الدرس في كتاب الطهارة 45، الدرس الخامس والأربعون:من( الحديث الرابع والعشرون:عن عباد بن تميم ... فلو كان لا يسمع ولا يشم وتيقن بغير هذين الطريقين انتقض وضوؤه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث نبويا يبين أن اليقين لا يزول بالشك، وتطبيقها على مسائل الطهارة والصلاة. الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يتحقق اليقين بالتغير.
يناقش كيفية التعامل مع الشك في الوضوء والصلاة، ويؤكد أن اليقين لا يزيله الشك، ويقدم نصائح لعلاج الوسوسة ويحذر من تلاعب الشيطان.
يشرح حكم خروج المصل من الصلاة بناءً على الشك في الحدث، ويفرق بين حكم الموسوس وغير الموسوس في مسائل الوضوء والصلاة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحامد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام»: الحديث الرابع والعشرون، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، قال: «شُوقِيَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في كتاب الطهارة، ووجه مناسبته ظاهرة، ففيه بيان موضع من مواضع الحدث ونواقض الوضوء، وبيان لقاعدة عظيمة في باب الطهارة، وهي قاعدة: «الشك لا يزيل اليقين» أو «لا يزول اليقين بالشك». قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، قال: هذا الحديث كما ذكر النووي رحمه الله من قواعد الإسلام العامة وأصوله التي تبنى عليها الأحكام الكثيرة؛ لأنه دليل على قاعدة كما ذكر الفقهاء من القواعد الكلية الفقهية. وهي أن الأصليقن على حكمها فلا يعدل عنها لمجرد الشكوك والضنون، سواء قوية الشكوك أو ضعفت، ما دام شك فلا فرق بين الشك القوي والشك الضعيف، كله لا حكم له إلا أن يوجد يقين. قال: ما دامت لم تصل إلى درجة اليقين، وأمثلة ذلك كثيرة لا تخفى، ومنها هذا الحديث، فما دام الإنسان متيقنا للطهارة ثم شك في الحدث، فالأصل بقاء طهارته. وهذا يعبر عنه بقاعدة فرعية تدخل تحت تلك القاعدة الكلية: «الشك لا يزيل اليقين» أو «اليقين لا يزال بالشك». وهذه القاعدة الفرعية في هذه المسألة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. قال: فما دام الإنسان متيقنا للطهارة ثم شك في الحدث، فالأصل بقاء طهارته، وبالعكس، فمن تيقن الحدث وشك في الطهارة، فالأصل بقاء الحدث. مثل إنسان يتيقن أنه دخل الخلاء، ثم ما در بنفسه إلا وهو في الصف يريد أن يصلي، يريد أن يتذكر: هل توضأ بعد أن خرج من الخلاء أو لم يتوضأ؟ هو شك، ما عنده يقين، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، إلا يذهب يتوضأ. قال رحمه الله: ومن هذا الثياب والأمكنة، فالأصل فيها الطهارة إلا بيقين نجاستها؛ لأنها على هذا الأصل أنها طاهرة. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. ومن ذلك عدد الركعات في الصلاة، فمن تيقن ثلاثا مثلا وشك في الرابعة، فالأصل عدمها؛ يعني أنها لم تكن. وهذه قاعدة فرعية فيمن شك في العدد، فيبني على الأقل. قال: وهكذا من المسائل الكثير التي لا تخفى. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا القاعدة العامة، وهي أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذه قاعدة فرعية للقاعدة الكلية: اليقين لا يزول بالشك. قال: ثانيا أن مجرد الشك في الحدث لا يبطل الوضوء ولا الصلاة، وهذا مفيد ومهم لمن ابتلي بالوسوسة، فما أكثر الناس الذين يبتلون بالوسوسة في طهارتهم وفي صلاتهم. قال: ومن أعظم أسباب العلاج العمل بهذه القاعدة: أنه لا يلتفت إلى الشك. دخلت الخلاء فشككت في استيفاء غسل النجاسة بعد أن غسلت، خلاص غسلت. بعض الناس يلعب به الشيطان لعبا في موضع الخلاء: يغسل ذكره، ثم شوية ويغسل يده، ثم يغسل يده الأخرى، ثم يغسل البزبوز من جديد، يبدأ يحلب البزبوز والبيب ويغسله غسلا، وربما شك حتى غسل الباب والجدار والأرضية الحمام كله، ويدخل في معركة داخل الحمام، ما يخرج إلا بعد ساعة، هذا من تلاعب الشيطان بالإنسان. قال: فغسلت موضع النجاسة انتهيت، خرج من الحمام انتهى، فاليقين لا يزيله الشك. وهكذا كذلك توضأت، لا ترجع إلى الوراء، تقول: أنا ما أدري غسلت وجهي أو ما غسلت، غسلت يدي اليمنى وما غسلت، غسلت مرة ومرتين، لا، إذا انتهيت فاليقين أنك انتهيت لا تشك. قال: ومنه قاعدة أن من كان على عمل فالأصل صحته، فالأصل صحة هذا العمل الذي وفيه. أنت بالتشهد لا تشك أنك ما قرأت الفاتحة، قبل أنك لم تركع، لم تسجد، قبل، خلاص أنت بالتشهد الأخير وجالس جلسة التورك، ماذا بقي عليك؟ تكمل التشهد وتسلم، تكمل التشهد وتسلم، لا يتلاعب بك الشيطان. قال: كذلك أنت تقرأ السورة، سرحت، تقرأ السورة مثلا «الزلزلة»، يأتيك الشيطان ويقول: أنت ما قرأت الفاتحة، لا تصدقه؛ لأنه شك، ولا فرق بين الشك الكبير والشك الصغير، والشك الكثير والشك القليل، كل شك لا يزيل اليقين. قال: فأنت على عمل فعملك هذا يقين، فاستمر بما بعده، لا ترجع إلى الوراء، استمر بما بعده. وهكذا قل في أشياء كثيرة في حياة المسلم، يأتي الشيطان يريد أن يتلاعب به بالوسوسة. قال: قد يقول بعض الناس: لماذا نرى أن بعض أو أن أكثر المبتلين بالوسوسة هم من الملتزمين، ليس من عامة الناس؟ الجواب: لأن هذا الباب في الغالب يأتي من شدة حرص وإخلاص، والشيطان إذا عجز أن يفتن الإنسان بالذنوب والمعاصي والكبائر، أدخله إلى أبواب أخرى: باب الوسوسة، وأبواب أخرى يتلاعب به فيها، فلا ينبغي أن تكون ممن يسقط في ما يريد من وساوسه ومن حباله، فنحذر من ذلك. قال رحمه الله: ثالثا تحريم الإنصراف من الصلاة لغير سبب بين، فالواجب أن الإنسان لا يبطل عمله، ولا تبطل أعمالكم، لا ينبغي إنسانا يبطل عمله من خير وبر، ينبغي أن يكمله. قال: فإن كان هناك سبب بين جاز له أن يخرج، مثل تضايق يريد الحمام، لا بأس يخرج، يريد كذلك إن شغل بسبب آخر يترتب عليه ضرر على نفسه وعلى غيره، جاز له أن يخرج. قال: رابعا أن الريح الخارج من الدبر بصوت أو بغير صوت ناقضة للوضوء. صلى الله عليه وسلم: «الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة»، قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا ويجد ريحا»، ما أن الخارج قد يكون بغير ريح ولا صوت، أحيانا يخرج من الإنسان شيء ليس له رائحة وليس له صوت، لكن يحس به، وهو متيقن أنه خرج منه شيء. قال: هل يخرج من الصلاة؟ الجواب في هذا تفصيل: إن كان السائل موسوس نقول له: لا تخرج حتى تسمع صوتا أو تجد ريحا، وإن كان غير موسوس يخرج ولو لم يسمع صوتا ولم يجد ريحا. قال: ودليل هذا التفصيل هذا الحديث، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه فيما رواه الطبراني وصححه العلامة الألباني: «إذا وجد أحدكم رزا في صلاته فلينصرف» أو «من وجد رزا فلينصرف»، والرز قالوا: الهواء الخارج بغير صوت ولا رائحة، وإنما بإحساس. قال: فإذا كان كذلك صار هذا دليل على التفصيل، وما فائدة هذا التفصيل؟ فائدة هذا التفصيل حماية الموسوس من أن يضيع في عالم الوسوسة، كون أن الموسوس تفوته صلاة أو صلاتين خير له من أن يبتل بالوسوسة، فتضيع عباداته كلها. قال: وفي هذا دليل على ارتكاب أخف المفسدتين لدفع ماذا أشدهما ضررا؟ ما هو أخف المفسدتين ها هنا؟ أخف المفسدتين صلوات سيصليها هذا الموسوس وهو بغير طهارة، لكن هذا قليل بالنسبة للمفسد الأكبر: هو أن يضيع صلوات وطهارات وأشياء كثيرة بسبب وسوسته. قال: عرفنا هذا، وهذه قاعدة عامة يعمل بها مع الموسوسين، ومن ذلك فتوى بعضها للعلم لمن ابتلي بسلس البول، ومن كذلك مبتلى بوسوسة في مسألة سلس البول. قال: في إنسان مبتلى بسلس البول حقيقة، وإنسان عنده وسوسة في سلس البول، يقول: أنا دخلت الخلاء وخرجت وكبرت، فشعرت شيء خرج، وخرجت من الصلاة، فما وجدت شيء، ومرة وجدت، ومرة ما وجدت. قال: يسأله: كم مرات تجد؟ وكم مرات؟ قال: والله كثير كثير مرات لا أجد، وكثير مرات أجد، إذن أنت مبتلى بشيء من الوسوسة، مثل هذا يقال له: إذا خرجت من الخلاء قبل أن تخرج انضح ثوبك، ملابسك الداخلية، انضحها، لأجل ماذا؟ لأجل إذا أردت أن تنظر ما تجد دليل أن هناك شيء خرج. قال: وإذا جاء الشيطان وقال لك: خرج منك شيء من الصلاة، لن تخرج، ولا تخرج؛ لأنه لو خرجت ما في فائدة، الثوب مبلول، كيف ستعرف أنه خرج شيء ولم يخرج شيء؟ هذا علاج للوسوسة، وهو على قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررا. قال رحمه الله تعالى: خامسا يراد من سماع الصوت وجدان الريح في الحديث التيقن من ذلك، فلو كان لا يسمع ولا يشتم، أو عندكم ولا يشم، بدون تا ولا يشم، طيب هذا أحسن. قال: فلو كان لا يسمع ولا يشم، وتيقن بغير هذين الطريقين انتقض وضوءه، وكلامه صحيح في حق من غير الموسوس، نعم، كلامه صحيح في حق غير الموسوس، أما الموسوس لا، الموسوس لا، لو قال: أنا متيقن خرج شيء، نقول: أنت متيقن أنه خرج شيء، ولم تجد ريحا، ولم تسمع صوتا، يقينك مرفوض بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، واضح، وهذا علاج لوسوسته، علاج لوسوسته. والله تعالى أعلم.