تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 68

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 68

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام المهر والمتعة في الطلاق قبل الدخول وبعده

يبيّن المقطع أحكام المهر عند الطلاق قبل المسيس، حيث تستحق المطلقة نصف المهر المسمى إن فرض، والمتعة إن لم يفرض، بينما تجب المهر كاملاً (المسمى أو مهر المثل) عند الطلاق بعد الدخول. كما يشير إلى جواز عفو الزوجة عن نصف مهرها المفروض.

تفسير "الذي بيده عقدة النكاح" وحق العفو في المهر المفروض

يناقش المقطع الخلاف الفقهي حول شخصية "الذي بيده عقدة النكاح"، مرجحاً أن الولي (الأب) هو المقصود لكون العفو يكون عن حق واجب دفعه أو فرضه. ويوضح أحكام نصف المهر المفروض عند الطلاق قبل الدخول، وحق الزوجة أو الولي في العفو عنه.

فضل العفو والإحسان في المعاملات الزوجية والعامة

يؤكد المقطع أن العفو عن الحقوق المستحقة كنصف المهر يعد من الإحسان والفضل الذي حث عليه الشرع، وعلى المسلم ألا ينسى المعروف بينه وبين الآخرين اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويذكر أن الله يجازي المحسنين بالفضل والكرم كما في قصة من كان يتجاوز عن المعسرين فغفر الله له.

