تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 69

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 69

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية المحافظة على الصلوات وتحديد الصلاة الوسطى

يشرح المقطع معنى المحافظة على الصلوات الواردة في الآية الكريمة متضمنة الأداء في الوقت مع الشروط والأركان والخشوع، مبيناً أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر باتفاق الجمهور. كما يستدل بحديث ابن مسعود على أن أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، وأن أول الوقت أفضل لمعظم الصلوات عدا العشاء والظهر في شدة الحر.

أدلة ترجيح كون صلاة العصر هي الصلاة الوسطى وأهمية الخشوع

يستعرض المقطع أقوال العلماء والأدلة النبوية الصريحة وقراءات الصحابة التي ترجح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، مع ذكر الوعيد الشديد لمن فاتها. كما يبين أن آية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ تأمر بأداء الصلاة بخشوع وسكينة، مستشهداً بحديث أبي بصرة الغفاري وأقوال السلف في تعظيم الصلاة.

آداب دخول المسجد وتحقيق السكينة والخشوع في الصلاة

يُحذر المقطع من الالتفات والنظر يمنة ويسرة عند دخول المسجد للصلاة مؤكداً أن ذلك ينافي السكينة المطلوبة. ويؤكد أن الواجب هو الدخول بخشوع ووقار وسكينة وخضوع، وهو المقصود من آداب الصلاة الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، العلامة سعد رحمه الله، عند قول الله جل وعز: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. قال رحمه الله: يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات عمومًا، وعلى الصلاة الوسطى وهي العصر خصوصًا، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ما لها من واجب ومستحب، أنا هذا الكمال. وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر، خصوصًا إذا أكملها كما أمر بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، أي داعين مخلصين خاشعين، فإن القنوت دوام الطاعة مع الخشوع. فهذه الآية الآن ذكر المؤلف رحمه الله تفسيرها، وفيه عدة مسائل: المسألة الأولى: الأمر بالمحافظة على الصلاة. المراد بالمحافظة كما ذكر الشيخ: أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها. وهذا أيضًا المراد به إقامة الصلاة، وأقيموا الصلاة، المراد إقامتها في أوقاتها، وكذلك إقامتها بشروطها وأركانها، وإقامتها بخشوعها، فهذا معنى إقامة الصلاة. والإقامة من القيام، فالقيام أي أن تكون قائمة كاملة، لا يكون فيها شيء من العجل والنقص. فلهذا فالمحافظة عليها تكون بهذه الأمور. وقد جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود، جاء عن جماعة عن واصل الأحدب، وعن الأعمش، وعن غيرهم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، وجاء كذلك من طرق عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ أو قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «إيمان بالله». قلت: ثم أي؟ قال: «الصلاة على وقتها». الصلاة على وقتها. جاء في رواية الحاكم: «الصلاة في أول وقتها»، وإن كان إسنادها صحيحًا لكن فيه مخالفة لكثير ممن رواه هذا الحديث، فلم يذكر «أول»، لكن قد يفهم من سياق الحديث أن المراد به أول الوقت. وجاء بعض الأحاديث التي تدل على أن المراد به أول وقت. لهذا ذكر أكثر العلماء، إن لم يكن إجماعًا، أن أفضل الصلاة أن تصلى في أول وقتها، تصلى في أول وقتها، إلا صلاة العشاء، فالأفضل أن تصلى في آخر وقتها إلا عند المشقة، وكذلك أيضًا صلاة الظهر عند شدة الحر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤخرها. طيب، وأيضًا ففي هذه المحافظة على الصلاة... المسألة الثانية: ما هي الصلاة الوسطى؟ قد ذكر أهل العلم من المفسرين والفقهاء اختلاف العلماء قديما وحديثا في صلاة العصر، أو في الصلاة الوسطى، ما المقصود بقول الله عز وجل: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾؟ ومنهم من قال: الفجر، ومنهم من قال: الظهر، ومنهم من قال: العصر، ومنهم من قال: المغرب، ومنهم من قال: العشاء. ففي كل هذه الصلوات أقوال، لكن لا شك أن الصحيح أنها صلاة العصر، كما ذكر المؤلف رحمه الله، ويتأيد هذا القول بعدة تأييدات، بعدة ترجيحات: أولا: أنه قد جاء التصريح به عن النبي عليه الصلاة والسلام، صح في عدة أحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الصلاة الوسطى صلاة العصر»، كما جاء عند مسلم في قول النبي في حديث علي رضي الله عنه، لما تأخروا عن صلاة العصر قال: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، الذين ألهونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر». ألهونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر. وكذلك أيضًا كان في مصحف