الدرس في منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشدد المحور على وجوب أن يقترن علم طالب العلم بالعمل الصالح، مستدلاً بآيات وأحاديث تحذر من العلم بلا عمل وتشبه صاحبه بالحمار يحمل أسفاراً. كما يؤكد ضرورة أن يكون طالب العلم قدوة عملية بأخلاقه وأفعاله، لأن التأثير بالسلوك أبلغ من القول، مستحضراً صبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى الجاهلين.
يعرض المحور تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد بالرفق والابتسامة والعطاء بدلاً من التعنيف، محولاً الموقف إلى درس دعوي وتربوي في الحكمة والموعظة الحسنة. ويبرز أن مقام الدعوة يقتدي بهدي الأنبياء في الصبر والرفق، وأن العمل بالعلم هو السبيل إلى الدعوة الصحيحة.
يقرر المحور أن الدعوة إلى الله يجب أن تقوم على العلم والبصيرة، مستشهداً بقصة قاتل المائة نفس وخطأ الراهب الجاهل في الفتوى. ويبين أن العلماء هم نجوم الهداية التي يهتدي بها الناس، محذراً من عواقب الإعراض عن نصيحتهم والتي تؤدي إلى الفتن وسفك الدماء، مختتماً بوجوب الدعوة بالرحمة والعمل بالعلم.
يختتم المتحدث المحاضرة بالدعاء إلى الله تعالى أن يرزقه والمستمعين علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقرّبهم إلى رضوانه. كما يسأل الله إصلاح حال المسلمين أجمعين، مختتماً الجلسة بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع هذه الوصايا العظيمة لطالبي العلم، وهي للشيخ العلامة أبي أحمد حافظ بن أحمد الحكم رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهي ضمن منظومته الميمية، قلنا: لماذا سميت ميمية يا أبا أسامة؟ نعم، آخرها الذي يسمى القافية، آخر الأبيات الشعرية يسمى القافية، ينتهي بحرف الميم، فسميت ميمية. وهي في الحكم، وهكذا الأخلاق والآداب. وهذه مجموعة من هذه الأبيات هي عبارة عن وصايا عظيمة لطالبي العلم. ومر معنا في الدرس الماضي الكلام حول وصية عظيمة أوصى بها رحمه الله تعالى طلاب العلم في قوله: «وأتبع العلم بالأعمال وادعو إلى سبيل ربك بالتبيان والحكم». وهذا كما سبق يا إخوان فيه أهمية أن ماذا يعمل طالب العلم بعلمه؟ يعمل بعلمه، وإلا فإن العلم سيكون وبالا عليه، سيكون وبالا عليه. من بركة العلم يا إخوان أن يعمل به صاحبه، أن يعمل به صاحبه، وإلا كان حجة عليه كما قال عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك، حجة لك أو عليك». كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، أو موبقها. وربنا عز وجل ذم من يتعلم ولا يعمل بهذا العلم، من يتعلم ولا يعمل بهذا العلم. قال تعالى في ذم اليهود الذين هذا حالهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. انظر إذا لم يعمل بالعلم مثله هذا المثل القبيح والذميم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. ما هي الأسفار يا حذيفة؟ نعم، كتب. الأسفار هي الكتب كما قيل، وعند الشيخ أسفار مجلدة ولكن ما قرأها، ولكن ما قرأها. وهكذا ربنا تبارك وتعالى مثل من كان هذا حاله، قال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. يعني سواء جرى وبدل جهدا أو جلس في مكان، ضل لا يزال يلهث، لا يزال يلهث. وهكذا وهكذا الذي لا يعمل بعلمه ولا يخلص في علمه، فإنه هذا مثله. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال الله، قال الله عز وجل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أين عقولكم؟ أين عقولكم؟ إذ أنكم ماذا تأمرون الناس وتدلون الناس على طريق الخير وتنسون أنفسكم؟ قال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ولاحظوا يا إخوان طبيعة في البشر أنهم لا يثقون في من يقول شيئا ثم لا يعمل به، ثم لا يعمل به. وكما قيل: مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولا يا قوم من أظل من واعظ خالف ما قد قاله في الملأ أظهر بين الخلائق إحسانه خالف الرحمن لما خلا بين الناس يظهر الخير والإحسان وإذا خلا بمحارم الله انتهكها أظهر بين الخلائق إحسانه وخالف الرحمن لما خلا، لما خلا. فالناس لا تثق في من يقول قولا ثم يخالفه. وهذا يا إخوان من الأمور المهمة جدا سواء في طلب العلم أو في باب الدعوة إلى الله تبارك وتعالى. لابد أن يكون طالب العلم قدوة للآخرين. ليس معنى هذا أنه يكون معصوما، لا، كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. لكن ماذا؟ طالب العلم يكون قدوة للآخرين، قدوة للآخرين، للآخرين. ولهذا الناس ينظرون إلى أفعالنا أكثر مما يركز على كلماتنا. لاحظ هذا يا إخوان: أنت قد تلقي محاضرة كما يقال طنانة بديعة، أحسنت في أدائها، نعم سيتأثر الناس بها، لكن ليس كتأثرهم بنظرهم إلى أفعالك. ما هي سيرتك وما هي أفعالك وأخلاقك وقباعك؟ ولهذا يا إخوان قد يبتلى طالب العلم، قد يبتلى، يبتلى ببعض أهل الجهل والسفة، بأهل الحسد والحقد على هذه الدعوة. قد يبتلى ببعض الجهال من العوام وغيرهم. اثبت، حاول أن تكسب الموقف. قد في أثناء خطبة الجمعة يقوم لك واحد يقول: اسكت يا كذاب، هيا، ويأتي بكلام. حاول تضبط نفسك، حاول أن تتعامل مع هذه المواقف بمعاملة حسنة، معاملة حسنة. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأتيه رجل ويجذبه بردائه جذبة شديدة. قال أنس بن مالك: قال فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية، أي طرف الرداء. فقط لا، وإنما قال هذا الرجل بعدما فعل: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يضربه ضربا مبرحا أو يأمر أحد أصحابه أن يؤدبه أدبا حسنا، لكن هي دعوة يا إخوان، هي دروس تربوية، دروس دعوية. نحن الذين نأتي من بعده نتعلم منه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. أما الذي يريد حظوظ نفس، والذي يريد سمعة وشهرة، ما يرضى بهذا: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. النبي صلى الله عليه وسلم استغل هذا الموقف في دعوة، ماذا فعل عليه الصلاة والسلام؟ التفت إلى هذا الأعرابي وابتسم في وجهه، ابتسم في وجهه، ثم أمر له بعطاء، أمر أن يعطى من بيت مال المسلمين. أعرابي يدخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فيذهب إلى ناحية أو زاوية، ماذا يفعل؟ بال فيها، بال في المسجد. نحن الآن لو دخل أعرابي أو دخل طفل صغير وذهب إلى ناحية وزاوية من المسجد وجعل يبول، ماذا سنفعل به؟ قد يضرب ويعنف. الصحابة رضي الله عنهم قاموا إلى الأعرابي. هنا الدرس التربوي الدعوي: قال: «لا، لا يقوم أحد»، قال: «لا لا تزرموه»، ستقطعوا بول الرجل، هنا سيتأذى، لا تقطعوا بول الرجل فتجرون ويجري ويتفرق البول هنا وهناك، وبعدها مشق في تطهيره. دعوه، لا تزرموه، أكمل بوله. الحل يسير جدا: أمر بذنوب فيه، ما سطل، وعاء فيه ماء، فصب على بول الأعرابي. انتهى الموضوع، طهر المكان. ثم دعا الأعرابي، دعا الأعرابي، فجعل يعلمه، قال له: «إن هذه المساجد لم تبنى لهذا». ما هو هذا يا أبا نصر؟ ما هو هذا؟ لم تبنى لهذا، البول والأوساخ والقاذورات. هذه بيوت الله يجب أن تكرم وتعظم وتطهر: «إن هذه المساجد لم تبنى لهذا، إنما بنيت للصلاة وتلاوة القرآن». وجعل يعدد له. ما هو الأثر؟ ما هو الدرس الذي استفاده الأعرابي؟ قال: «ما رأيت معلما كرسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رأيت معلما كرسول الله صلى الله عليه وسلم». في صحيح البخاري أنه قال قبل أن يبول: «اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا أبدا». وجاء في مسند الحاكم وغيره أنه قالها بعد أن بال، فقال له عليه الصلاة والسلام: «لقد ضيقت» أي في دعائك أنت ومحمد فقط، ادع لإخوانك. قال: «لقد حجرت» أي في دعائك. فشاهدوا من هذا أن طالب العلم أحوج ما يكون إلى أن يعمل بعلمه. ومر معنا يا إخوان أن السلف رحمة الله عليهم كان أحدهم إذا أراد أن يحدث بحديث ماذا؟ عمل به، كما جاء، كما جاء عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهذا من باب العمل بالعلم، العمل بالعلم. وهنا يقول: «وادعوا إلى سبيل ربك»، وادعوا إلى سبيل ربك بالتبيان والحكم. والدعوة لا تكون إلى الأشخاص، الدعوة لا تكون إلى الأشخاص، وإنما الدعوة تكون إلى الله عز وجل. ادعو إلى سبيل ربك بماذا؟ بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وهو أعلم بالمهتدين. قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فماذا؟ العلم الذي نتعلمه نعمل به يا إخوان، وندعو الناس إليه، وندعو الناس إليه. قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، هنا علم نافع وعمل الصالحات، عمل بالعلم. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، أوصى بعضهم بعضا بهذا الخير وهذا الحق، وهكذا. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، فالذي يعمر يدعو ويعلم لا بد أن يصبر، لا بد أن يتحمل، لا بد أن يحتسب الأجر عند الله عز وجل، عند الله عز وجل. فماذا؟ فهذا مقام عظيم يا إخوان، مقام الدعوة إلى الله عز وجل، مقام التعليم، هذا مقام شريف، هو مقام الأنبياء والمرسلين، هو مقام الصحابة والتابعين، هو مقام العلماء الراسخين. وهكذا الدعاء المهتدين. ولهذا ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. من أحسن من هذا؟ من أحسن من هذا؟ لا أحد. هذا ولي الله، هذا حبيب الله، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال: «إني من المسلمين». والدعوة يا إخوان كما ذكرها هنا بالتبيان والحكم، الدعوة تكون بالعلم، الدعوة تكون على بصيرة، وإلا فمن دعا دعا بجهل كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما ذكر ذلك الإمام والخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: «من دعا إلى الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح». ولهذا في حديث أبي سعيد الخدري في قصة ذلكم الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، يعني قتل، فأسرف في القتل، أصبح القتل عنده أمر اعتيادي، سفك الدماء من الأمور الهينة. أتى يريد أن يتوب، فسأل، وكان السؤال موجها لراهب، والراهب هو العابد من عباد بني إسرائيل، لكن ليس عنده علم، ليس عنده علم. النصارى يا إخوان ضلوا، ومن أسباب ضلالهم أنهم عملوا بجهل. ولهذا مر معنا أن سفيان رحمه الله تعالى يقول: «من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى». طيب، أتى إلى هذا الراهب، لتعبد، وليس في ذلك تزهيدا في العبادة، لكن العبادة تحتاج إلى علم. فسأله، قال: إنه قتل تسعا وتسعين نفسا، هل لي من توبة؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب، قال: تسع وتسعين نفس، وعادت، أقرت تتوب؟ قال: لا، أي ليس لك توبة. وهو يقول: ليس لك توبة، ويغضب الرجل فيقتله، فيكمل به المئة. لكنه لا يزال حريصا على التوبة وجادا في طلبها، بحث عن أعلم أهل الأرض. هذه المرة يا إخوان دل على عالم، والعالم يا إخوان رحمة، العلمة يا إخوان مصابيح في الدجا، أي في الليل. كم يستفيد الناس من المصباح في الليل؟ وهكذا منارات وعلامات في الهدى، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. مر معنا ما ذكره الإمام أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى، يقول أبو مسلم الخولاني: «العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، إذا بدت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا». المسافر في البحر أو في الصحراء يعتمدون على النجوم في معرفة الطرق، في معرفة الطرق. طيب، إذا ظهرت اهتدوا، وإذا خفيت، كان الجو غيما ومظلما لا ترى النجوم، هنا يتحير المسافرون. وهكذا الناس في الأرض مع العلماء، مع العلماء. تظهر الفتنة، يحتاج الناس من ينير لهم الطريق ويضيء لهم السبيل، وإلا تخبطوا. قال الحسن البصري: «لو لا العلماء لصار الناس مثل البهائم، مثل البهائم». يا إخوان يعني يتقاتلون ويتصارعون ولا يدرون أين يتجهون. لو لا العلماء لصار الناس مثل البهائم. ولهذا ما أحوج الأمة إلى العلماء الذين ينيرون لهم الذروب والسبيل، والسبيل. قال ربنا عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. تأتي الفتنة يا إخوان فينبري لها العالم ويتصدى لها فيقمعها ويرشد الناس إلى الطريق الصحيح. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ما سبب هذه الحروب وهذه الفتن والفوضى التي تصيب بلاد المسلمين إلا البعد عن نصائح العلماء، عن نصائح العلماء. يشتغل فيها الإعلاميون، إعلامي، ماذا عساه أن ينفع؟ وماذا عساه أن يفيد؟ والبضاعة التي تنشر معظمها كذب، كذب وتلبيس وتزييف وتزيين وغير ذلك. يتصدى لها من كان متعطشا للدماء، متعطشا للدماء، يقتل العشرات أو المئات، ما في مشكلة، أمر سهل جدا. لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم». قال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك»، أي الكعبة المشرفة، قال: «ولدم المسلم أعظم حرمة منك، أعظم حرمة منك». مسلم واحد يا إخوان، سفك دمه هذا مصيبة عظيمة، ولو كان بالمشرق أو المغرب. المسلمون تجمعهم رابطة العقيدة، رابطة الإيمان، الإسلام، التوحيد، فيتألم لما يصيب المسلمين في أنحاء الدنيا وأسقاع المعمورة. كما مر معنا أن بعض السلف يقول: «إني لأحزن بموت المسلم»، قال: «فكأنما عضوا من أعضائي سقط، كأنما عضوا من أعضائي سقط». فآه، ماذا إذن؟ هذان أمران عظيمان تضمنهما هذا البيت في وصايا طالبي العلم: الأول العمل بالعلم، الثاني الدعوة إلى الله عز وجل بعلم وبصيرة ورحمة وغيرها مما كان النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بذلك وكانت دعوته دعوته عليه الصلاة والسلام كذلك. يأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى ما يتعلق به الصبر على طلب العلم، وهكذا أن يتأسى طالب العلم بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين ومن تابعهم بإحسان من العلماء الربانيين الراسخين المهديين. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم علما نافعا وعملا صالحا يقربنا إليه، يسأله تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.