خاتمة وتلخيص تفسير الآية

يختم المؤلف بتلخيص ما تم ذكره في تفسير آية المهر والطلاق، مؤكداً أن الله تعالى هو العليم بما في الآية من أحكام وحكم. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمسائل الفقهية والتربوية المستفادة من الآية الكريمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. قال رحمه الله: إذا طلقتم النساء قبل المسيس وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر المفروض نصفه، ولكم نصفه. هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة؛ لأن تعفو عن نصفها لزوجها، لذلك كان يصح عفوها. فهذه الآية فيها أن الرجل إذا طلق المرأة ولم يمسها وقد فرض لها فريضة، أي: قد فرض لها مهراً مسمى، فلها نصف ما فرض. وتقدم معنا الآية التي قبلها: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٍ ﴾. في الآية التي قبلها فيها أنه لم يمسها ولم يفرض لها فريضة، أي: لم يسمِ لها مهراً، فلم يجعل الله عز وجل شيئاً محدداً، فقالوا: متّعوهن على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، متاعاً بالمعروف. أنا يعطيها متعة، يعطيها شيئاً يمتعها به. هذا متى؟ إذا لم يمسها ولم يسمِ لها مهراً. وكما ذكرنا قبل في الدرس الذي مضى: أن الحالات هنا ثلاث حالات، والحالة الثالثة تنقسم إلى قسمين. أولاً: الحالة الأولى: أنه إذا طلقها ولم يمسها ولم يفرض لها فريضة، لم يسمِ لها مهراً، معناها ما سمى لها لكن عقد عليها ثم طلقها ولم يمسها. فهنا إذا لم يسمِ لها مهراً يعطيها متعتها. وقلنا: قول الشافعي لأنه واجب، أنه يعطيها متاعاً، يعطيها ثوباً أو كذا. وإذا كان طلقها ولم يمسها وقد سمى لها مهراً، فيكون لها نصف المهر، وله نصفه. وإذا كان قد أعطاها إياه ترجع له نصف المهر، ترجع له نصف المهر. وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن بعض أهل العلم كابن عباس في رواية عنه أنه يقول: إنها منسوخة. وأكثر العلماء على أنها محكمة، وأنها يعطيها نصف المهر. فإن كان قد أعطاها المهر فترجع له نصفه، ترجع له نصفه. هذا حقها إلا أن تعفو، إلا أن تعفو عن نصفها، أو فتعطيه إياه لبعث كما سيأتي في هذه الآية. والحالة الثالثة: إذا دخل عليها. أنا إذا دخل عليها، فإن كان قد فرض لها مهراً مسمى، فلابد أن يعطيها إياه إذا طلقها. فإن أعطاها فهي لها، لكن إن لم يعطيها فلابد أن يعطيها إياه، فهو دين عليه، دين عليه. إن طلقها لابد أن يعطيها هذا المهر الذي قد سماه لها. وإن لم يسمِ لها، دخل عليها لكنه لم يسمِ لها مهراً، فيعطيها مهر المثل، فيعطيها مهر المثل. لأن إذا دخل عليها استحقت المهر كله، إذا دخل عليها استحقت المهر كله. طيب. وهنا كما قلنا: إذا لم يمسها ولم يفرض، وفرض لها فريضة، فنصف ما فرضتم. وإن لم يفرض، قال في الآية قبلها: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾. لكن فرض لها، قال: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾. إما أن تعفو هي عن نصفها لزوجها، تقول: خلاص، مثلاً ما أريد شيئاً، فهذا لها ذلك. قال: ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾. قال المؤلف هنا: وهو الزوج على الصحة؛ لأنه الذي بيده حل عقدته. وهذه الآية اختلف فيها السلف والخلف: معنى من الذي بيده عقدة النكاح؟ هل هو الزوج أو الولي؟ معنى: بعض العلماء يقول أن الولي. الذين قالوا أنه الولي، أي: للولي أن يعفو كذلك. معنى الولي: يقول للزوج: نحن ما نريد شيئاً. فهذا الذي يقول أنه الولي. وجماعة من أهل العلم قالوا: أنه الزوج. وهنا المؤلف يقول: الصحيح أنه الزوج؛ لأنه بيده عقدة النكاح. وهذا هو الظاهر؛ لأن الولي ليس بيده عقدة النكاح، وإنما بيده في البداية. لكن بعد العقد إذا تم العقد، فيكون بيد الزوج عقدة النكاح، تكون بيد الزوج. فلهذا قال الله عن زوج: ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾. أي: يعفو الزوج عن حقه، يعفو الزوج عن حقه، فيقول مثلاً: يعطيها المهر كله، يعطيها المهر كله. معنى: ليس لا يأخذ النصف. فإذا أعطاها المهر، قد... قد معنى: إذا كان المهر مقدماً، فيقول: خلاص، أنا ما أريد شيء، خذ المهر كله. هذا تكرم منه. وإن لم يكن قد أعطاهم، يعطيهم... يعطيهم المهر، يقول: هذا المهر يعتبره مثل المتاع، يعتبر هذا النصف الثاني مثل المتاع. خلاص، يقول: هذا تكرم لهذه المرأة أنها رضيت به، فيعطيها المهر كله كاملاً. قال رحمه الله: وهو الزوج على الصحيح؛ لأنه الذي بيده حل عقدته. ولأن الولي لا يصح أن يعفو عما وجب للمرأة لكونه غير مالك ولا وكيل. وقيل: وقيل إنه الأب. وهو الذي يدل عليه لفظ الآية الكريمة. وهنا ذكر في الحاشية قال: هذا بحسب ما ظهر لي وقت كتابتي لهذا الموضع. ثم بعد ذلك تبين لي أن القول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، الأقرب هو الأب، وهو الأصح؛ لمساعدة اللفظ له والمعنى، كما هو ظاهر للمتدبر. معنى: جعل يقول الشيخ أنه في آخر الأمر تبين له أنه الولي، وأن الولي له أن يعفو مثل الزوجة. فقال: ﴿ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾. وإنما قال ذلك لأن العفو لا يكون على شيء لم يدفع، وإنما العفو عن شيء قد فرض أو دفع، قد فرض أو دفع. فلهذا قالوا هنا: الولي، أنه يعفو. والولي يقول: نحن ما نريد شيء مثلاً منك. فله أن يعفو، وللولي أن يعفو. معنى: يكون له حق على المرأة في ذلك. فهذا الذي يقول الشيخ أنه تبين له في آخره؛ لأنه هو لفظ الآية، معنى ظاهر الآية هذا. قال رحمه الله: ثم رغب في العفو، وأن من عفى كان أقرب لتقواه؛ لكون إحساناً موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف. ولأنه لم يحصل بينهم شيء، وإنما فقط عقد. فالأفضل أنه يعفون؛ لأنه لم يحصل بينهما شيء من التقارب، وإنما يستحل أن تستحل المرأة هذا المهر باستحلال بضعها. قالوا: لكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف. وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة. لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب وإعطاؤه الواجب. يعني: يأخذ الإنسان حقه ويعطي ما عليه. هذا أقصد العدل والإنصاف: أنه يأخذ ما له ويعطي ما عليه. قالوا: وهو أخذ الواجب ويعطى الواجب. وأما فضل وإحسان: فهو يعطى ما ليس بواجب، والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس. أن هذا يعتبر إحساناً. ما بعد الواجب هو إحسان. معنى: إعطاء ما ليس بواجب. معنى: ممكن أنه لا يعطي، لكن لو أعطاه يعتبر بالإحسان. أيضاً المسامحة عن الحقوق، عن دين أو عن ما يكون له من حق، كمثل امرأة هنا تسامح عن نصف المهر، فهذا له، وهو من الإحسان والفضل. من الإحسان والفضل. أو حتى أن يغض مما في النفس، هو أيضاً كذلك من الإحسان في المعاملة. قال: فلا ينبغي الإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصاً لمن بينك وبينه معاملة أو مخالطة. وقد... وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام، من... من أروع ما يذكر عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يرد الجميل ولا ينسى جميل أحد. ومن ذلك: كان يكافئ بعض أصحابه وأخوات خديجة رضي الله عنها، لما قامت به معه من مؤازرته، فكان يكرم أخواتها وصاحباتها. وهذا من رد الجميل. وهكذا يكون الإنسان مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه لا ينسى فضل أحد. ومن أعظم الفضل فضل الزوج على زوجته. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾. قال: وقصصاً لمن بينك وبينه معاملة ومخالطة. فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم. فذاك الرجل الذي ليس معروفاً بالخير ولا معروفاً بالعمل الصالح، لما كان يتجاوز عن المعسرين وينظرهم، فإن الله عز وجل تجاوز عنه، كما جاء في الصحيح في حديث بهريرة وزيد بن خالد، وجاء أيضاً عن عبد الله بن مسعود وحذيفة. فكان يعفو عن المعسر ويتجاوز عنه، فتجاوز الله عز وجل عنه وأدخله الجنة. قال: فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. هذا خلاصة ما ذكره المؤلف هنا، وما يذكر في هذه الآية. الله تعالى عالم.