عائشة ومصحف حفصة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ﴾، هكذا جاء عن عائشة، وجاء عن حفصة، إن لم يكن الراوي وهم. وأيضًا جاء عن جماعة من الصحابة، وهو قول أكثر السلف، على أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. وقد كانت فيما يتلى في القرآن، ثم نسخ، نسخ لفظ «صلاة العصر»، صح ذلك في صحيح مسلم. طيب، وأيضًا من الأمور التي ترجح أنها صلاة العصر، ما جاء في الحديث من التشديد على من ترك هذه الصلاة. جاء في البخاري ومسلم، حديث الزهري عن سالم عن أبيه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله». من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله. وجاء كذلك حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ترك صلاة العصر متعمدا فقد حبط عمله». من ترك صلاة العصر متعمدا فقد حبط عمله. وجاء كذلك في حديث يحيى بن كثير عن أبي المهلب، أو عن أبي المهاجر، مولى لآل... يقول: إن أبا المهلب وهو أبو المهاجر، عم ابن أبي ذئب، أقصد عن عم أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، أن النبي قال: «بريدة، بكروا بصلاة العصر، بكروا بصلاة العصر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ترك صلاة... أو من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله». من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله. فالذي تفوت صلاة العصر فهو قد فات، أو قد كأنه انقطع عن أهله وماله، أي انقطع عن الحياة، كأنه انقطع عن حياته. الذي يفوت صلاة العصر مثل ما يقال مثلا: ضاع عمرك كله، مثل ما يقال: ضاع عمرك كله، إذا ترك الإنسان صلاة العصر فاتته صلاة العصر حتى خرج وقتها. وأيضًا مما يدل على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، ما جاء عند مسلم في حديث بتميم الجيشان عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه، قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادي المخمص صلاة العصر، فلما صلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن هذه الصلاة قد عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن صلاها فله أجره ضعفين». فمن صلاها فله أجره ضعفين. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلا تضيعنكم، أو قال: فصلوها قبل أن تطلع الشمس، أن يطلع النجم». فهذا الحديث يدلنا على أن هذه الصلاة ضيعها الأمم السابقة، وهي صلاة العصر، ضيعها الأمم السابقة، فدل على أن هذه الصلاة التي ينبغي أن يحافظ عليها أكثر هي صلاة العصر، لأن الأمم قد ضيعوها. ﴿إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ قَدْ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا﴾، فهذا أيضا يدل على أنها الصلاة الوسطى المقصود بها صلاة العصر. وزد على ذلك أنها الصلاة الوسطى لأنها تكون بين طرفين: النهار والليل، فهي آخر صلاة في النهار، ويستقبل بعد ذلك الليل إذا انتهى وقتها، استقبل الليل. وغيرها من الأشياء التي جاءت في فضلها، وفضل صلاتها، والمحافظة عليها: «من صلى البردين دخل الجنة»، حديث في الصحيحين، وغيرها من الأحاديث التي جاءت في ذلك. وكل هذا يرجح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وزد على ذلك أنها قول عام أكثر السلف وأكثر الصحابة. طيب، وأيضًا في هذه الآية قوله جل وعلا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، أن الصلاة تحتاج إلى إخلاص، تحتاج إلى خشوع، تحتاج أيضًا كذلك إلى القيام إليها بتواضع وسكينة ووقار، فإنها أدعى للقبول. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة» في الصحيحين، أن ابن عمر قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وعليكم السكينة والوقار». فلهذا فالصلاة تحتاج إلى ذل وإخلاص وتواضع لله جل وعلا. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فالقنوت هو دوام الطاعة مع الخشوع، فالمحافظة عليها بخشوع وخضوع لله عز وجل لهذه الصلاة. والمراد تعظيمها، تعظيم هذه الصلاة. إنا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم، وعلى بعض السلف، إذا قام إلى الصلاة، كما جاء عن زين العابدين وغيره، إذا قام إلى الصلاة بكى. إذا قام رحمه الله ورضي الله عنه، أنه يتذكر مقامه بين يدي الله جل وعلا، هو مقام عظيم، أنك تقوم بين يدي الله، فإن أحدكم إذا صلى فإنه يناجي ربه، فلهذا فالعب في الصلاة هو مع الله جل وعلا، يصلي لله، فلهذا الواجب تعظيم هذه الصلاة، ولا ينبغي للإنسان أن يدخل هذه الصلاة وهو يتمازح، وهو يفعل كذا وكذا، يلتفت، كما قال الإمام النووي: بل يأتيها بسكينة ووقار. قال: حتى الالتفات ممنوع، لا يدخل المسجد وهو جاء إلى الصلاة يتلفت من هنا وهنا، وينظر هنا وهنا، وهذا ليس فيه سكينة، بل يأتيها بوقار وسكينة وخضوع وخشوع. فهذا المراد، والله تعالى أعلم. فنكتفي بهذا، والله أعلم.