأما قومه فكانوا عاكفين على تلكم الأصنام وعلى تلكم التماثيل والصور. قال رحمه الله تعالى: «والتماثيل جمع تمثال، وهي الصور الممثلة». فكل صورة تتمثل للعبد فهو تمثال. كل صورة يتصورها العبد فهو تمثال، لأن حقيقة التماثيل هي الصور الممثلة. فالإنسان إذا تصور شيئًا في ذهنه وأقبل على ذلك الشيء وصرف قلبه وصرف جوارحه لنيل ذلك الشيء، حقيقة أمره أن قلبه وجوارحه صارت طالبة معتكفة على ذلك التمثال الذي تصور في ذهنه. قال رحمه الله: «فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه». رجل مثلًا ليله ونهاره يفكر بجمع المال، صار تصوره كاملًا على المال. كيف يعمل المال؟ وكيف يصنع المال؟ وماذا يصنع بالمال؟ هذا صار قلبه ممتلئًا بتمثال المال، فهو معتكف عليه. قال رحمه الله: «ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإراداتهم على تماثيلهم». هذا هو حقيقة شرك عباد الأصنام. قال: «فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكتهم واستعبدتهم بحيث يكون عاكفًا عليها، فهو نظير عكوف الأصنام عليها». قال رحمه الله: «ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدًا لها، ودعا عليه بالتعس والنقص». فقال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقاش». إذا كان الإنسان مقبلًا على الدنيا، همه الدنيا، لا يرفع رأسه إلا للدنيا، فهذا حقيقة كما قال إمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قد عكف قلبه على محبة الدنيا. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «الناس في هذه الدار على جناح سفر كلهم». أي كلهم مسافرون وكلهم مارون وكلهم ذاهبون، ولا أحد قائم ولا أحد يبقى في هذه الدنيا دائمًا باقيًا، بل الكل ذاهبون والكل راحلون والكل مسافرون. قال رحمه الله: «وكل مسافر فهو ضاعن إلى مقصده». أي سائر إلى مقصده. فمن كان مقصده الآخرة كان سيره إليها، ومن كان مقصده جمع المال والدنيا وما شابه ذلك، كان كذلك مقصده وسيره إليها. قال رحمه الله: «وكل مسافر فهو ضاعن إلى مقصده ونازل على من يسره بالنزول عليه». الإنسان إذا كان عنده طلب وكان في سفر وكان في رحيل له مقصد ولابد، فإذا وصل إلى مقصده ونزل عند مراده فرح بنزوله. من كانت همته الآخرة فرح بنزوله ومنزله، ومن كانت همته الدنيا كذلك فرح بوصوله ونزوله إلى مقصوده ومراده. قال رحمه الله: «وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ضاعن إلى الله في حال سفره ونازل عليه عند القدوم عليه». قال: «فهذه همته في سفره وفي انقضائه». يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. قال رحمه الله: «وقالت امرأة فرعون: رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة». امرأة فرعون آسيا رحمها الله قالت: «رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة». قال ابن القيم رحمه الله: «فطلبت كون البيت عنده». لماذا تعمل؟ تعمل لتصل إلى الله. عملت وصبرت على جور فرعون وعلى ظلم فرعون لأجل ماذا؟ لأجل الله والدار الآخرة. ما حكم المسابقات الرمضانية؟ المسابقات الرمضانية والمسابقات غير الرمضانية كلها تبنى على مبان غير صحيحة، لأن فيها معنى من معاني الميسر، وفيها معاني القمار. لأن السؤال يسأل ثم يقول: يتصل على رقم كذا وكذا، ومن طلع أو ظهر اسمه فإن له الجائزة. العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: في مثل هذا كل معاملة كانت بين الغنم والغرم، أي إما أن تغنم وإما أن تغرم، فإنها في معنى الميسر. وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ فهو محرم. امرأة يخرج منها صفرة بعد الحيض، فهل تصوم أم لا؟ الجواب عن هذا أن الصفرة والكدرة، الصفرة وهو السائل الأصفر الذي يخرج من المرأة، والكدرة هو الشيء الكدر كذلك الذي يخرج من المرأة. والمرأة أعلم بذلك من غيرها. فالحكم فيه على ما جاء في حديث أم عطية، وهو في البخاري وجاء كذلك في سنن أبي داود وغيره. واللفظ له قالت أم عطية رضي الله عنها وأرضاها: «كنا لا نعد الكدرة أو كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا». كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذا المقام قاعدة على الصحيح من أقوال أهل العلم: أن الكدرة والصفرة بعد الطهر طهر، وبعد الحيض حيض. معنى هذا أن الكدرة إذا كانت متصلة بالحيض، فالحكم في هذا أن حكم ما حكم الحيض. فإذا طهرت ثم مرت عليها خمسة أيام على الطهر ثم جاءها صفرة وكدرة، فما الحكم الآن؟ الحكم أنها طاهر، لأن الصفرة والكدرة اتصلت بطاهر. فالكدرة والصفرة يكون حكمها حكم ما سبقها. فإذا اتصلت بطاهر فهو طاهر، وإذا اتصلت بحيض فهو حيض. بقي إذا مرأة مثلا استمر بها الكدرة والصفرة إلى بعد صلاة الفجر، صلت الفجر أو بعد صلاة الفجر أدنى الفجر ورأت الصفرة، ثم بعد ذلك انقطعت الصفرة بعد طلوع الفجر بنصف ساعة أو ما شابه ذلك، ما الحكم؟ هل تصوم أم لا؟ الجواب أنها لا تصوم، ما دام أنه دخل الوقت وقت الفجر وهي ما زالت الصفرة فيها أو الكدرة، فإن حكمها حكم الحيض. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.