كتاب المواريث والوصايا والعتق 2

الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 2، ألقاها

تعريف الوصية ومشروعيتها

يتناول هذا الفصل تعريف الوصية لغة وشرعا وأدلة مشروعيتها. الوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.

أحكام الوصية وتدريجاتها الشرعية

الوصية تدور على الأحكام الخمسة الشرعية وقد تكون واجبة أو مستحبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة. يجب تدوين الحقوق في وصية.

تفاصيل أحكام الوصية وضوابطها

الوصية بأكثر من الثلث لا تصح لمن له ورثة إلا بإجازتهم، ولا تصح للوارث، وتقدم الواجبات الشرعية على الوصية. تحرم الوصية في معصية.

ختام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

تم تأجيل بعض الأحكام إلى الدرس التالي بسبب انتهاء الوقت، واختتم الدرس بذكر ديني.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الباب الثاني: الوصية، وفيه مسألتان، أي أن الباب الثاني معقود بالكلام على أحكام الوصية ومسائلها، وذكرها هنا مسألتان. وهذه المسألتان أو هاتين المسألتان تضمنت في الحقيقة مسائل كثيرة، سيأتي الإشارة إليها في ثنايا الكلام بإذن الله عز وجل. المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها، أي معنى الوصية وأدلة مشروعيتها. أولا: تعريفها. الوصية لغة معناها العهد إلى الغير أو الأمر، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي عهدنا وأمرنا. وشرعا: هبة الإنسان غيره عينا أو دينا أو منفعة على أن يملك الموصى له الهبة بعد موت الموصي. قالوا: وقد تشتمل الوصية ما هو أعم من ذلك، فتكون بمعنى الأمر بالتصرف بعد الموت، كما عرفها بعضهم بذلك، فتشمل الوصية لشخص بغسله أو الصلاة عليه إماما أو دفع شيء من ماله لجهة. إذن الوصية شرعا قد تكون هبة، كما ذكر، إما هبة عين كأن يقول إنسان له مال أو صيت ببيتي أو داري الذي في المكان الفلان لفلان ابن فلان لشخص معين، أو لجهة معينة، كان يقول: للفقراء. وهذه وصية الأولى وصية لمعين، والثانية وصية لجهة. ومنه يعلم أن الجهة قد تكون لمعين، وقد تكون لجهة، يعني كما ذكر هنا، قال: هبة الإنسان غيره، هذا الغير قد يكون معينا، كان يقول إنسان في حال صحته يقول: أوصيت لفلان ابن فلان بكذا وكذا من مالي، هذه وصية من معين لمعين. أو في معين، يعني من معين لمعين في معين. وقد تكون الوصية من معين في معين لغير معين، كان يقول إنسان: أوصيت بأرض أن تكون للفقراء أو للمساكين، له أرض معروفة أرض التي في مكان فلان وهي قدرها الثلث فما دون، أوصيت بها للفقراء أو للمساكين أو لطلبة العلم أو لليتامى أو لعابري السبيل أو ما شابه ذلك. ها هنا وصية من معين في معين لغير معين لوصف، فكل من انطبق عليه ذلك الوصف دخل في تلك الوصية. وقد تكون الوصية من معين في غير معين لمعين، كان يقول: أوصيت بخمس أو ربع أو ثلث مال لفلان ابن فلان، ولم يعين المال بل وصفه بأنه ثلث، بأنه ربع، بشيء مشاع لمعين لفلان ابن فلان. وقد تكون الوصية من معين في غير معين لغير معين، كأن يقول: أوصيت بالثلث من مال أو بالربع من مال أو بالخمس من مال للفقراء أو للأيتام أو لطلبة العلم أو ما شابه ذلك من جهات الذي أراد أن يوصي إليهم. فالحاصل أنها كما ذكرها هنا هبة الإنسان غيره عينا، قد يكون عينا أي يعين الشيء، وقد يكون دينا، أي إنسان عليه دين لإنسان، فذلك الرجل قبل موته يوصي بأن الدين الذي على فلان قد أسقطه عنه بعد موتي، هذه وصية، فما كانت في الثلث فما دون تنفذ، وما كانت فوق الثلث فلا تنفذ على ما سيأتي ذكره. قالوا: أو منفعة، كذلك قد تكون الوصية في منفعة، كان يقول مثلا له دار أو عمارة عليها إيجارات، يقول: ما يخرج من إيجار هذه البيوت أو مزرعة من تلك المزرعة هي لزيد ابن فلان لفلان ابن فلان لمعين، أو لجهة يقول: للفقراء أو لأيتام أو لطلبة العلم أو ما شابه ذلك، على أن يملك الموصى له الهبة بعد موت الموصي. بمعنى أنه قبل موت الموصي فإن المال لا يزال ملكا للموصي، وللموصي أن يغيره على ما سيأتي معنا بإذن الله عز وجل، أي مثلا لو أن إنسان أوصى لإنسان بثلث مال بعد الموت، ثم بدله أن يغير، قال: لا، سأعطيه الخمس وسأعطي الخمس الآخر لفلان، له ذلك. ومن الفروق بين الوصية والهبة أن الوصية تكون بالثلث فما دون، أما الهبة فتكون بما شاء في حال الصحة. وكذلك كما ذكر أن الوصية قد تكون أعم من مجرد الهبة