القول السديد في مقاصد التوحيد  59

القول السديد في مقاصد التوحيد 59

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 59، الدرس التاسع والخمسون:من( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ... وله من حديث الفضل بن عباس:إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث أبي هريرة حول التطير

يبدأ الشرح بتوضيح حديث أبي هريرة حول التطير والتشاؤم، حيث يناقش معاني المفاهيم الجاهلية التي حذر منها الإسلام. يتم التركيز على مفاهيم مثل التطير بالهوام والتشاؤم بشهر صفر أو النجوم.

التحذير من التطير والتشاؤم في الإسلام

يناقش المقطع مفهوم التطير والتشاؤم، ويحذر من اعتقاد أن بعض الأقوال أو الأفعال أو الأشياء تسبب الخير أو الشر. يشجع على حسن الظن بالله والتوكل عليه للتخلص من هذه الأوهام.

علاقة التطير بالشرك وأهمية التوكل

يشرح المقطع أن التطير قد يكون شركا أكبر أو أصغر حسب اعتقاد الشخص، ويبرز دور التوكل على الله في التخلص من التطير. يشدد على أهمية التوكل في دفع الأوهام والتشاؤم.

تفسير ابن مسعود للآية وتوضيح معنى التوكل

يفسر ابن مسعود الآية ويوضح معنى التوكل ودفاع الله عن عباده المتوكلين عليه. يتم التأكيد على أهمية كراهية الشر وعدم التعلق به، مع توضيح أسلوب علمي في التعبير عن الشر والسوء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». أخرجاه. تقدم معنا أن المؤلف رحمه الله ذكر في هذا الباب الأدلة على ما يتعلق بالتطير وأنه من خلق الكافرين وأهل الجاهلية التي حذر منها الإسلام، بل حذر منها الأنبياء والرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام. وفيما ذكر من آية سورة الأعراف وياسين إشارة إلى ذلك، ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وعلمنا فيما يتقدم ما يتعلق بالعدوى، وهكذا كذلك الطيرة. وقوله: «ولا هامة» هذا من ذكر الخاص بعد العام، تنبيها له لكثرة الابتلاء به، أي ولا تطير بالهوام، سواء هوام الليل كالبومة أو كذلك ما كان في النهار كالكلاب، أو حتى أحيانا تأتي في الليل أو غيرها من الهوام التي يتطير ويتشاءم منها الناس، ولكل زمان ومكان من ذلك عجائب. وهكذا «ولا صفر»، أي هو كذلك من عطف الخاص على العام، تنبيها عليه لكثرة الابتلاء به. والمراد بصفر: قيل شهر صفر، فقد كان أهل الجاهلية يتشاؤمون منه. وهكذا قيل أن المراد به داء الصفار، فيكون على المعنى الأول معطوف على الطيرة، وعلى المعنى الثاني معطوف على العدوى، أي لا اعتقاد باعتقاد أهل الجاهلية في داء الصفار: أن من ابتلي به فلا بد أن يموت، بل ينبغي أن يكون المرء عظيم الثقة بربه. وقوله: زاد مسلم «ولا نوء ولا غول»، أي ولا اعتقاد بالأنواء وهي النجوم ومنازلها على اعتقاد أهل الجاهلية، فكانوا يتشاؤمون من منازلها. كما يروى في قصة وقعت لعمر بن عبد العزيز رحمه الله، رحمه الله، خرج ليلة فقال له بعض من معه: انظر إلى القمر ما أحسنه، فنظر إليه رحمه الله تعالى، فقال: أردت أن تخبرني أن القمر في الدبران؟ اعلم أنا لا نخرج لشمس ولا لقمر، ولكننا نخرج متوكلين على الله، أو كما قال رحمه الله. فكانت العرب تتشاءم أن تخرج في منازل معينة للنجوم، أن يكون القمر في الدبران أو يكون كذلك نجم العقرب أو غير ذلك من منازل النجوم التي يعرفها بعض الناس. وفي كل ثلاثة عشر يوما منزلة تنتقل فيها منازل النجوم، والناس يتتبعون هذا، فيتشاءمون من بعضه ويتفاءلون من بعض آخر، وهذا خطأ، فليس في هذا خير ولا شر، فلم يجعلها الله عز وجل أسبابا لا لخير ولا لشر، كما أنه لم يجعل حركة الطيور أسبابا لخير ولا لشر. فمن اعتقد ذلك فقد وقع في اعتقاد أهل الجاهلية. وقوله: «ولا غول»، أي ولا اعتقاد في الغيلان، وهو ما كان يظنه أهل الجاهلية، ولا يزال بعضه إلى يومنا هذا: أن هناك من تضل الناس في الصحراء فتغويهم، أحيانا يظهر بصورة إنسان أو حيوان أو غير ذلك، هكذا يزعمون، وهو من الأوهام والخيالات التي يتصورها ويظنها بعض أهل الجاهلية ومن ضعف توكلهم على الله. ومثله ما يسميه بعض الناس في بلادنا هذه وما حولها بالمسرج، يزعمون أنه يضل الناس في الليل، يرى الإنسان في الليل الضوء فيتبعه الإنسان فيضل. وكلها أوهام وخيالات، وقد يكون بعضها من شياطين الجن يخوفون به أولياءهم فيضلونهم بذلك. وأما المؤمن الموحد المتوكل على الله حق توكله، لا يرهب ولا يرغب بمثل ذلك، بل يرغب ويرهب إلى الله ومن الله. وقوله: ولهما عن أنس، أي في الصحيحين مرفوعا: «لا عدوى ولا طيرة»، ويعجبهم الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة». وسبق معنا أنه ينبغي أن نفرق بين الكلمة الطيبة التي ليس فيها تعليق خير وشر، ولكن فيها رجاء حسن وحسن ظن بالله، وبين من يظن أن الله جعل بعض الأقوال والأفعال والأجناس والأسماء أسبابا لخير أو لشر. فكون الإنسان يتفاءل بالكلمة الطيبة ليس معناه أنه يقع في عقيدة أهل الجاهلية، فيقول مثلا إذا سمع صوت العصفور: هذا علامة خير، أو سمع نعيق الغراب قال: هذا شر. وروي عن ابن عباس ونحوه عن جماعة من التابعين أنه سمع عنده صوت طير، فقال بعض الحاضرين: خير خير. فقال: أي خير أو شر عند هذا؟ ونحوه ما روي عن طاووس أنه أراد أن يسافر، فسمع بعضهم صوت طير، أي ممن يريد أن يرافقه في سفره، فقال: خير خير. فقال: أي خير أو شر عند هذا؟ ارجع فلا تصاحبني. فكانوا ينهون عن التعلق بالطيور وغيرها، ليس فقط بالتشاؤم منها، بل كذلك باعتقاد أنها أسباب للخير. والله عز وجل لم يجعلها أسبابا، فلذلك كانوا ينهون عن هذا، وهو يدخل في معنى التشاؤم. فإن للتشاؤم معنيان: المعنى الأول كما تقدم هو اعتقاد السوء والشر في هذه المرئيات والمسموعات والمعلومات، أو كذلك اعتقاد أن الله جعلها سببا للخير أو الشر أو أنها تكشف الغيب. فكل هذا ليس من خصائصها، ولم يجعلها الله كذلك، فاعتقاد ذلك شرك أصغر أو أكبر بحسب اعتقاد صاحبه. وقوله: عن عقبة بن عامر، ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أحسنها الفأل» إلى آخره. هذا كما سبق المراد به حسن الظن والاستبشار بالخير، لا تعليق الأحكام بما لم يجعلها الله عز وجل أسبابا لذلك. ولهذا قال في آخره: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك». والحديث ضعيف كما أشار المعلق، لكن بالجملة تدل عليه نصوص صحيحة تدل على معناه نصوص صحيحة. وقوله: وله من حديث ابن مسعود: «الطيرة