كتاب المواريث والوصايا والعتق 4

الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 4، ألقاها

أركان العتق والشروط الأساسية

يتناول هذا الفصل أركان العتق الثلاثة: المعتق والمُعتق والصيغة، ويشترط في المعتق أن يكون جائز التصرف، عاقلاً وبالغاً ورشيداً ومختاراً. يُفصّل شروط المعتق وسبب اشتراط كل شرط.

شروط صحة العتق وتفاصيله

يشرح هذا الفصل شروط صحة العتق، وهي أن يكون المعتِق عاقلاً مختاراً، مالكاً للمعتق، وألا يتعلق بالمعتق حق لازم، وأن يكون العتق بلفظ صريح أو كناية. هذه الشروط ضرورية لصحة العتق.

ألفاظ العتق الصريحة والكنايات ودور النية

يتناول هذا الفصل ألفاظ العتق الصريحة والكنايات، ويبين أن الألفاظ الصريحة كافية بذاتها، بينما تحتاج الكنايات إلى نية لتعيين المراد. يُشدد على أهمية النية في توضيح المقصود عند استخدام الكنايات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثانية من الباب الثالث من هذا الكتاب الذي هو ضمن كتاب الفقه الويسر في ضوء الكتاب والسنة، المسألة الثانية: أركان العتق وشروطه وصيغته وألفاظه. هذه المسألة في الحقيقة تضمَّنت عدة مسائل وأبحاث، تضمَّنَت مسائل وأبحاث، فأولها أركان العتق. أركانه ثلاثة: المُعتق، أي بكسر التاء، وهو الشخص الذي وقع منه العتق لغيره، أي الذي كان يملك العبد ثم أعتقه، يُطلق عليه بأنه مُعتق، وهو أحد أركان العتق. الثاني: المُعتق، وهو الشخص الذي عُتق أو وقع عليه العتق، أي الشخص الذي كان رقيقًا ثم صار حُرًا بعد ذلك بالعتق. الثالث: الصيغة، وهي الألفاظ التي يقع بها العتق. إذن، للعتق أركان ثلاثة: المُعتق، والمُعتق، والصيغة؛ لأن حقيقة العتق يدور حول هذه المعاني: معتق ومُعتق وصيغة لذلك العتق، أي الذي يكون بها ذلك العتق. الثاني من الأحكام أو من المباحث المُدرجة تحت هذه المسألة: شروطه، أي شروط العتق. قالوا: يشترط بصحة العتق ووقوعه ما يلي: أن يكون المُعتق ممن يجوز تصرُّفه، وهو البالغ العاقل الرشيد المُختار. فلا يصح العتق من الصبي، ولا المجنون، ولا المعتوه، ولا المُكره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». قالوا: ولا يصح عتق المُكره، كما لا تصح سائر تصرُّفاته. إذن، أول الشروط في المُعتق أن يكون جائز التصرُّف كبقية المُعاملات، بأن يكون عاقلاً، بالغاً، رشيداً، مُختاراً. فخرج بالبالغ من كان دون البُلوغ؛ لأن الأصل في من كان هذا حاله أنه لا يُحسن التصرُّف، فيكون حكمه كحكم السفيه الذي لا يعلم مصلحته. فلأجل هذا المعنى مُنِعَ تصرُّف الصبي حتى يبلغ. قالوا: لأن مناط التكليف هو البُلوغ، بخلاف قبل البُلوغ، فإن الصبي لا يكون بذلك مُكلَّفًا، وكذلك عقوده ومُعاملاته لا تكون معتبرة إلا بذلك. والعاقل خرج المجنون؛ لأن المجنون لا تصُحُّ تصرُّفاته ولا معاملاته؛ لأنه مجنون لا يعقل ما يخرُج من فيه وما يصدر منه. والعبرة في العقود بالمقاصد وتمييزها، والمجنون لا قصد له صحيح. وكذلك يُشترط في المُعتق أن يكون رشيدًا، فخرج من كان سفيهاً. والسفيه هو الذي لا يُحسِنُ التصرُّف في ماله، إما بأن يجعلها في أماكن حرَّمها الله جل وعلا، أو أنه يدعها أو يجعلها في أماكن لا يصحُّ لمثله من العقلاء أن يضع تلك الأموال في تلك الأماكن؛ لأن ذلك يدل على سفهه وضعف عقله في هذا الباب، أي في باب التصرُّفات، وإن كان عاقلًا بالجملة. وكذلك أن يكون مختارًا؛ لما تقدَّم معنا مرارًا من أن العقود وما شابه ذلك من أنواع التصرُّفات مناطُها الاختيار، فلا يصحُّ بيعُ المكره، ولا يصحُّ كذلك هدية المكره، ولا تصحُّ كذلك وصيَّة المكره، ولا يصحُّ كذلك عتق المكره؛ لأن مناطَ العقود على صحة الإرادة والقصد، بخلاف المكره، فإنه في الحقيقة لا إرادة له لفعله ما فعل أو لقوله بما قال، فعقده يكون غير معتبر. الثاني: أن يكون المعتق مالكاً لمن يعتقه؛ فلا يصح العتق من غير المالك. وهذا الشرط كذلك من الشروط الواضحة المعتبرة؛ بمعنى أن إنسان لو كان يريد أن يعتق عبداً، لا بد أن يكون مالكاً لذلك العبد. أما إذا لم يكن مالكاً للعبد، فلا يصح منه أن يقول: قد أعتقت عبد فلان أو عبد جاري أو عبد أخي أو ما شابه ذلك؛ لأنه لا يملك ذلك العبد. الأمر الثالث والشرط الثالث: أن لا يتعلق بالمعتق حق لازم يمنع عتقه، كدين