الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 54، ألقاها
اختلف العلماء في حكم الساحر بين التفصيل والتكفير استناداً إلى نوع السحر وآيات قرآنية تشير إلى الكفر في تعلم السحر. واستدلوا بآية قرآنية تدل على أن تعلم السحر يستلزم الكفر في بعض الأحيان.
استدل العلماء بآيات قرآنية على كفر الساحر الذي يستعين بالشياطين، كما استدلوا بموقف الصحابة من السحرة، وأوضحوا أن الكهان والمنجمين يدعون علم الغيب.
يعتبر من يتحاكمون إلى الكهان أو يحكمون بغير ما أنزل الله كافرين لأن الحكم لله وحده، مستدلاً بآيات قرآنية تؤكد ذلك. يشدد على أهمية الحكم بما أنزل الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه «قرة عيون الموحدين»، وهو يتكلم على باب ما جاء في السحر، قال رحمه الله تعالى: واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنهم يكفرون، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه -أي أصحاب الإمام أحمد- إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر، فلا يكفر، وهذا هو الأقرب في المسألة، وفيها قولان آخران: قول بأنه لا يكفر مطلقًا، سواء كان سحره بواسطة الشياطين والاستعانة بها أم لا، ومنهم من يكفره مطلقًا، والقول بالتفصيل هو الصواب. ومما يدل على أنه كفر، قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وهذه آية واضحة صريحة في أن الإنسان لا يتعلم السحر إلا بعد أن يكفر، ولا سيما السحر الذي به يستعين بالشياطين. وقد ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى أن الشيطان لا يكون وليًا ونصيرًا ومعينًا للساحر إلا بعد أن يتقرب إليه الساحر بأنواع من القرب، ولا بد أن يصدر كذلك من الساحر شيء من الامتهان لشيء من دين الله جل وعلا، كأن يدوس المصحف أو أن يبول عليه أو أن يلطخه بدم حيض أو يلقيه في الحش -أي في الحمامات التي نسميها اليوم- وما شابه ذلك. ومما استدل به العلماء رحمهم الله تعالى أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، قالوا: دل على أن الساحر نزع عنه الإيمان والتقوى، فصار كافرًا بالله العظيم جل وعلا. ومما استدل به كذلك على كفر الساحر قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لِمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، أي ما له في الآخرة من نصيب، قالوا: هذا لا يكون إلا في حق الكافر، إذ أن المسلم إن كان عاصيًا فإن له في الآخرة نصيبًا، بخلاف الكافر فإنه لا خلاق له ولا نصيب له في الآخرة. ومما استدل به أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾، وهذا نفي للفلاح وسلب للفلاح في حق الساحر، ونفي الفلاح وسلب الفلاح مطلقًا لا يكون إلا للكافر. وهذه بعض النصوص من كتاب الله جل وعلا استدل بها من استدل بها من أهل العلم على كفر الساحر الذي يكون سحره بواسطة الاستعانة بالشياطين والتقرب إلى الكواكب واعتقاد التأثير فيها وما شابه ذلك. ومما يدل على ذلك أيضًا ما حصل من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من الأمر بقتل هؤلاء المفسدين في الأرض، فعمر رضي الله عنه وأرضاه ثبت عنه أنه أمر بقتل كل ساحر وساحرة، فقتل ثلاثة سواحر، وكذلك ابنة حفصة رضي الله عنها قتلت ساحرًا سحرها. وقال عمر في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، قال: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وتقدم كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في حد الطاغوت وأن له أفرادًا، منها عبادة غير الله، فالمعبود طاغوت، أي المعبود الذي رضي بعبادته. والحاصل أن الكاهن يدعي ويزعم أنه يعلم الغيب المحض الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فيخبر عن أشياء ستكون، وأنها في يوم كذا سيكون كذا، وما شابه ذلك. وكذلك المنجمون الذين يدعون علم الغيب أيضًا المحض الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ومنهم الكهان، ومن يحكم بغير ما أنزل الله جل وعلا من الحق، لأن الحكم لله جل وعلا وحده لا شريك له، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. إلهنا سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.