شرك، الطيرة شرك» مرتين، وفي رواية ثلاثا، لم يذكرها هنا، وجاءت في مواضع من كتب الحديث. وهذا الشرك كما تقدم قد يكون أكبر، كما قال ابن القيم رحمه الله: إذا اعتقد أن أحدا يملك كشف الغيب أو أن أحدا يملك الضر والنفع مع الله، فهذا من الشرك الأكبر. وأما إذا اعتقد أن الله جعلها سببا لكشف الغيب أو لوقوع الشر والخير، والواقع أن الله لم يجعلها أسبابا، فهذا من الشرك الأصغر. والناس في هذا يتفاوتون. وقوله: وجعل آخره من قول ابن مسعود، يعني: «وما منا إلا»، ولكن الله يذهب بالتوكل. فقد بين الحفاظ البخاري والترمذي وغيرهم أن هذه اللفظة ليست من الحديث، بل هذا من قول ابن مسعود: «وما منا إلا»، يعني ويقع في نفسه شيء، ولكن الله يذهب بالتوكل. قد يقع للإنسان أحيانا أشياء في نفسه بسبب كثرة ما يسمع من الناس، أو كذلك ترهيب وتهويل بعض الجهال، فيقع في نفسه بعض الناس، ولو كان موحدا متوكلا على الله. لكن التوحيد والتوكل يحتاج إلى تجديد، فلذلك يذهب هذا الذي يطرأ على النفس ولا يستقر. تجديد العبد لتوحيده وتوكله على ربه. ولهذا قال: «ولكن الله يذهب بالتوكل». وفرق بين أن يعرض وبين أن يستقر. فرق بين أن يعرض على الإنسان في نفسه شيء وبين أن يستقر هذا الشيء في القلب. إذا استقر فهذا ضعف في التوكل والتوحيد، وإذا عرض ومر فهذا لا ينافي التوكل والتوحيد، لأن من التوحيد مدافعة الشرك ووسائله وذرائعه وعوارضه وأوهامه. فهذا من التوحيد أن الإنسان يدافع في نفسه في عقيدته، وهكذا كذلك بقوله وفعله، هذا الذي يعرض له من وساوس الشيطان، شياطين الجن والإنس. وقوله: لأحمد من حديث ابن عمر: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك». الحديث، بعض أهل العلم ضعفه لأن في إسناده ابن لهيعة، وبعضهم صححه لأنه من رواية عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة، وقد صرح ابن لهيعة بالتحديث. ويرى بعضهم أن رواية العبادلة عن ابن لهيعة مستقيمة صحيحة، وهذا الذي مال إليه العلامة الألباني رحمه الله، فصحح بهذا الحديث. وكان شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يضعف هذا الحديث، وهكذا شيخنا الوادعي رحمه الله. والظاهر صحة هذا الحديث لوروده من طريق ابن وهب، ولأن شواهد كثيرة تدل على معناه تصحيح ما فيه. وقوله: وله من حديث الفضل بن عباس: «إنما الطيرة ما أنضاك أو ردك». هذا يؤكد ما سبق من أن الطيرة تشمل الخير أو الشر، بأن يظن الإنسان أن الله جعل تلك المسموعات والمرئيات والمعلومات أسبابا للخير أو الشر، وعلامات لكشف الغيب. والله سبحانه لم يجعلها كذلك، فهذا من الشرك ومن الطيرة المذمومة، وليس منه الفأل الحسن. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم. يقول السائل: إذا تخيل الإنسان أو أخيل كأنه يقول: هل هذا يدخل في التطير؟ ماذا تريد بالخيال؟ هل تريد به ما يعرض للإنسان من الأوهام؟ فهذا يدافع، وهذا هو تفسير ابن مسعود: «وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل». وفي قوله «إلا» فيه من الأدب العلمي الذي يكون فيه عدم التلفظ بالسوء والشر، حتى يدل ذلك على أن الإنسان يكرهه ويبغضه ولا يتعلق به، نعم. طيب، إلى هنا وإزاكم الله خيرا.