أو جناية؛ فلا يصح عتقه حتى يؤدي الدين أو تدفع دية جنايته. هذا كذلك من الشروط المعتبرة، وهي أن لا يتعلق بالمعتق، أي بالعبد بعينه، حق لازم يمنع عتقه. قالوا: كدين، يعني إنسان مثلاً استدان من إنسان، فقال له صاحب الدين: أريد رهناً، اعطيني ضماناً رهناً حتى أعطيك الدين. فقال له: عبد فلان رهن حتى أقضي لك ما لك من الدين. فالآن هذا العبد ذمته صارت مشغولة بذلك الدين؛ لأنه رهن، فلا يجوز لصاحبه أن يقول: أعتقت عبدي فلان، إلا في حالة واحدة، وهي أن يقضي الدين الذي عليه أو يستأذن صاحب الدين بذلك. فإن أذن، يكون تنازل عن حقه في ذلك الرهن، وإلا فالأصل ما دام أن ذمة العبد مشغولة برهن أو نحوه، فالأصل أنه لا يصح العتق؛ لانشغال ذمة أو رقبة ذلك العبد بحق للغير. قالوا أيضاً: من الشروط المذكورة لابد أن يكون العتق بلفظ صريح أو ما يقوم مقامه من الكنايات، ولا يكفي في ذلك مجرد النية؛ لأنه إزالة ملك، فلا يحصل بالنية المجردة. هذا من الشروط المعتبرة، وهي أنه لا يعتق العبد بمجرد النية. يعني لو أن إنسانا نوى بقلبه وفي قلبه أن يعتق عبده، بات في الليل وهو يقول غدا يحدث نفسه بنفسه: إن شاء الله تعالى إذا أصبحت سأعتق عبد فلان. أصبح ولم يعتق عبده فلان، هل يكون العبد معتقا بتلك النية؟ الجواب: لا. كبقية العقود، لو أن رجلا بات وهو يقول: غدا سأطلق امرأتي، نوى ذلك، أصبح الصبح وبدأ له أن لا يطلقها، هل تطلق بالنية؟ الجواب: لا. لابد من ألفاظ هذه العقود، لابد فيها من ألفاظ، لا تكفي النية. بل لو أتى باللفظ وقصد اللفظ ولو كان هازلا، فإن العبرة باللفظ. يعني مثال ذلك: لو أن رجلا هزل فقال لعبده: أنت حر، يمزح لم يكن جادا، هل يكون معتبرا أم لا؟ العبرة باللفظ. كما أن رجلا لو قال لامرأته: أنت طالق، وهو على سبيل المزح والضحك واللعب لا على سبيل الجد، كذلك العبرة باللفظ. الأمر الثالث من الأمور المتعلقة بهذه المسألة الثانية: قالوا: صيغته وألفاظه، أي صيغة العتق وألفاظه. قالوا: ألفاظه إما صريحة، وهي ما كان بلفظ العتق أو التحرير أو ما تصرف منهما، مثل: أنت حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق، أو أعتقتك، أي وما كان بمعنى هذه الألفاظ من الألفاظ الصريحة. والصحيح من أقوال أهل العلم في الألفاظ الصحيحة وألفاظ الكنايات، على ما حرره جماعة من أهل العلم من المحققين، منهم العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره: أنها تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة. أي رب لفظ يكون في زمان ليس بصريح، ويكون في زمان آخر صريح، ورب لفظ يكون في مكان صريح، وفي مكان آخر ليس بصريح. فالعبرة في الألفاظ الصريحة وألفاظ الكنايات يدور بحسب ما تعارف عليه الناس في كل مكان وفي كل زمان. قال رحمه الله تعالى: «وَأَمَّا كِنَايَاتُ الْعِتْقِ كَقَوْلِهِ: اذهب حيث شئت، أو لا سبيل لي عليك، أو لا سلطان لي عليك، أو أغرب، أو أبعد، أو أبعد عني، أو خليتك، أو نحو ذلك. وهذه الكنايات لا يحصل عتق بها إلا إذا نوى قائلها العتق». إذن، ألفاظ العتق على قسمين: كألفاظ النكاح وكألفاظ الطلاق وما شابهها من العقود، منها الصريحة ومنها الكنايات. فالألفاظ الصريحة يكفي فيها اللفظ، يعني لو أن إنسانا قال لعبده: أنت حر، هذا لفظ صريح، فلا يشترط أن يقال: ماذا نويت بحر؟ وما شابه ذلك. العبرة باللفظ. بخلاف ألفاظ الكنايات، اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى، فيعين أحد المعنيين بالنية. فكقول مثلا: اذهب حيث شئت، يحتمل أنه أراد به أنت معتق، ويحتمل أنه: اذهب حيث شئت، أي لا أراك الآن أمام عيني، لا أنك حر. واضح هذا ممكن أم لا؟ يقول الرجل لعبده: اذهب من أمام عيني اليوم، أو اذهب من أمام عيني لا أراك، ولا يريد أنه حر، ولكن أراد الآن لا أريد أن أراك، اذهب بعيدا. فهذا اللفظ يسمى من ألفاظ كناية؛ لأنه يحتمل أن يريد به العتق، وأن يريد به أنه لا يريد أن يرى وجهه، لا أنه حر. فيقال له: ما قصدت؟ ما نويت بهذا اللفظ؟ فإن قال: نويت كذا، فهو على نيته. وإن قال: نويت كذا، فهو على نيته. فألفاظ الكنايات لا يكفي وحدها، بل لا بد من نية تعين المراد، بخلاف الألفاظ الصريحة، فإنها كافية من غير نية. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على