الدرس في شرح كتاب التوحيد 295، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث بأهمية تعظيم الله تعالى وتقديره حق قدره، مشيراً إلى أن عدم القيام بذلك يؤدي إلى الوقوع في الشرك، ويستدل بالآية الكريمة التي تشير إلى صفة العظمة لله تعالى. يُبين أن الكفار لم يعطوا الله حقه من الإجلال والإعظام.
يشرح عظمة الله تعالى من خلال الآية القرآنية التي تصف الأرض والسماوات في قبضته ويمينه يوم القيامة، ويبين كيف أن هذا المشهد يدل على هوان الدنيا وعظمة الله، ويحث على تعظيم مقام الله وعدم الاغترار بالدنيا.
يُشدد على أهمية تعظيم الله عز وجل والتفكر في خلقه، ويبين أن التفكر في ملكوت السماوات والأرض يزيد الإيمان، كما يُثبت صفة اليد لله عز وجل ويرد على من يُؤولها إلى القدرة.
يختم المتحدث كلامه بدعاء المولى أن ينفعهم بما قيل، ويشير إلى أن الأحاديث القادمة ستتناول تفسير الآية وعظمة الله، ويظهر الثقة في قدرة الله على تحقيق النفع ويختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. ختم المؤلف الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كتابه "كتاب التوحيد" بهذا الباب، سطره بقوله: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. فهذا الباب هو خاتم الأبواب، وبه ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الكتاب. وهذا كما قال الشراح: من براعة التأليف أن يختم المؤلف هذا الباب بهذا المقام، لأن هذا الباب من أجمع الأبواب، فيه بيان لما ينبغي لله من توحيد الألوهية والربوبية، ومن الأسماء والصفات. وفيه بيان كذلك للمعضلة العظيمة التي لأجلها وقع الشرك، وهو عدم التعظيم وعدم إعطاء الله جل وعلا حقه وقدره. فوقع الشرك من صوره ومن أحواله التي مرت معنا، فالمؤلف رحمه الله تعالى وفق في أن يختم هذا الكتاب بهذا الباب: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وهذه الآية التي بوب عليها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان لصفة أكثر الخلق الذين أعرضوا عن توحيد الله جل وعلا. ما قدر الله أي من كان من الكفار، من كان من المشركين، من كان من الملاحدة، وكل من وقع في براثن الشرك، ما الذي أوقعهم في ذلك؟ أنه لم يعطوا الرب سبحانه وتعالى الذي يستحقه من الإجلال والإعظام جل في علاه. ويدخل في هذا الباب عدم تقدير الله سبحانه وتعالى لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، كهذه الآية كما سيأتي معنا. وأيضًا يدخل في عدم تقدير الله ما يكون من اعتقاد الكفار أن الله عز وجل ما الذي أراده من بعثة الرسل وإنزال الكتب؟ فكانوا يطعنون في هذا الباب، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إذ قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. وهذا كل من عدم تقديرهم لعظمة الله عز وجل، لأنهم جهلوا الحكمة. فالكفار من سائر الملل والأديان اغتابوا في قضية بعثة الرسل، لماذا أرسل الله الرسل والأنبياء؟ كل ذلك لما خفيت عليهم مسألة التعظيم لله، لأن الله عز وجل لعظيم حكمته أرسل الأنبياء والرسل، فهم الهدى، وهم الذين يبلغون شرع الله. ولهذا الرسل هم الواسطة بين الحق وبين الخلق، الرسل هم الواسطة بين الله وبين عباد الله في قضية التبليغ والدعوة والنشر في معرفة وتعريف الناس بالحلال والحرام وبالشرائع والأحكام. فلجهل الناس لهذا الباب كان هذا من مسألة عدم تعظيمهم لله. فالشاهد أن الكفار الذي أوقعهم في الشرك أنه لم يعطوا الله حقه وقدره، وخاص في باب عدم تعظيم الله في ذاته وصفاته وأفعاله. وفي هذه