الدرس في التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الدرس تعريف الحج لغة وشرعاً، ويؤكد وجوبه كركن من أركان الإسلام مرة واحدة في العمر، مستعرضاً فضائله من أحاديث العمرة والحج المبرور. كما يبين شروط قبوله بالإخلاص لله وترك الرفث والفسوق، محذراً من أن المعاصي أثناء الحج تحرم الأجر العظيم.
يستعرض الدرس اشتراط المحرم لوجوب الحج على المرأة، وجواز النيابة عن العاجز بدنياً مع القدرة المالية، وصحة حج الصبي غير المميز مع وجوب حجة الإسلام بعد البلوغ. ويشير إلى أدلة جواز حج المرأة عن الرجل، وحج النذر عن الميت، والفرق بين قضاء نذر الحج وحج الفريضة عن الميت.
يؤكد الدرس أن الصبي الذي حج قبل البلوغ يجب عليه حجة الإسلام بعد البلوغ، وكذلك العبد إذا أعتق بعد حجه في الرق. ويوضح أن سفر المرأة للحج أو غيره بلا محرم يجعل حجها صحيحاً لكنها آثمة ولا تنال أجر الحج المبرور.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدأ القراءة في كتاب الحج من كتاب "التمام من أدلة الأحكام". وهذا الكتاب جامعه هو خالد بن عبد العزيز الباتلي، عُضُدَ هذا التدريس في الجامعة الإسلامية، أو في جامعة الإمام محمد بن سعود. بين ثلاثة كتب من أهم كتب أحاديث الأحكام، وهي: كتاب "عمدة الأحكام" للحافظ عبد الغني المقدسي، وكتاب "بلوغ المرام" للحافظ ابن حجر، وكتاب "المحرر" لابن عبد الهادي. هذه الثلاثة الكتب من أهم الكتب التي اعتنت بأحاديث الأحكام. جمع هذا المؤلف هذه الكتب الثلاثة في كتاب واحد، واختصر الأحاديث، يعني بحذف الأحاديث المكررة، فكان بهذا الحجم وبهذا الاختصار، سهّل على طالب العلم الوقوف على هذه الأحاديث المذكورة في هذا، أو في هذه الكتب، فجزاه الله جل وعلا خير الجزاء. قال: كتاب الحج. باب فضله وبيان من فرض عليه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». متفق عليه. وعنه رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». متفق عليه. كتاب الحج: كتاب على وزن "فعال" بمعنى مفعول، فكتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في ذكر أحاديث الحج. والحج لغة: القصد. لغة القصد، وشرعاً: القصد إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج بشروط مخصوصة وأزمنة مخصوصة. والحج فريضة من فرائض الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وهذه الآية أصل في وجوب الحج، أصل في وجوب الحج. وحديث ابن عمر في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». فهو ركن من أركان الإسلام العظام. من جحد وجوب الحج فهو كافر، من جحد وجوب الحج فهو كافر مرتد، عياذاً بالله. ومن ترك الحج مع استطاعته وقدرته البدنية والمالية فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب. والحج فرض في السنة التاسعة، نزول قول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ كان في السنة التاسعة. وأما قول الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، كان هذا في السنة السادسة أو السابعة، لكن ليس فيها فرض الحج، وإنما فيها وجوب إتمام الحج والعمرة. وأما الأمر بالوجوب فكان في السنة التاسعة. ولم يحج النبي عليه الصلاة والسلام إلا في السنة العاشرة، وهي حجته المشهورة، حجة الوداع. وذلك لأنه شغل في السنة التاسعة بالوفود الذين كانوا يفدون إليه ويدخلون في الإسلام، حتى سمي هذا العام بعام الوفود. والأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد تطهير البيت الحرام من مظاهر الشرك، ولهذا أرسل علياً رضي الله عنه، أو أبا بكر الصديق، ثم أتبعه بعلي ليحجوا بالناس، ثم يخبرونهم بأنه لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة. وسيأتي معنى أن الحج لا يجب إلا في العمر مرة واحدة، ذكر في أوائل هذا الكتاب في بيان فضل الحج، وكذلك بيان من فرض عليه. ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». متفق عليه. ومعنى "متفق عليه": أي أخرجه البخاري ومسلم من طريق هذا الصحابي بنفس هذا اللفظ أو يقاربه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما». يعني: إذا أتبع الإنسان أو كرر العمرة وتابع بينهما، فإنه إذا اعتمر في شهر من الشهور أو سنة من السنوات ثم اعتمر بعد ذلك، فإن العمرة الثانية تكون مكفرة لما بينها وبين العمرة التي قبلها. وهذا فيه تكفير العمرة للخطايا والذنوب، وهذه فضيلة عظيمة ينالها المسلم إذا تابع بين العمرة والعمرة. «كفارة لما بينهما» يعني: من الخطايا والذنوب والسيئات. «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». الحج المبرور: الذي يكون صاحبه فيه باراً، أي مطيعاً لله، لأن أصل البر هي الطاعة، طاعة الله جل وعلا. فالحج الذي يكون صاحبه فيه باراً لله، محافظاً على الفرائض، مجتنباً للمحرمات، فإن أجر ذلك أن يفوز بجنة الله سبحانه وتعالى. فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. إذاً من فضائل الحج أنه سبب لدخول الجنة، ومعنى ذلك أن الله جل وعلا يرضى عنه وتغشاه رحمة الله جل وعلا، فيكون من أهل جنة الله جل وعلا. ثم ذكر الحديث الآخر بقوله عليه الصلاة والسلام: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». متفق عليه. قوله عليه الصلاة والسلام: «من حج لله»، هذا فيه وجوب إخلاص الحج لله، أن يكون حج المسلم لله، ليس فيه رياء ولا سمعة. ما يريد بهذا الحج أن يرائي به ويتظاهر أمام الناس أنه حج، أو سمعة أن الناس يذكرونه بذلك أنه حج، أو "الحاج فلان". كما ذكر عن أحدهم أنه لما جاء من الحج قيل له: يا فلان، قال: قولوا "الحاج فلان". من أجل أيش حججنا؟ كأنه يقول: ما حججنا إلا من أجل أن تقول لنا "الحاج". لا، هذا معناه ما أخلص، ما أخلص في حجه لله، إنما أراد السمعة والثناء. بل لا بد أن يكون الحج لله، خالصاً لله، ما يريد المسلم بحجه إلا وجه الله والثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى. «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق»: الرفث: الجماع ومقدماته. والفسق: المعاصي والذنوب. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق»، أي لم يقع في شيء من الرفث فيما يتعلق بأمور النساء، ولا كذلك لم يقع في شيء من الذنوب والخطايا والسيئات. وهذا يشمل جميع المعاصي، الكبائر والصغائر. الكبائر والصغائر: من الفسق حلق اللحية. نبه على هذا لأن بعض الحجاج هداهم الله يتساهل في هذا الأمر، تجده يذهب إلى الحج ويحلق لحيته أو يقصرها ويقصقصها. هذا معصية، تحريمه من أجل الحج. أو شرب الدخان، أو سماع الغناء، أو النظر إلى المناظر المحرمة. هذا كله من الفسق. إذا وقع في شيء من ذلك حرم نفسه أجر الحج. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». مفهوم المخالفة: أنه إن رفث أو فسق لم يرجع كيوم ولدته أمه. إذاً لا بد للمسلم أن ينتبه، أن يتجنب جميع الذنوب والخطايا والسيئات حتى ينال هذه الفضيلة العظيمة، أن يرجع من حجه كيوم ولدته أمه. أي: صافياً نقياً من الذنوب والخطايا، كما أن الإنسان لما يولد يولد خالياً من الذنوب، خالياً من الذنوب. كذلك إذا رجع من حجه وقد حج لله ولم يرفث ولم يفسق، فإنه يرجع كيوم ولدته أمه، صافياً نقياً من الذنوب والخطايا والسيئات. وهذا يشمل سائر الذنوب، كبائرها وصغارها، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله. وهذه أيضاً فضيلة عظيمة ينالها المسلم. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله كتب عليكم الحج». فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت، الحج مرة، فما زاد فهو تطوع». رواه أبو داود، وصححه الحاكم، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أصل هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجبه حتى قال بعد ذلك: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم». ثم قال: «إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فدل هذا الحديث على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، لا يجب في العمر إلا مرة واحدة. إذا حج المسلم مرة واحدة سقط عنه هذا الواجب، وبرئت ذمته من هذا الفرض. وما زاد بعد ذلك إذا أراد أن يحج مرة أخرى، فيكون حجه نافلة ويكون تطوعاً. وأما الفرض فإنه يسقط بمرة واحدة. واستدل العلماء بهذا الحديث على أن الأمر لا يفيد التكرار، وهي مسألة أصولية ذكرها أهل الأصول، أن الأمر لا يفيد التكرار إلا بقرينة، إلا بقرينة. إذا دلت قرينة على إرادة التكرار أفاد التكرار، وإلا الأصل أنه لا يفيد التكرار. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب عليكم الحج»، فحج مرة: معنى إذا حج المسلم مرة واحدة أتى بهذا الواجب، وليس في اللفظ ما يفيد التكرار. لكن مثلاً قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، الأمر بإقامة الصلاة ليس فيه دلالة على التكرار، لكن جاءت الدلالة من أدلة أخرى، وهو الأمر بإقامة الصلاة في كل يوم وليلة، وكذلك بوجود أسبابها. إذا وجد سبب الصلاة وجدت الصلاة، فدل ذلك على تكرارها في كل يوم وفي كل ليلة بتكرار أسبابها، كل ما وجدت. قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». رواه أحمد بإسناد صحيح، وأصله في الصحيح. هذا الحديث استدل به العلماء على وجوب الحج ووجوب العمرة. أما الحج فأدلته ظاهرة، والإجماع على وجوبه قائم. وأما العمرة ففي خلاف وجوبها، والصحيح أنه كذلك تجب على المسلم مرة في العمر. ومن أدلة ذلك هذا الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: «عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». فدل هذا على أن العمرة واجبة. أيضاً حديث بُرَيْدَةَ العقيل عند أبي داود والترمذي وغيرهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له لما ذكر له أن أباه لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَعْن (الظعن: تحمل أعباء السفر): «حج عن أبيك واعتمر». حج عن أبيك واعتمر. هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وكذلك فيه فضيلة بهذا الحديث: فضيلة للحج والعمرة، أنهما بمنزلة الجهاد، أنهما بمنزلة الجهاد. وأن جهاد المرأة أو النساء: الحج والعمرة. جهاد النساء: الحج والعمرة. بل أيضاً كذلك الرجال الذين هم ضعفاء في باب الجهاد وقتال الأعداء، فإن جهادهم الحج والعمرة، كما جاء في أحاديث أخر. وكون الحج والعمرة بمنزلة الجهاد، هذا فضيلة عظيمة، يدل على أن الحج والعمرة منزلتهما عظيمة، حتى إنهما يساويان الجهاد في سبيل الله. قال: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: «لا، وأن تعتمر خير لك». رواه أحمد، وضعفه الترمذي وصححه، والراجح وقفه. هذا الحديث فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، وهو ضعيف بل ومدلس كبير. هذا الحديث عورض به حديث عائشة الذي قبله في وجوب الحج والعمرة، أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، وأن تعتمر خير لك». يعني فيها فضيلة ومستحبة. لكن هذا الحديث ضعيف، لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها في وجوب العمرة. قال: وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «الحج والعمرة فريضتان». وهذا الحديث فيه ابن لهيعة، عبد الله بن لهيعة، وهو سيء الحفظ، فالحديث ضعيف. لكن يدل على الوجوب حديث عائشة وحديث بُرَيْدَةَ العقيلي. قال: وعن أنس رضي الله عنه قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة». رواه الدارقطني، وصححه الحاكم، والراجح إرساله. نعم، هذا الحديث مرسل. وما هو الحديث المرسل؟ المرسل: ما أسقط التابعي الصحابي من السند. صحح عبارة هذه: عبارة البيقوني: «لم يذكر اسمه في السند». المرسل: ما أسقطه التابعي. طيب، إذا أسقط الصحابي يكون مرسلاً. ما أضافه التابعي أو من دونه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. قول التابعي أو من دونه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا يسمى مرسلاً. ولهذا صحح عبارة البيقوني: «ومرسل: من فوق تابع سقط». فالمرسل: ما أضافه التابعي أو من دونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من قسم الضعيف، من قسم الضعيف. نعم، هذا الحديث فيه تفسير السبيل، يعني في قول الله عز وجل: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ما هو السبيل؟ جاء في هذا الحديث أن السبيل هو الزاد والراحلة. هذا الحديث ضعيف، لكن معناه صحيح، معناه صحيح. في قول أكثر أهل العلم، جمهور العلماء على أن السبيل هو ملك الزاد والراحلة: أن يملك المسلم الزاد الذي يبلغه إلى بيت الله الحرام من مأكل ومشرب، وكذلك ما يحتاجه إلى نفقة أهله في خلال سفره وذهابه إلى الحج، أن يكون عنده ما يكفي أهله إذا ذهب إلى الحج، وما يكفيه في سفره إلى الحج حتى يرجع. طيب، هذا الزاد، والراحلة التي يركبها، المركب الذي يركبه ويوصله إلى بيت الله الحرام. يعني سواء كانت الراحلة خاصة، أو كانت بأجرة، كالحال اليوم: أكثر من يذهب إلى الحج يذهب براحلة، يعني بحافلة أو مركوب بأجرة، سواء كان براً أو جواً أو بحراً، فيكون عنده قيمة أجرتها التي تبلغه إلى الحج وترجعه إلى أهله. طيب، فإذا كان عنده الزاد والراحلة، ويزاد على هذا كذلك أمن الطريق: أن تكون الطريق آمنة من المخاوف. لو كان هناك في الطريق قاطع طرق أو حروب، ما يلزمه، ما يجب عليه الحج لأن الطريق غير آمنة. كذلك أيضاً يزاد شرطاً للمرأة: وجود المحرم، أن تكون المرأة معها محرم يذهب معها إلى الحج. فإن لم يكن معها محرم فلا يجب عليها الحج، فلا يجب عليها الحج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سفر المرأة بلا محرم، ما سيأتي. فإذا توفرت هذه الشروط وجب حينئذ الحج. وهذا إذا استطاع الإنسان أن يحج بماله وبدنه، عنده القدرة البدنية يستطيع أن يسافر ببدنه وبنفسه، وعنده القدرة المالية، فهنا يجب عليه أن يذهب ويحج بنفسه. وأما إذا كانت عنده القدرة المالية وليست عنده القدرة البدنية، لكونه مريضاً أو كبيراً في السن ما يتحمل أعباء السفر، فهنا ينيب غيره فيحج عنه، يعطيه المال الذي يكفيه للحج ويذهب ويحج عنه، كما في حديث بُرَيْدَةَ: «حج عن أبيك واعتمر». وكذلك سيأتي معنا في حديث الخثعمية في إذن النبي صلى الله عليه وسلم لها أو أمرها بأن تحج عن أبيها. فإذا ملك الإنسان ما يكفيه لحجه مما يزيد عن حاجته الضرورية، وجب عليه أن يحج. فإذا كان الإنسان معه أراضٍ، معه أراضٍ تزيد عن حاجته الضرورية، يلزم أن يبيع منها ما يذهبه إلى الحج من الأموال، سواء كان من أراضٍ، من سيارات، من ذهب، أو أموال، أو غير ذلك. إذا كان عنده ما يزيد عن حاجته الضرورية، فإنه يبيع ما زاد ويذهب إلى الحج. وأما حوائجه الضرورية، ما يجب عليه أن يبيعها: كأثاث البيت والأواني والفرش، أو سيارته التي يستعملها، أو بيته الذي يسكنه. هذا ما يجب عليه أن يبيعه حتى يذهب إلى الحج. وإنما يبيع ما زاد عن ذلك، وكان فاضلاً عن حوائجه الضرورية. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: «رسول الله صلى الله عليه وسلم». فرفعت إليه امرأة صبياً، قالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». رواه مسلم. لقي النبي صلى الله عليه وسلم ركبا، الركب: أصحاب الإبل، الجماعة الذين يسافرون بالإبل. والروحاء: مكان قريب من المدينة، على نحو ستة وثلاثين ميلاً من المدينة. فرفعت امرأة صبياً لها، قالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، ولك أجر». استدل به جماهير العلماء على أن الصبي يصح حجه، على أن الصبي يصح حجه، ولو كان دون سن التمييز، ولو كان دون سن التمييز. جميع العبادات لا تصح من الصغير إلا إذا كان مميزاً، كالصلاة والصيام وغير ذلك، إلا الحج والعمرة، فإنه يصح منه ولو كان دون سن التمييز، ولو كان دون سن التمييز، لهذا الحديث قال: «نعم، ولك أجر». وحينئذ إذا حج الأب أو الأم بولده، فإنه يمنعه مما يمتنع منه المحرم، يمنعه مما يمتنع منه المحرم، يجرده من ثيابه ويلبسه ثياب الإحرام، ويلبي عنه إذا كان يعني صغيراً ما يتكلم بعد، فيلبي عنه. وإذا كان إذا لقنه تلقى، فيلقنه التلبية، وهكذا يطوف معه ويسعى، إلى آخر ذلك من أعمال العمرة أو أعمال الحج. قالوا: عنه رضي الله عنه قال: كان الفضل بن عباس رضي الله عنه ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم». وذلك في حجة الوداع. متفق عليه. في هذا الحديث دلالة على أن من عجز عن الحج بنفسه لكونه كبيراً في السن أو مريضاً، فإنه ينيب غيره فيحج عنه. فهذه المرأة الخثعمية سألت النبي صلى الله عليه وسلم، أن أباها يعني جاءت فريضة الحج وهو كبير، شيخ كبير، ما يثبت على الراحلة، لو وضع على الراحلة سقط، ما يتحمل أعباء السفر. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت: أفأحج عنه؟ قال: «نعم». أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحج عن أبيها. فدل على جواز النيابة في الحج، وأن من عجز عن الحج ببدنه وقدر بماله، فإنه ينيب من يحج عنه. وهذا قول جماهير أهل العلم، جماهير أهل العلم. نعم، لا، إذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام. إذا بلغ عليه أن يحج حجة الإسلام، هذه تكون نافلة. الصبي إذا حج وهو صغير، فإذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام، ما تجزئه عن حجة الإسلام. نعم، فقلنا: فيه دلالة على جواز النيابة في الحج، وهو قول جماهير أهل العلم. ورُوي على الإمام مالك أنه قال: لا يحج أحد عن أحد، لا يحج أحد عن أحد. وصحيح أنه يجوز النيابة لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث كذلك جواز أن تحج المرأة عن الرجل، جواز أن تحج المرأة عن الرجل. فهذه المرأة أرادت أن تحج عن أبيها، فأجاز لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. إذا تجوز النيابة، فتحج المرأة أو تعتمر عن الرجل، كما أنه يجوز أن يحج الرجل ويعتمر عن المرأة. وهذا أيضاً قول جماهير أهل العلم، خلافاً للحسن بن صالح، فإنه منع ذلك، لكن الصحيح الجواز. ها، لا بد المحرم. نعم، المحرم لا بد، لكن من حيث المقصود، من حيث الجواز، أن تكون النائبة امرأة عن الرجل، يجوز. نعم، قال: وعنه رضي الله عنه أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضي الله، فالله أحق بالوفاء». رواه البخاري. نعم، هذا الحديث فيه جواز الحج عن الميت، حج النذر. إذا نذر إنسان أن يحج ثم مات ولم يحج، فيجوز للحي، سواء كان من أقربائه أو غيرهم، أن يحج عنه. ومثله العمرة، وكذلك العمرة. فهذه المرأة سألت النبي عليه الصلاة والسلام، وخبرته أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، فهل تحج عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». وبين لها أن نذرها للحج أصبح يعني واجباً في ذمتها، مثله مثل الدين. أي: لو ماتت عليها دين، أليس ستقضيه عنها؟ قالت: نعم. قال: «فكذلك الحج». إذن يجوز أو يجب على أقرباء الميت إذا استطاعوا أن يحجوا عن الميت إذا نذر أن يحج ولم يحج، فإنهم يحجون عنه. ومن باب أولى الحج الواجب، الحج الواجب إذا مات ولم يحج. لكن هذا على سبيل الاستحباب، وإنه على سبيل الاستحباب. يعني: إذا مات الإنسان ولم يحج، وأراد الورثة أن يحجوا عنه، فهذا جائز، لكن هل يجب عليهم ذلك؟ لا، صحيح أنه ما يجب عليهم، فلا تزر وازرة وزر أخرى. لكن يستحب لهم ذلك، يعني أن يحجوا عنه ويؤدوا عنه هذه الفريضة. قال: وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث، يعني بلغ سن البلوغ، فعليه أن يحج حجة أخرى. وأيما عبد حج ثم أعتق، فعليه أن يحج حجة أخرى». رواه البيهقي، وصححه الحاكم، ورجاله ثقات، إلا أن اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. كذا صححه من خزيمة. نعم، قول العلماء: "المحفوظ كذا" يقابله ماذا؟ يقابله "الشاذ". كما أن "المعروف" يقابله "المنكر". فقولهم: "المحفوظ أنه موقوف" يعني أن رفعه شاذ لا يصح. فهذا الحديث فيه الوقف على ابن عباس، أي من قوله، أي أنه من قوله. وبه قال جماهير أهل العلم: أن الصبي إذا حج في حال صباه قبل أن يبلغ، فإنه إذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام. إذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام. وهكذا العبد المملوك إذا حج حال رقه، فإنه إذا حرر من الرق وأعتق، وجب عليه أن يحج حجة أخرى، وجب عليه أن يحج حجة أخرى. «وأيما عبد حج» يعني في حال رقه، «ثم أعتق وحرر، فعليه أن يحج حجة أخرى». لأن العبد المملوك يعني قاصر وناقص، وأحكام تختلف عن أحكام الحر في كثير من الأحكام. فلذلك إذا أعتق بعد ذلك وصار حراً، عليه أن يأتي بحجة أخرى، كما يجب على الأحرار أن يأتوا بهذه الفريضة. قال: وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرتي خرجت حاجة، وإن اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: «انطلق فحج مع امرأتك». متفق عليه. «انطلق فحج مع امرأتك». هكذا، أنا أيش قلت؟ "حجج". طيب، أحسنت. هذا الحديث فيه أولاً: تحريم الاختلاط، اختلاط الرجال بالنساء. «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم». لأن اختلاط الرجال بالنساء سبب للفتنة والشر والفساد، والإسلام حريص على سد أبواب الشر وأبواب الفتنة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والدخول على النساء». قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ يعني قريب الزوج. قال: «الحمو الموت». يعني الشر منه أقرب، والفتنة منه أعظم. فاختلاط الرجال بالنساء سبب لحصول الشر والفتن. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان النساء يصلين خلف الرجال، كان يأمر الرجال ألا ينصرف منهم أحد حتى يخرج النساء، حتى لا يحصل اختلاط، حتى لا يحصل اختلاط. وكذلك أيضاً جعل للنساء أحكاماً كثيرة تخصهن، تخالف بعض أحكام الرجال، لأجل ذلك. ومن ذلك أيضاً الخلوة: خلوة المرأة الأجنبية بالرجل الأجنبي. لا يجوز للمرأة أن تخلو مع رجل ليس بمحرم لها. «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعه ذو محرم». المحرم: هو كل ذكر بالغ يحرم عليها، يعني يحرم الزواج عليها، الزواج منه، إلا الزوج. خلاف الزوج يكون من محارمها الذين يحرم عليها الزواج بهم، كالأب والابن والأخ والعم والخال، إلى آخر ذلك. فلا يخلون رجل بامرأة إلا ومعه ذو محرم. لماذا؟ لأن لو خلا بها كان الشيطان ثالثهما، كما جاء في السنن، من حديث عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». وماذا تنتظر؟ ها، من حضور الشيطان بين الرجل والمرأة، وكلاهما أجنبي عن الآخر، لا شك ما سيتركهما حتى يقع ما يريده من وقوع الفحشاء، وكذلك حصول الزنا، عياذاً بالله. «ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». هذا أيضاً نهي للمرأة أن تسافر إلا مع محرم. «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». وهذا الحكم عام يشمل أي سفر، أي سفر تسافره المرأة، سواء كان السفر للعلاج، أو كان السفر للدراسة، أو كان السفر للسياحة، أو كان السفر للحج أو العمرة. ما تسافر إلا مع ذي محرم، لا بد من وجود محرم معها. فقال رجل: يا رسول الله، إن امرتي خرجت حاجة، وإن اكتتبت في غزوة كذا وكذا. يقول: أنا كُتبت بالخروج للجهاد، وامرأتي خرجت تريد الحج. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «انطلق فحج مع امرأتك». أمره أن يترك الجهاد وأن يذهب ويحج مع امرأته. فدل هذا على أنه لا يجوز للمرأة أن تذهب إلى الحج أو إلى العمرة إذا لم يكن معها محرم. طيب، إذا قالت: أنا عندي القدرة المالية والبدنية، وليس معي محرم. نقول لها: الحج غير واجب عليك. أنت بهذا لم يجب عليك الحج، لأن المحرم شرط في وجوب الحج، وأنت لا محرم معك، فلا حج عليك. طيب، هذا القول الصحيح في هذه المسألة. وأما قول بعض الفقهاء أنه لا بأس أن تخرج مع رفقة من النساء آمنة فتسافر معهم، هذا خلاف للأحاديث الصحيحة، كهذا الحديث وغيره، التي فيها نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن سفر المرأة بلا محرم. ولا ينبغي أن تعارض أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام بآراء وأقوال الرجال. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ولا قول لأحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب، إذا حجت بلا محرم، نقول: حجها صحيح، لكنها آثمة، لكنها آثمة. وكذلك لا تنال أجر الحج، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». لن تنال هذه الفضيلة، لأنها منذ خروجها وسفرها بلا محرم ورجوعها، وهي واقعة متلبسة بالفسق. وفسقها هو سفرها بلا محرم. فحرمت نفسها هذا الأجر العظيم. قال: وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: «لبيك عن شبرمة»