لأنها قد تكون كما ذكر هاهنا عهد أو أمر بتصرف ما، كأن يوصي بأن فلانا يصلي عليه أو أن يغسله أو أن يقوم على أبنائه من بعده أو ما شابه ذلك، فهذه تسمى وصية أيضا. الثاني: أدلة مشروعيتها، أي مشروعية الوصية. قالوا: وهي مشروعة بالكتاب والسن والإجماع، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. وهذه الآية وإن نسخت في الورثة إلا أن حكمها باق في غيرهم، نسخت بأن لا وصية لوارث، لكن حكمها باق في غيرهم. ولقول الله جل وعلا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، فهذا دل على مشروعية الوصية. وأيضا لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا وصيته مكتوبة عند رأسه». والحديث متفق عليه. وقد أجمع العلماء على جوازها، أي من حيث الجملة، وإلا فالعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن الوصية تكون بحسب ما ترتب عليها وما تبعها من آثار، فقد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون مباحة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون محرمة. إذن الوصية تدور على الأحكام الخمسة الشرعية، الأحكام التكليفية الخمسة. فقد تكون واجبة، متى تكون واجبة؟ كأن يكون عليه حق، كأن يكون عليه حق الغير، وذلك الحق ليس عليه بينه، فها هنا يجب عليه أن يوصي بما عليه من الحق. وعليه ينزل حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما حق مرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا وصيته مكتوبة عند رأسه». وقد تكون الوصية مستحبة، وذلك إذا كان الرجل غنيا عنده مال كثير، وولده أو ورثته أغنياء، فيستحب له أن يوصي بالثلث. وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه يوصي بدون الثلث، كما هو نصح قول ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. وقد يكون مباحا إذا كان عنده مال كثير، أو عنده مال ولكن أبناءه يحتاجون إلى ذلك المال، الورثة يحتاجون إلى ذلك المال، فبقاء المال للورثة أحق. وإن كان ماله ليس بالكثير، وولده بحاجة إلى المال، فكذلك لا يستحب له أن يوصي، بل ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه إذا كان هذا حاله، إلى أنه يكره له أن يوصي، لأن ورثته أحق بالمال من غيرهم. وقد تكون الوصية محرمة إذا كانت الوصية في محرم، أو على محرم، أو لأجل حرمان الأبناء أو الورثة، يوصي بالثلث لأجل أن يحرم الورثة، تكون وصية محرمة. أو يوصي بمحرم، في تشييد القبور، بإسراج السرج حول الأضرحة، بوصية للغناء والفنانين أو لأهل المجون وما شابه ذلك، هذه وصية محرمة. المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها، أي المتعلقة بالوصية. قالوا: يتعلق بالوصية الأحكام الآتية: أولا: يجب على المسلمين أن يدون ماله وما عليه من الحقوق في وصية يبين فيها ذلك، لحديث بن عمر السابق. والراجح من أقوال أهل العلم في هذا أو في هذه المسألة أنه يجب عليه في المال الذي ليس عليه بينه، أو في الحق الذي ليس عليه بينه، يجب عليه أن يدون وأن يوصي بما عليه من الحق. إذا كان ذلك الحق الذي عليه ليس عليه بينه، مثال ذلك رجل اقترض من إنسان مالا ليس بينهما بينه، ليس بينهما شهود، فمثل هذا يجب عليه أن يوصي بأنني اقترضت من فلان بفلان مبلغ قدره كذا وكذا، يعطى يوصي بذلك إن حصل لي موت، لفلان علي حق قدره كذا وكذا. أما إذا كان الحق للغير عليه بينه، كأن يكون استدان من إنسان وشهد الشهود، وأخذ المال، فها هنا عليه بينه، ففي مثل هذه الحال يستحب ولا يجب، لماذا؟ لأن الحق عليه بينه، بمعنى أنه إذا مات لم يبقى حق للغير عليه بغير بينه، بل يكون حق للغير عليه بينه يأخذه بتلك البينة. ثانيا: تستحب الوصية بشيء من المال يصرف في طرق البر والخير والإحسان، ليصل إليه ثوابه بعد موته. فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم». والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. ثالثا: جواز الوصية بالثلث فأقل. أما جواز الثلث فلحديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فبالشطر؟ قال: لا. قلت: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير. وجاء كذلك في الصحيح أن رجلا توفي وأوصى قبل وفاته بأن يعتق ستة أعبد له، ليس له مال سواهم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وجعلهم اثنين اثنين اثنين، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين ورد الباقين، أي أنفذ الوصية بكم بالثلث، ورد الباقين. فدل هذا على أن الوصية بما فوق الثلث غير ماضية. ثم ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسألة، وهي إذا أوصى بما فوق الثلث، وسيأتي الكلام عليها في أصوار رابعة. وأما الوصية بأقل من الثلث، فلقول ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». ومعنى هذا أن ابن عباس رضي الله عنهما أخذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد ابن أبي وقاص «الثلث، والثلث كثير» أن الإنسان لو تصدق بأقل من الثلث لكان أولى وأفضل، لكان أولى وأفضل. وهذا فيه المعنى المذكور من أن المعتبر أو الأولى مراعاة الورثة، الأولى مراعاة الورثة، فكون المال يرجع إلى الورثة ينتفعون به ويستغنون به خير من أن يعطى للأباعد، ويبقى الورثة يتكففون الناس، كما جاء في الحديث. رابعا: أن الوصية لا تصح بأكثر من الثلث، بأكثر من ثلث ما يملك لمن له وارث، لحديث سعد ابن أبي وقاص المتقدم، إلا إذا أجاز الورثة ذلك. أما إذا لم يكن له وارث، فتصح بالمال كله. لماذا؟ أولا: أن الوصية لا تصح بأكثر من الثلث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سعد: «لا». فلما قال: الثلث، قال: «الثلث، والثلث كثير». وفي الحديث الآخر الذي هو في صحيح مسلم أنه أقرع بين الأعبد في الستة، فأعتق اثنين ورد أربعة، فدل على أن الوصية إنما تنفذ بالثلث فما دون. هذا فيمن كان له ورثة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث سعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». فإذا كان الحكم منوطا بعدم الإضرار بالورثة، فإذا لم يكن له ورثة أصلا، فله أن يوصي بماله كيف شاء، لأنه لا حق في المال لأحد بعده، فله أن يضع ماله كيف شاء حيث شاء. خامسا: لا تصح الوصية لأحد من الورثة، لما روى أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». والحديث رواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح. والشاهد منه: «فلا وصية لوارث»، فلا تجوز الوصية للوارث. كذلك قال بعض أهل العلم: لو أن إنسانا أوصل وارث، الأصل أنها لا تنفذ تلك الوصية لهذا الحديث، إلا أن يأذن بها الورثة، لأنه حق لهم تنازل عنه، فإن امتنعوا فالأمر إليهم، ولا يجوز للموصي أن يفعل ذلك. سادسا: تحرم الوصية بأمر في معصية، لأنه شرعت لزيادة حسنات الموصي، كما مضى في حديث أبي الدرداء، والوصية بالمحرم محرمة، وما كان محرما فإنه لا ينفذ، لو أن إنسانا أوصى بتشييد القبور التي تعبد من دون الله جل وعلا، أو أوصى بتشييد أماكن الملاهي والفجور والفسوق وما شابه ذلك، هذه وصية محرمة لا تنفذ، تكون ملغاة. سابعا: أن الدين والواجبات الشرعية كالزكاة والحج والكفارات، مقدمة على الوصية، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وقال علي رضي الله عنه: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية». وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر له شاهدا. والحديث من طريق الحارث ابن عبد الله الأعور، وأحسن أحواله أنه ضعيف، إلا أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في التلخيص الحبير يقول: والحارث وإن كان ضعيفا إلا أن الإجماع قد انعقد على ما روى، على أن الإجماع انعقد على وفق ما روى. وهذه مسألة يذكرها علماء المصطلح الحديث: هل إذا نقل الإجماع على مقتضى حديث ضعيف، هل يكون مقوّيا لهذا الحديث أم لا؟ في المسألة أقوال ذكرها العلماء، والأظهر والأرجح أنه يكون مقوّيا لذلك الحديث. ومحل الكلام على هذه المسألة في كتب مصطلح الحديث بإذن الله جل وعلا. الحاصل بأن الحديث حسن، الشاهد منه: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية». ومن باب أولى كما جاء في الحديث: «فدين الله أحق». إذن لو كان إنسان عليه في ماله الزكاة، ثم مات بعد أن وجب الزكاة في ماله، فإنه يجب إخراج الزكاة من ماله أولا، ثم إن كانت هناك وصية، أعطي ذلك الموصى له ما يستحق، وما تبقى فإنه للورثة، سواء كان حقا شرعيا كما ذكر في زكاة أو حج، أو كان حقا لإنسان دين عليه لإنسان، فإنه أول ما يأخذ إبراء الدين من تلك التركة. ثم كذلك يعطى حق الله جل وعلا من تلك التركة، سواء كان حج، كان زكاة أو ما شابه ذلك. هناك أحكام نؤجلها إلى الدرس اللاحق لانتهاء الوقت. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليه.

شاركنا على