الآية أشار الله سبحانه وتعالى إلى صفة عظيمة من صفاته الذاتية التي لا تنفك عنه، ألا وهي صفة العظمة. فقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، هذه الآية فيها بيان إلى ما أوقع الناس فيه من الكفر والشرك بالله جل وعلا، أنهم لم يعطوا الله حقه وقدره، وخاص في باب ذاته وصفاته وأفعاله. وعظمة الله عز وجل لا يمكن لأحد منا أن يتخيلها أبدًا، العقول البشرية تعجز بل لا تتحمل. ولهذا أشار ربنا جل وعلا في هذه الآية القرآنية إلى ما يدلل به على عظيم عظمة الله سبحانه وتعالى، فماذا قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. تخيل يا عبد الله، وهذا مقدور عليه في هذه الدنيا، الأرض وما حوت من كل شيء، هذه الأرض بما فيها من مساحات شاسعة وقفار وأراضي ووديان وجبال وبحار وأنهار وخلجان وعوالم الله أعلم بها من البشر والجان ومن الحيوان والطيور والأسماك وغيرها من العوالم، هذه الأرض بما فيها هي عند الله جل وعلا في كف الرحمن سبحانه. وهكذا السماوات وهي أعظم وأعظم من الأرض بكثير، السماوات بما فيها من كواكب نيرات من أجرام من أفلاك من مجرات لا منتهى لها، هذه السماوات بما فيها من عظم وأبهى هي كذلك مطويات بيمين الرحمن سبحانه وتعالى. الإنسان إذا استطاع ولن يستطيع أن يتخيل هذا المنظر، الأرض والسماوات كلها تكون عند الرحمن في كفه في يده جل في علاه. حينها يا عبد الله ستعلم عدة أمور منها لنستشعر جميع الإخوان في الله ما يتعلق بهواننا على الله تعالى. يا أيها المتكبر، يا أيها المتغطرس، يا من تأنف أن تنصاع لله بتوحيده والقيام بأوامره، لربما إذا قيل لك إن ربك يأمرك بكذا وكذا، لربما أدبرت وأعرضت، تعرض عن من تتولى عن أوامر من؟ يا أيها الإنسان، ما غرك بربك الكريم؟ فربك عز وجل أعظم بكثير. لأن الإنسان علم بعظمة لا، ما كان هذا حالنا والله ما كان هذا حال، لكن ما قدر الله حق قدره. الواحد منا في هذه الدنيا لربما عند رئيسه عند مرؤوسه عند مديره: افعل، ستفعل، ستفعل، لماذا؟ لعلمك بهذا الذي يتحكم فيك، بيده الراتب، بيده المعاش، بيده أن يفصلك من العمل أو يطردك من المدرسة. فأنت تنصاع لأمره، وهو ماذا حاز؟ حاز على عود أو على راتب، وما عسى الراتب أن يكون؟ لكن لما جهلنا عظمة الرب سبحانه وتعالى وقع منا الإذبار والإعراض عن أوامره. فالإنسان إخواني في الله إذا استشعر بعظمة هذه الآية، وأن الله عظيم، وأن من عظمة الرب أن الأرض وما حوت والسماء وما اجتمعت كلها إنما تعد شيئًا يسيرًا في كف الرحمن، علمنا بهواننا وهوان هذه الدنيا وما فيها عند ربنا عز وجل. وأن الإنسان لا يغتر بهذه الدنيا لا بزينتها ولا بذهبها ولا بأموالها، حتى لا يبعد به للأسف لربما من الناس من باع دينه، من باع دين ربه من أجل ريالات أو دولارات أو من أجل جنسية أو يتحصل على تأشيرة، فيبعد كل ذلك من عظم تعظيمنا لمقام الرب سبحانه وتعالى. الفائدة الثانية نستفيدها من هذه الآية أنك يا عبد الله يكفيك شرفًا أن تكون عبدًا لهذا الرب العظيم، هذا هو ربك سبحانه وتعالى الذي بيده الملك كله، تبارك الذي بيده الملك، سبحانه وتعالى ربنا هو مالك الأملاك جل في علاه. بيده السماوات، بيده الأرض، هو المتحكم، هو المتصرف. قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء. فمن استشعر بعظمة الله عز وجل وجد أن الشرف لك أن تكون عبدًا لهذا الرب، لهذا الملك، هذا الملك سبحانه وتعالى. وكما قال القائل مبينًا هذه العظمة: "ومما زادني شرفًا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثرى دخولي تحت قولك يا عبادي، وأن صيرت أحمد نبيًا". هذا شرف، ومما زادني شرفًا وتيها جاهًا أني دخلت في قولك يا رب يا عبادي، أن جعلتني عبدًا لك هذا شرف لك أن تكون عبدًا لله عز وجل. أهذا خير يا عبد الله أم حال غيرنا؟ أم حال غيرنا ممن ارتضى بالعبودية لمن؟ إما عبد لصنم أو عبد لوثن أو ذاك الذي يعبد العجل أو ذاك الذي يعبد البقر أو ذاك الذي يعبد البعر أو ذاك الذي يعبد الفروج أو ذاك الذي يعبد الشيطان؟ أناس أمم اختاروا آلهة تافهة في آلهتهم. من الذي اختاروها؟ اختاروا حيوانات أو اختاروا بهائم وحشرات أو اختاروا خشب وجمادات أو اختاروا شيء من هذه الأمور من الجمادات. لكنك انظر من اخترت؟ اخترت رب الأملاك سبحانه وتعالى الذي بيده الأمر كله، فهذا شرف لك. الأمر الثالث كذلك مما يستفاد من هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فيه بيان على ملازمة التفكر في ملكوت السماوات والأرض، وعلى أن الإنسان دائمًا يجري نظره تأملًا وتفكرًا في هذه الأكوان. فإن هذا مما يزيد في الإيمان، وبهذا أمر ربنا عز وجل العباد أن يتفكروا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. تتفكر يا عبد الله تصبح وتمسي، ليس هذا التفكر خاص بالكفار حتى يسلموا، بل كذلك هو عام بالمؤمنين حتى يزداد إيمانًا. يزداد إيمانًا متى ما جاءك الضعف في إيمانك، جاءك الخور في استقامة، تفكر يا عبد الله في ملكوت السماوات والأرض، وأن الله عز وجل ليس ببعيد عن عباده: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. فتبصر تأمل عندما تمشي، أي ممشى قلب ناظريك يا عبد الله فيما ترى من خلق الله عز وجل. أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ وإلى السماء كيف رفعت؟ وإلى الجبال كيف نصبت؟ وإلى الأرض كيف سطحت؟ تتفكر، وهذا مما يزيد في إيمان العباد. وهذه الآية في هذا الموطن: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فإذا استشعرت لهذه الآية، حين ستعلم عظيمي عظمة الرب عز وجل، وما اجتمع على العظمة والجلال والكبرياء سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية كذلك من المسائل فيه إثبات لصفتي اليد لله عز وجل، فله يد تليق بعظمته وجلاله. كما أن له ذات ليس كبقية الذوات، فله كذلك من الصفات ليس كباقي الصفات، ليس كمثله شيء جل في علاه. فربنا عز وجل له يد تليق بجلاله كما سيأتي معنا. وفي هذا رد على من أول صفة اليد إلى معنى القدرة. قل: هذا ما يتحمله النص، بدليل أن هذه الآية أخبر فيها الرب سبحانه وتعالى على أن الأرض قبضته، وأن السماوات مطويات بيمين، وأن القدرة ما توصف بالقبض، والقدرة ما توصف باليمين، فهذه صفات لماذا؟ ليد، لكنها تليق بيد الرحمن جل في علاه. فالشاهد إخواني في الله أن هذه الآية بدأ بها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب الذي ختم به الكتاب، قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وذلك لحكمة عظيمة لكي يدلل المؤلف رحمه الله تعالى أن جميع ما مضى من رسالته في كتاب التوحيد إلى هذا المنتهى إنما كله ينصب على تعظيم الله جل وعلا. وأن الإنسان إن لم يعظم الله سبحانه وتعالى فسيبدأ معه النزول إلى الدون حتى يصل به الأمر إلى الكفر والشرك، لأن هؤلاء ما أوصلهم إلى الحضيض إلا عدم التعظيم لقدرة الله جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وسيأتي معنا تحت هذا الباب الأحاديث التي سيريدها المؤلف رحمه الله تعالى تبيانًا لعظمة الله جل في علاه، وتفاسير العلماء لهذه الآية. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.